السبت 19 سبتمبر 2020 09:25 ص

سيكون لاتفاق التطبيع الإماراتي مع (إسرائيل)، الذي جرى توقيعه الثلاثاء الماضي، تأثير كبير على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط على المدى الطويل.

وتم تأطير الاتفاق على أنه لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، لكن الهدف منه أكثر من ذلك. فعلى عكس اتفاقيات السلام السابقة التي أبرمتها (إسرائيل) مع مصر في 1979 والأردن في 1994، والتي ظلت على مستوى الحكومات ولم تسمح بتغلغل أعمق للمجتمع، فإن التقارب مع الإمارات يجلب (إسرائيل) إلى قلب المنطقة.

ومن خلال استثمار رأس المال السياسي والاقتصادي والثقافي للإمارات، من المحتمل أن تكتسب (إسرائيل) القدرة على التأثير على الأحداث في جميع أنحاء المنطقة، فيما يتعلق باليمن ودول الخليج الأخرى، وحتى العراق.

تحالف استراتيجي

في هذا السياق، تعتبر الصفقة خبرا سيئا للغاية بالنسبة لتركيا وقطر؛ فالدولتان في طليعة تطوير بنية إقليمية أمنية بديلة تختلف عن الكتلة التي تتضمن دول الخليج العربي الأخرى ومصر وكذلك الكتلة المعروفة  بمحور المقاومة الإيراني. 

ولمنع التحالف الإماراتي الإسرائيلي من اكتساب زخم استراتيجي يغير قواعد اللعبة في السنوات المقبلة، سيتعين على إيران وتركيا وقطر العمل معا بشكل أوثق، ليس فقط في يتعلق بمواءمة سياساتها واقتصاداتها، لكن أيضا فيما يخص مواقفها الاستراتيجية.

تنظر تركيا إلى إيران على أنها منافس إقليمي، لكن هذه العقلية يجب أن تتغير، وإلا فإن التحالف بين التيار العربي التقليدي و(إسرائيل) قد يؤسس ميزة استراتيجية في المستقبل غير البعيد.

ليس هناك شك في أن إيران لديها الكثير لتخسره من التقارب الإماراتي الإسرائيلي، حتى أكثر من الفلسطينيين. وبالرغم من الادعاءات الإماراتية بأن الصفقة لا تستهدف إيران، إلا أن الجمهورية الإسلامية اعتبرت الصفقة تهديدًا كبيرًا لمصالحها الاستراتيجية الإقليمية.

أصدر الحرس الثوري بيانا شديد اللهجة وصف الصفقة بالحماقة التاريخية والخيانة الواضحة، مشيرا إلى أنها ستسرع من سعيه "لإبادة (إسرائيل)". وكرر المرشد الأعلى "علي خامنئي" هذه المعاني، وانتقد القادة الإماراتيين على "خيانتهم" وأعرب عن ثقته في أن الصفقة "لن تدوم طويلا".

قلق عميق في طهران

إن خوف إيران المباشر هو من تأثير الدومينو عبر الخليج مع دول أخرى. ومن شأن ذلك أن يزيد من حدة شعور إيران بالحصار، خاصة في سياق حملة "أقصى ضغط" الأمريكية، التي تسعى إلى تغيير سلوك إيران الإقليمي بشروط تمليها واشنطن.

على المدى المتوسط ​​والطويل، تخشى إيران من اختراق إسرائيلي واسع لمجالات مختلفة في المنطقة من الطاقة والبترول إلى التدخل السياسي والتعاون الاستخباراتي.

وفي إشارة إلى القلق العميق في طهران، حذر رئيس أركان الجيش الإيراني، اللواء "محمد باقري"، الإمارات من أن نهج إيران تجاه الإمارات سيتغير في ضوء الاتفاق مع (إسرائيل). وقال، في بيان قوي، إن إيران ستحمّل القادة الإماراتيين المسؤولية إذا تضرر أمنها القومي نتيجة للاتفاق.

ويعتبر السؤال الرئيسي في هذا المنعطف هو ما تخطط إيران للقيام به لتقويض الصفقة والتخفيف من آثارها السلبية المحتملة، لا سيما في المجالات الدفاعية والأمنية. ستمارس إيران بلا شك ضغوطا أكبر على كل من (إسرائيل) والإمارات لحملهما على التفكير مرتين قبل الشروع في مشاريع أمنية ودفاعية مشتركة كبرى.

ويعتبر ممارسة الضغط على (إسرائيل) أسهل، كما يتضح من تطويق إيران لـ(إسرائيل) من الشمال عبر حليفها اللبناني "حزب الله"، ومن الجنوب عبر الجماعات الفلسطينية المسلحة. فيما يعتبر ممارسة الضغط على الإمارات أصعب؛ لأسباب ليس أقلها أن إيران لديها علاقات دبلوماسية واقتصادية مع الإمارات.

إضافة إلى ذلك، يعيش مئات الآلاف من الإيرانيين في الإمارات، لا سيما في دبي؛ مما يخلق نفوذا وقيودا لكلا البلدين، ويؤكد الحقيقة الأكبر المتمثلة في أنه بغض النظر عما يحدث فإن البلدين بحاجة لاستمرار العلاقات.

المصالح السياسية المشتركة

يمكن لإيران أن تقوض الاتفاقية الإماراتية الإسرائيلية من خلال التواصل مع الدولتين اللتين تتشارك معهما بعض المصالح السياسية والاستراتيجية وحتى الأيديولوجية. حيث ستتأثر كل من تركيا وقطر سلبا بالتقارب الإماراتي الإسرائيلي.

كما أن تركيا غاضبة بشكل خاص؛ لأنها منخرطة بالفعل في حرب بالوكالة مع الإمارات في ليبيا وسوريا. واتهم مسؤولون أتراك الإمارات بتقديم دعم مالي ولوجستي لحزب العمال الكردستاني شمال شرقي سوريا.

ورغم تطابق وجهات نظرهما السياسية ورؤاهما الاستراتيجية في كثير من الملفات، فإن تركيا وقطر لم يطورا بعد هياكل مشتركة متماسكة ومستدامة لتعزيز سياساتهما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فغالبا ما يعملان من خلال التنسيق فقط، لا سيما في سوريا، وبدرجة أقل في ليبيا.

فيما تمتلك إيران وسيلة متطورة للغاية لتعزيز مشروعها الأيديولوجي ومصالحها السياسية ورؤيتها الاستراتيجية في جميع أنحاء المنطقة. وهو "محور المقاومة" الذي يجمع إيران وسوريا (وبدرجة أقل العراق)، ومجموعة واسعة من الوكلاء بما في ذلك "حزب الله" في لبنان و"الحوثيين" في اليمن.

مشاريع طويلة المدى

ورغم الزخم المستمر لما يُعرف بـ"محور المقاومة"، هناك الآن كل خطر من أنه قد يواجه عقبات رئيسية يصعب التغلب عليها؛ حيث تحشد الولايات المتحدة و(إسرائيل) والسعودية والإمارات جميع مواردها لمواجهة إيران.

في وضعهما الحالي، لا يمكن أن تأمل تركيا وقطر في الإخلال بتوازن القوى تجاه بعض دول الخليج ومصر. ولعل أفضل ما يمكن تحقيقه فيما يتعلق بنقاط التوتر بالوكالة، ولا سيما ليبيا، هو حالة الجمود.

لقد أثبتت إيران وقطر وتركيا بالفعل القدرة على العمل في مشاريع طويلة الأجل؛ حيث قامت إيران وقطر، على سبيل المثال، بتجميع مواردهما وخبراتهما في تطوير مشروع الغاز الطبيعي البحري "جنوب فارس/القبة الشمالية". وبالنسبة لإيران وتركيا، يتمتع البلدان بتاريخ طويل من العلاقات الثنائية القوية. ورغم التوترات الأخيرة بشأن سوريا، فإن علاقتهما لا تزال مستقرة نسبيا.

ومع ذلك، إذا أرادت الدول الثلاث تجنب التهميش من قبل محور التطبيع العربي الإسرائيلي، فإنها بحاجة إلى تنحية خلافاتها جانبا، ورفع علاقتها المشتركة إلى مستوى إستراتيجي.

سيحدث ذلك فرقا كبيرا، ليس فقط من حيث السيطرة على الإمارات و(إسرائيل)، لكن أيضا من حيث الحفاظ على التطلع الفلسطيني إلى إقامة دولة.

المصدر | ماهان عابدين/ ميدل إيست آي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد