دولة صندوق مصر السيادي

انتقلت إلى الصندوق مؤخرا عدة أصول من بينها مجمع التحرير

من يراقب أنشطة وقرارات مجلس إدارة الصندوق الذي يدير أصولا للدولة تقدّر بمئات المليارات من الجنيهات؟!

إذا كان الصندوق السيادي يتم إعفاؤه من الضرائب والرسوم فهل بات المواطن البسيط هو من يسدد تلك الضرائب؟

هل الهدف من تأسيس الصندوق تزويد الخزانة العامة التي تعاني عجزا كبيرا بالأموال أم اغتراف المليارات منها بالإعفاء من الضرائب؟

الصندوق السيادي بات محصنا من المساءلة والرقابة الرسمية والشعبية والملاحقة القانونية مما يفتح باب الفساد والمحسوبية وإهدار المال العام.

ما طبيعة صندوق مصر السيادي؟ هل هو صندوق يتولّى إدارة فوائض الدولة المالية في الخارج كالصناديق السيادية الخليجية وصندوق النرويج؟

*     *     *

حصل صندوق مصر السيادي، الذي تأسس بموجب القانون 177 لسنة 2018، على مزايا ضخمة لم تحصل عليها مؤسسة حكومية قبله، بل ولم تحصل عليها حتى الوزارات السيادية بالدولة.

فالصندوق السيادي، وبحكم تعديلات على قانون تأسيسه أقرها البرلمان، بات محصناً بشكل كامل من المساءلة والرقابة الرسمية والشعبية والملاحقة القانونية، وهو الأمر الذي قد يفتح الباب أمام شبهات الفساد والمحسوبية وربما إهدار المال العام!

بل ويُثير التعديل علامات استفهام عدة حول كيفية إدارة أموال الصندوق، وكيفية التصرف في حصيلة بيع الأصول المملوكة له والتي هي في الأصل أصول تابعة للدولة ومملوكة للمصريين.

صحيح أن أيمن سليمان، الرئيس التنفيذي للصندوق السيادي، خرج علينا يوم السبت مؤكداً أن الصندوق يخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، ويقدم تقريراً سنوياً للجمعية العمومية ورفعه لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، لكن لم يقل لنا:

من يراقب أنشطة وقرارات مجلس إدارة الصندوق الذي بات يدير أصولاً تابعة للدولة تقدّر قيمتها بمئات المليارات من الجنيهات؟!

من يحاسب رئيس الصندوق وكبار مديريه في حال اتخاذهما قرارات خاطئة تضر بأصول الدولة المدارة وتحقق خسائر فادحة للدولة، وعلى أي أساس يتم نقل الأصول الضخمة التابعة للدولة إلى الصندوق، ما مصير حصيلتها في حالة بيعها؟

وهل هناك ضوابط تنظم عملية البيع بحيث لا تؤول هذه الأصول الاستراتيجية إلى جهات معادية للدولة المصرية، أو إلى مستثمرين عرب وأجانب يكونون معبراً وغطاء لرجال أعمال إسرائيليين، وربما مؤسسات رسمية في دولة الاحتلال.

الصندوق السيادي حصل أيضاً على إعفاء معاملاته وأنشطته والكيانات المملوكة له بالكامل من جميع الضرائب والرسوم، مما يضيع مليارات الجنيهات على خزينة الدولة، ويطرح تساؤلات حول الهدف من تأسيس الصندوق؟

وما إذا كان هو تزويد الخزانة العامة التي تعاني من عجز مالي كبير ورفدها بالأموال كما تردد، أم اغتراف المليارات من هذه الخزانة الخاوية عبر الإعفاء من سداد الضرائب؟

وإذا كانت مؤسسة بحجم الصندوق السيادي يتم إعفاؤها من سداد الضرائب والرسوم، فهل بات المواطن والموظف البسيط هو من يسدد تلك الضرائب من جيبه المخروم أصلاً؟

وأخيراً وقبل أيام انتقلت إلى صندوق مصر السيادي أبرز أصول مملوكة للدولة، آخرها أصول مساحتها 190 فداناً، أو ما يوازي 800 ألف متر مربع وتقع في قلب القاهرة وتقدر قيمتها بمئات المليارات من الجنيهات.

من بين هذه الأصول مبنى مجمع التحرير، أضخم مجمع حكومي في البلاد، والمقر القديم لوزارة الداخلية القريب من المجمع، والمقر السابق للحزب الوطني المنحل الذي تعرض لحريق أثناء ثورة 25 يناير ويقع على كورنيش النيل، ومباني وأرض القرية التعليمية الاستكشافية بمدينة السادس من أكتوبر، وأرض ومباني ملحق معهد ناصر بكورنيش شبرا مصر، وأرض حديقة الأندلس، وهي حديقة الحيوان سابقاً بطنطا.

لم يقل لنا أصحاب القرار، على أي أساس تم التنازل عن هذه الأصول الاستراتيجية المملوكة للدولة لصالح الصندوق السيادي، وهل هناك أصول أخرى في الطريق، برج القاهرة مثلاً، مرفق مترو الانفاق، الأراضي الضخمة المملوكة لسكك حديد مصر، مقر اتحاد الإذاعة والتلفزيون، حديقة الحيوات بالجيزة.

وأخيراً، لا أعرف حتى الآن ما طبيعة صندوق مصر السيادي، هل هو صندوق يتولّى إدارة فوائض الدولة المالية في الخارج على غرار الصناديق السيادية الخليجية، وصندوق النرويج، أكبر صندوق في العالم، أم أنه صندوق تؤول إليه أصول الدولة لإدارتها، وفي هذه الحالة ما الفارق بينه وبين الوزارات الاقتصادية، مثل وزارة قطاع الأعمال العام، والشركات القابضة التابعة لها عشرات من الشركات الحكومية.

مطلوب مزيد من الشفافية والوضوح حول أنشطة صندوق مصر السيادي، وكيفية إدارة أصول الدولة وصناعة القرار الاستثماري به، وأوجه الصرف حتى لا تثار حوله الكثير من الأسئلة كما يحدث مع صندوق تحيا مصر، أو يتحول إلى دولة داخل الدولة، لأن هذا صندوق مملوك للمصريين ويدير أموال الدولة، وليس صندوق استثمار يملكه عدد من كبار رجال الاعمال والمستثمرين والشركات الخاصة.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد