الاثنين 21 سبتمبر 2020 02:36 م

كشفت وثائق سرية اطلعت عليها صحيفة "الجارديان" أن السعودية تمتلك احتياطات هائلة من خام اليورانيوم تفيض عن احتياجاتها من الوقود النووي.

ووردت تفاصيل الاحتياطات في تقارير أعدها للمملكة الجيولوجيون الصينيون، الذين كانوا يسعون جاهدين لمساعدة الرياض على تحديد احتياطياتها من اليورانيوم بسرعة فائقة كجزء من اتفاقية التعاون في مجال الطاقة النووية.

وسيزيد هذا الكشف من المخاوف بشأن اهتمام الرياض ببرنامج أسلحة ذرية.

مخاوف الأسلحة النووية

يصف تقرير المسح كيف عمل الجيولوجيون على مدار السنة (بالرغم من حرارة الصيف الحارقة) لتحديد الاحتياطيات التي يمكن أن تنتج أكثر من 90 ألف طن من اليورانيوم من 3 رواسب رئيسية في وسط وشمال غرب البلاد.

ويشير مسح 2019 إلى أن الاحتياطيات يمكن أن تزود السعودية بالوقود اللازم للمفاعلات التي تريد بنائها، فيما يستخدم الفائض للتصدير.

ولم تتمكن صحيفة "الجارديان" من التحقق بشكل مستقل من صحة التقرير، الذي كتبه معهد بكين لأبحاث جيولوجيا اليورانيوم والمؤسسة النووية الوطنية الصينية، بالتعاون مع هيئة المسح الجيولوجي السعودية.

ويقول الخبراء إنه إذا كانت المملكة قادرة على استخراج ما يكفي من اليورانيوم محليًا، بدلاً من الاعتماد على مزودين أجانب، فيمكن أن يمنح ذلك المملكة دفعة نحو إنشاء برنامج أسلحة خاص بها.

وقال الزميل البارز في برنامج السياسة النووية في مؤسسة "كارنيجي" للسلام، "مارك هيبس": "إذا كنت تفكر في تطوير أسلحة نووية، فكلما كان برنامجك النووي محليًا، كان ذلك أفضل. ففي بعض الحالات، سيطلب الموردون الأجانب لليورانيوم التزامات بالاستخدام السلمي، لذلك إذا كان اليورانيوم الخاص بك محليًا، فلا داعي للقلق بشأن هذا القيد".

كما قال الخبير "بروس ريدل" من معهد "بروكينجز"، إن المعلومات أظهرت أن السعوديين يسعون بقوة وراء المتطلبات الأساسية لبرنامج طاقة أو أسلحة، مشيرا إلى أن تأمين مصدر محلي لليورانيوم سيعزز جهودهم.

وقد أصبحت الطموحات النووية للمملكة مصدر قلق متزايد في الكونجرس الأمريكي وبين الحلفاء، لا سيما منذ أن أعلن ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" في عام 2018 أنه إذا طورت إيران القنبلة النووية "فسوف نحذو حذوها في أقرب وقت ممكن".

ويتمثل القلق الدولي الأكبر في افتقار السعودية للشفافية، خاصة أن المملكة تجنبت عمليات التفتيش من خلال بروتوكول الكميات الصغيرة، الذي يعفي من مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى النقطة التي يتم فيها إدخال الوقود الانشطاري إلى المفاعل، وذلك بموجب اتفاق عام 2005 مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتحاول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إقناع النظام الملكي السعودي بقبول برنامج مراقبة كامل الآن، لكن السعوديين رفضوا هذا الطلب حتى الآن.

وقال رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية "رافائيل جروسي"، يوم الإثنين، عندما سئل عن التحقق في السعودية: "نحن في حديث معهم. إنهم مهتمون بتطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية بالطبع".

تفاصيل التنقيب

تظهر الخرائط أن أغنى مناطق الاحتياطيات على مقربة من الموقع الذي تم اختياره لمدينة "نيوم" الجديدة التي تعتبر محور مشروع "رؤية 2030" لولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" لوقف اعتماد الاقتصاد على النفط.

بدأت الصين العمل في التنقيب في عام 2017 عبر 9 مناطق مختلفة تم تحديدها على أنها تحتوي على رواسب يورانيوم محتملة، وانتهت في نهاية العام الماضي.

ولدى بكين مصالح دبلوماسية وتجارية، حيث قال "هيبس" إن مساعدة السعودية في برنامجها النووي تقوي العلاقات مع حليف رئيسي للولايات المتحدة، وأن الصين تبحث دائمًا عن إمدادات جديدة من الخام.

تفاخر تقرير المشروع بالسرعة القصوى له، والتي تم تحقيقها جزئيًا من خلال العمل في درجات حرارة تزيد على 50 درجة مئوية، ما تسبب في إصابة العديد من أفراد الفريق بضربة شمس.

ويقول التقرير: "وفقًا للممارسات الدولية الشائعة، يستغرق اكتشاف وتقدير الموارد المستنبطة لرواسب اليورانيوم والثوريوم من 5 إلى 8 سنوات.. هذا المشروع استمر لمدة عامين فقط".

غطى الاستكشاف 9 مناطق على مساحة 30 ألف كيلومتر مربع؛ وفي كثير من الأحيان لم يكن هناك طريق للوصول إلى المواقع أو تغطية شبكة.

وأضاف التقرير: "بقي المتخصصون الصينيون في الموقع لمدة 8 أشهر متتالية مع زملائهم السعوديين، وعملوا خلال عطلات نهاية الأسبوع والعطلات وحتى عطلة عيد الربيع (أكبر عطلة في التقويم الصيني)".

تم تفصيل سلسلة من النكسات الأخرى في التقرير، حيث عطل المسلحون بانتظام عمليات الحفر، بالقرب من الحدود مع اليمن، حيث تدور رحى حرب أهلية، وأعلن السكان المحليون حظر مناطق معينة على فرق الاستكشاف.

كما أن السيول أعاقت المركبات وصعبت عمليات الحفر. وفي منطقة أخرى، تسببت التضاريس الناعمة ذات الطبقات المعقدة في جعل الحفر صعبًا.

وأشرفت هيئة المسح الجيولوجي في فنلندا، التي تحظى بسمعة دولية بعملها في التضاريس الصعبة، على بعض عمليات الاستكشاف، مما عزز مصداقية النتائج.

ولم ترد السلطات السعودية ولا معهد بكين لأبحاث جيولوجيا اليورانيوم أو المؤسسة النووية الوطنية الصينية وهيئة المسح الجيولوجي في فنلندا على طلبات للتعليق.

ومن المرجح أن تكون الخطوة التالية هي إجراء تحقيق مكثف في 3 مناطق تم تحديدها كأولوية عالية، لتأكيد مستويات الاحتياطي، واقتصاديات استخراجها.

وتقع المناطق الثلاث داخل تكوين جيولوجي قديم يسمى درع السعودية، مع احتياطيات غنية تتطابق مع "الدروع" المماثلة في كندا وأستراليا.

ضرورة المراقبة

وقال المحللون في مركز "جيمس مارتن" لدراسات عدم الانتشار إنه لا توجد أي إشارة في صور الأقمار الصناعية على أن التعدين قد بدأ بعد في المناطق التي حدد العلماء الصينيون والسعوديون أنها أكثر المناطق الواعدة، لكنهم قالوا إن ذلك لم يكن مفاجئًا حيث لم تمر إلا بضعة أشهر فقط على الانتهاء من مشروع التنقيب.

وقال "إيان ستيوارت"، رئيس مكتب مركز "جيمس مارتن" لدراسات عدم الانتشار في واشنطن: "من الواضح أنه من المهم مراقبة تلك المواقع، لأن ذلك سيعطينا مؤشرًا واضحًا على أن السعودية تمضي قدمًا في تعدين اليورانيوم".

وزعمت تقارير صحفية أمريكية حديثة، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أن السعوديين بنوا مطحنًا لمعالجة خام اليورانيوم إلى "كعكة اليورانيوم الصفراء" وهي الخطوة التالية في الدورة الطويلة المطلوبة لصنع وقود للمفاعلات أو للأسلحة النووية، لكن "ستيوارت" قال إنه لا يوجد دليل حتى الآن في صور الأقمار الصناعية لمثل هذا الأمر.

وقال: "بالنظر إلى أن المواقع المرشحة بعيدة تمامًا عن موقع مطحنة اليورانيوم المزعومة، فإننا مضطرون للتشكيك في التقارير التي تفيد بوجود طاحونة أصلًا، نحن نعتبر أنه من غير المحتمل أن يتم بناء مطحنة بدون مصدر محلي للخام. وعلينا أن نفترض أن المصادر الوحيدة للخام هي تلك المحددة في هذه الوثائق. إذا كان لدى الحكومات دليل على وجود منشأة، فعليها تقديم المزيد من التفاصيل لنا لاستنتاج دقة التقارير".

وفي رد بالفاكس على أسئلة من صحيفة "الجارديان"، قالت وزارة الخارجية الصينية إن البلاد  ساهمت في تطوير الاستخدام السلمي للطاقة النووية".

وأضافت: "وقعت الصين والسعودية اتفاقية تعاون حكومية دولية بشأن الاستخدام السلمي للطاقة النووية،وجاد التعاون بين البلدين في هذا الإطار".

المصدر | جارديان - ترجمة وتحرير الخليج الجديد