السبت 22 أغسطس 2020 10:41 ص

منذ الإعلان عن اتفاق تطبيع العلاقات بين (إسرائيل) والإمارات، استخدم الإعلام والسياسيون الغربيون عبارات مختلفة لوصف هذا التطور بما في ذلك "تاريخي" و"اختراق" و"إعادة تنظيم استراتيجي" و"طريق إلى مستقبل مشرق للغاية"، وقد اقترح بعض كبار مساعدي الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" أنه ينبغي منحه جائزة نوبل للسلام للوساطة في الصفقة، وحتى "جو بايدن"، المرشح الديمقراطي للرئاسة، أشاد باتفاق التطبيع.

قرر "ترامب" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" إعطاء صيغة رسمية لتعاونهم العميق والمتنامي. ولكل من القادة الثلاثة أسبابه الخاصة لإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات بين تل أبيب  وأبوظبي.

تفصلنا عن الانتخابات في الولايات المتحدة أقل من 3 أشهر، ويواجه "ترامب" تعقيدات لإعادة انتخابه نتيجة كون الولايات المتحدة أسوأ دولة في احتواء وباء "كورونا". علاوة على ذلك، لم يحقق "ترامب" أي نجاح في السياسة الخارجية يمكنه ادعاءه.

وبالمثل، يواجه "نتنياهو" اتهامات بالفساد والرشاوى، بينما يقف التحالف الذي شكله مع منافسه "بيني جانتس" على أرضية هشة. وقد تبخر الثناء الأولي الذي تلقاه "نتنياهو" لاحتواءه فيروس "كورونا" بينما يواجه موجة ثانية.

في هذا الصدد، ينظر أفراد الأسرة الحاكمة في الإمارات إلى الإسلام السياسي وإيران كتهديد وجودي لنظامهم. واجه "بن زايد" بشدة حكومة "الإخوان المسلمين" التي لم تدم طويلا في مصر، ومنذ ذلك الحين كان أقوى داعم للرئيس الحالي "عبدالفتاح السيسي". في السنوات الأخيرة، وسع "بن زايد" حربه ضد الإسلام السياسي لتشمل اليمن وليبيا ودول أخرى. ومن الأسباب الرئيسية للخلاف بين الإمارات من جهة وتركيا وقطر من جهة أخرى هو دعم أنقرى والدوحة للأحزاب والحركات السياسية الإسلامية الإقليمية.

لم يثق قادة الإمارات في إيران قط. وبالنظر إلى التفاوت الهائل بين الخصمين من حيث عدد السكان والحجم، يواجه قادة الإمارات تحديا في كيفية التعامل مع إيران. دعمت أبوظبي استراتيجية "أقصى ضغط" الأمريكية، لكن في بعض الأحيان، يزور كبار المسؤولين الإماراتيين طهران ويلتقون بنظرائهم الإيرانيين.

يشك قادة الإمارات وقادة الخليج الآخرون في نوايا الولايات المتحدة، ويتهمون واشنطن بالتخلي عن الرئيس المصري السابق "حسني مبارك" والتفاوض من وراء ظهورهم على الاتفاق النووي مع إيران. ويرون أن "ترامب" يحاول سحب القوات الأمريكية من سوريا والعراق. بينما تفتقر روسيا والصين وأوروبا إلى الإرادة والقدرات لملء الفراغ الأمني ​​الملحوظ.

وفي الوقت نفسه، تشترك (إسرائيل) في تصورات أمنية مماثلة مع الإمارات ودول الخليج الأخرى. على مدى عقود، كانت (إسرائيل) تقاتل "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في غزة، وتساعد مصر في حملتها ضد الإسلاميين في سيناء. إضافة إلى ذلك، منذ أوائل التسعينيات، كان "نتنياهو" أكثر زعماء العالم صراحة ضد برنامج إيران النووي. وجرى اتهام (إسرائيل) بتخريب المنشآت النووية الإيرانية، واغتيال علماء نوويين، واستهداف القوات الإيرانية وحلفائها في كل من سوريا والعراق، وتنفيذ هجمات إلكترونية ضد الجمهورية الإسلامية.

  • ماذا بعد؟

كانت ردود الفعل على اتفاقية التطبيع الإسرائيلية الإماراتية مختلطة. إذ أفادت التقارير أن البحرين وعُمان والسودان، من بين دول أخرى، من المرجح أن تحذو حذو الإمارات، لكن كل حكومة ستقرر مسار العمل الذي ترغب في التصرف فيه بناءً على تصور قادتها لديناميكيات الأمن الإقليمي.

ومع ذلك، فإن الاتفاق يؤكد على العديد من الاتجاهات التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار.

أولا، ربما لم تعد القضية الفلسطينية توحد العرب في جميع أنحاء المنطقة بالطريقة التي كانت عليها من قبل، لكن (إسرائيل) لا تزال غير مقبولة على الإطلاق. يعارض الكثير من المسلمين والعرب السيطرة الإسرائيلية على الأماكن الإسلامية المقدسة؛ فالقدس مهمة لملايين المسلمين حول العالم.

ثانيا، خرق الاتفاق الإجماع بين القادة العرب، بقيادة السعودية، على أن مبادرة السلام العربية لعام 2002 هي إطار العمل لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي. وقد أُقِرت مبادرة السلام العربية من قبل جامعة الدول العربية وتدعو إلى التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وحل عادل لمشكلة اللاجئين.

ثالثا، تستند الاتفاقيتان اللتان وقعتهما (إسرائيل) سابقًا مع الدول العربية (مصر عام 1979 والأردن عام 1994) إلى الأرض مقابل السلام؛ أي وافقت (إسرائيل) على إعادة الأراضي التي احتلتها مقابل التطبيع مع القاهرة وعمان. لكن "بن زايد" عرض التطبيع مجانا. إذ وافق "نتنياهو" فقط على تعليق مؤقت لضم أجزاء من الضفة الغربية.

رابعا، من خلال جلب (إسرائيل) رسميا وعلنيا إلى الفناء الخلفي لإيران، من المؤكد أن الاتفاقية ستزيد التوتر في الخليج. وقد حذر رئيس الأركان الإيراني "محمد باقري" من أن الإمارات تتحمل مسؤولية أي انتهاك لمصالح إيران الوطنية، وأكد أن طهران ستغير بشكل جذري نهجها تجاه أبوظبي.

خامساً، من المؤكد أن إنشاء محور عربي إسرائيلي ضد إيران سيؤدي إلى تصعيد التوتر الإقليمي. ويبدو الشرق الأوسط الواسع منقسمًا على نحو متزايد بين كتلتين رئيسيتين: إحداهما تشمل (إسرائيل) والإمارات والسعودية ومصر والأردن وتدعمها الولايات المتحدة والأخرى تشمل إيران وتركيا وقطر وتدعمها روسيا والصين.

أخيرًا، ظل حكام الإمارات (ودول عربية أخرى) على مدار سنوات عديدة يشترون برامج تجسس إسرائيلية لجمع البيانات عن المعارضين داخل وخارج بلدانهم. ومن غير المحتمل أن تساهم مثل هذه الممارسات في تعزيز الاستقرار، لكن الأولى هو الشروع في إصلاح سياسي واسع النطاق وحقيقي قائم على الشفافية والحوكمة الرشيدة مما يحسن شرعية الحكومات ويعزز الاستقرار السياسي المحلي.

المصدر | جودت بهجت/ريسبونسيبل ستيتكرافت – ترجمة وتحرير الخليج الجديد