الأربعاء 23 سبتمبر 2020 05:46 ص

تواجه العلاقة الاستراتيجية طويلة الأمد بين السعودية وباكستان تحديات هائلة، ونظرا لعلاقتهما التاريخية الوثيقة، من غير المرجح أن تشهد الرياض وإسلام أباد انهيارا خطيرا في العلاقات الثنائية.

ومع ذلك، فإن التحولات الجيوستراتيجية وأولويات السياسة الخارجية المتغيرة ستستمر في وضع الرياض وإسلام أباد على خلاف مع بعضهما البعض، بالرغم من أن كل منهما يفضل عكس ذلك.

ويجب على الولايات المتحدة أن تأخذ في اعتبارها هذا الانجراف بين السعودية وباكستان، لأنها تعتمد بشكل متزايد على كلا اللاعبين الإقليميين لتحمل عبء ثقيل في المسائل الأمنية لكل من الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

ويشير الخلاف الدبلوماسي الأخير في أعقاب انتقاد وزير الخارجية الباكستاني "شاه محمود قريشي" للمملكة لعدم تقديمها الدعم بشأن نزاع كشمير بين إسلام أباد ونيودلهي إلى تضارب في المصالح وتغير في الأولويات الوطنية للحليفين المقربين.

وأظهرت بعض التعليقات الصريحة للغاية من كبار الدبلوماسيين الباكستانيين إحباطا عميقا من الاستجابة السعودية بشأن نزاع كشمير منذ 5 أغسطس/آب 2019، مع إلغاء الهند وضع الحكم الذاتي للمنطقة ذات الأغلبية المسلمة.

ومن غير المرجح أن يؤدي الخلاف الدبلوماسي الأخير إلى تعطيل أو حتى انهيار العلاقات الثنائية بسبب التداعيات الخطيرة على كلا الجانبين، وكذلك على المنطقة التي تعاني من الخصومات والصراع الطائفي والشد والجذب الجيوسياسي.

ومع ذلك، تنذر العلاقات المتوترة الأخيرة بأن تتحدى مجموعة من القضايا الإقليمية كلا البلدين بينما يعملان على الحفاظ على علاقة تعاونية ووثيقة.

تعكر العلاقات

وكانت العلاقات بين إسلام أباد والرياض قد تعمقت بمرور الوقت، وأصبحت واحدة من أقوى التحالفات الإقليمية المتجذرة بعمق في المصالح الدينية والاجتماعية والسياسية والأمنية المشتركة.

ويتمتع كلا البلدين بعلاقات ودية في معظم تاريخهما، وهو تحالف نجا من التغييرات الحكومية والقيادية في كلتا الدولتين، إنها علاقة متبادلة المنفعة.

وما تحتاجه باكستان هو المساعدة المالية، التي قدمتها الرياض منذ فترة طويلة كلما انزلقت إسلام أباد في الهاوية الاقتصادية، وهو ما تفعله كثيرا.

على سبيل المثال، قبل عامين، عندما كانت باكستان في خطر التخلف عن سداد التزامات ديونها الخارجية، سارعت السعودية إلى إنقاذها من خلال تقديم حزمة إغاثة بقيمة 6.2 مليار دولار، قبل وقت طويل من خطة إنقاذ أخرى بقيمة 6 مليارات دولار من قبل صندوق النقد الدولي في يوليو/تموز الماضي.

بالإضافة إلى ذلك، يعمل أكثر من 2 مليون باكستاني في المملكة، ويرسلون التحويلات المالية إلى الوطن بالعملات الأجنبية التي تمس الحاجة إليها وتحظى بتقدير جيد من قبل السلطات في إسلام أباد.

وبالإضافة إلى الكرم المالي، تمتعت النخبة الحاكمة في باكستان بالإضافة إلى مجموعة من الجهات الدينية السنية بالتعامل كضيوف ملكيين عند زيارة الأماكن الإسلامية المقدسة في المملكة.

نتيجة لذلك، كان للسعودية تأثير كبير على السياسة الداخلية لباكستان، إضافة إلى قراراتها السياسية الخارجية والداخلية.

وفي المقابل، كانت باكستان شريكا أمنيا وعسكريا موثوقا للسعوديين منذ الستينات، وأرسلت باكستان آلاف الجنود للدفاع عن المملكة خلال حرب الخليج عام 1991.

وبموجب ترتيب عسكري ثنائي، تقوم إسلام أباد أيضا بتصدير الأسلحة التقليدية إلى الرياض، بالإضافة إلى توفير التدريب العسكري للقوات السعودية، ولطالما أبدت النخب الباكستانية، المدنية والعسكرية على حد سواء، ولاء لا جدال فيه للعائلة المالكة السعودية.

ومع ذلك، فإن التحول الأخير في الأولويات عندما تبنت كل من الرياض وإسلام أباد سياسات تستند إلى المصالح الوطنية لكل منهما ليس أمرا مفاجئا.

وواجهت العلاقة بين البلدين أول اختبار رئيسي لها عندما بدأت حرب اليمن عام 2015 وطلب السعوديون من باكستان تكليف قوة عمل عسكرية كبيرة بالجهود الحربية ضد المتمردين الحوثيين.

وكان قرارا صعبا بالنسبة لرئيس الوزراء آنذاك "نواز شريف"، الذي تربطه علاقات وثيقة جدا بالحكام السعوديين بسبب أعوامه الطويلة في المنفى في المملكة.

وبعد مداولات طويلة، قرر البرلمان الباكستاني عدم إرسال قوات إلى اليمن، وصوت بالإجماع لصالح قرار يحدد بوضوح نهج الدولة في الصراع السعودي اليمني: "على باكستان أن تظل محايدة".

وكان من المنتظر أن يقدم "شريف"، الذي كان قريبا بشكل خاص من السعوديين، دعما كبيرا للمملكة في شكل نشر القوات في مناطق الصراع أو الأراضي السعودية، لكن ذلك لم يكن ممكنا بسبب الاستقطاب السياسي المرير في باكستان، فضلا عن وسائل الإعلام النابضة بالحياة التي تتميز بأصوات متنوعة وحتى مناهضة للانخراط في مثل تلك الحروب.

ولقد كان قرارا حكيما من جانب باكستان بالابتعاد عن الصراع الذي طال أمده في اليمن بينما كانت إسلام أباد غارقة في حرب استمرت عقودا ضد المسلحين في المناطق المتاخمة لأفغانستان.

وشعر السعوديون بخيبة أمل شديدة، لكنهم قبلوا حقيقة أن الباكستانيين لن يساهموا في حرب اليمن، وبعد ذلك بعامين، وفي محاولة لحل المشكلة، أصبح قائد الجيش الباكستاني السابق، الجنرال المتقاعد "رحيل شريف"، رئيسا للتحالف العسكري الإسلامي الذي تقوده السعودية، الذي يوصف أيضا باسم "الناتو الإسلامي".

ووقع حدث آخر أدى إلى توتر العلاقات بين الرياض وإسلام أباد في وقت مبكر من هذا العام، عندما طلبت باكستان عقد اجتماع خاص لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي لتسليط الضوء على الفظائع المزعومة التي ارتكبتها القوات الهندية في منطقة كشمير التي تديرها الهند، ورفضت الرياض هذا الطلب لتجنب تعريض صداقتها المزدهرة مع الهند للخطر.

ومن منظور إقليمي، يمكن للمرء إدراك محاولة ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" الجريئة لتنويع الاقتصاد السعودي المعتمد على النفط من خلال فتح قنوات تجارية جديدة ومشاريع اقتصادية متعددة.

ويولد هذا محورا نادرا ما كان يُرى في الدبلوماسية السعودية التي تتسم بالحذر عادة، ما يوسع جهود الرياض الاستباقية ومتعددة الأبعاد لتوسيع تحالفاتها في المنطقة وخارجها.

وفي هذا التوجه الجديد في السياسة الخارجية، تظهر الهند كشريك ثمين، وفي حين لا ترضى إسلام أباد بالتأكيد عن الصداقة المزدهرة بين الرياض ونيودلهي، لكنها تجنبت حتى الآن الانتقادات العلنية من أجل تجنب استعداء الحكام السعوديين.

وبعد كل شيء، تجنبت باكستان انتقاد معاملة الصين للإيجور لتجنب الإضرار بعلاقتهما الاقتصادية المزدهرة.

ويمكن تفهم حزن باكستان وخيبة أملها بسبب سياستها الخارجية المتمركزة حول الهند، ولا تزال كشمير تقع في قلب السياسة الخارجية الباكستانية.

ونظرا للمكانة الفريدة التي تتمتع بها السعودية كزعيم سني في باكستان، بصفتها القائم على إدارة الحرمين الشريفين، فإن لدى باكستان توقعات بسياسة سعودية أكثر نشاطا لمساعدة ومعالجة محنة المسلمين في كشمير الذين يتم قمعهم من قبل القوات الهندية.

وفي المقابل، عندما واجهت باكستان اللامبالاة الواضحة من جانب الرياض فيما يتعلق بنزاع كشمير، فقد أدى ذلك فقط إلى تعميق الاستياء بين النخب الحاكمة في إسلام أباد، وبلغ ذروته في الخلاف الدبلوماسي الأخير.

نحو كتلة إسلامية جديدة

وتُعد تركيا حاليا واحدة من أكثر البلدان شعبية التي يتم الحديث عنها في الخطاب الاجتماعي والسياسي الباكستاني، بفضل رعاية رئيس الوزراء "عمران خان" لبث الدولة للدراما التليفزيونية التاريخية التركية "قيامة أرطغرل"، التي غالبا ما توصف بأنها النسخة الإسلامية من "لعبة العروش".

وأقامت باكستان علاقات دافئة واستراتيجية مع تركيا في الأعوام الأخيرة، الأمر الذي أثار استياء السعودية، ودعمت تركيا وماليزيا علنا موقف باكستان بشأن كشمير في المنتديات الدولية، متجاهلة المزاعم الهندية بأن كشمير هي قضية داخلية للهند.

وأيضا، أنقذت كل من تركيا وماليزيا، جنبا إلى جنب مع صديق إسلام أباد الأكثر ثقة، الصين، باكستان من تخفيض ترتيبها من "القائمة الرمادية" إلى "القائمة السوداء" من قبل فريق العمل المالي التابع للرقابة العالمية.

وخلال التوترات المتصاعدة بين إيران والسعودية، حافظت إسلام أباد على علاقاتها مع كلا البلدين من خلال التنقل بعناية عبر الصدع.

لكن التصور السعودي الآن، بغض النظر عن توافقه مع الواقع الفعلي، بأن تركيا وماليزيا تريدان إنشاء كتلة جديدة من الدول الإسلامية بمساعدة باكستان، قد وضع إسلام أباد مرة أخرى في موقف غريب مع الرياض.

ويخشى السعوديون من أن ظهور كتلة جديدة من الدول الإسلامية سيكون بمثابة تحد لموقعها القيادي، بما يعني عزل المملكة، وإضعاف منظمة التعاون الإسلامي القائمة في نهاية المطاف.

لكن مثل هذه الفكرة لم تأتِ من فراغ، وفي الواقع، ألمح "خان" رئيس وزراء باكستان للمرة الأولى إلى تشكيل كتلة إسلامية العام الماضي في خطاب ألقاه على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وأشار "خان" إلى أن الكتلة الجديدة ستترأسها تركيا وباكستان وماليزيا، كما اقترح إنشاء قناة تليفزيونية لمواجهة ما أسماه الإسلاموفوبيا والدعاية الغربية.

وبالنسبة لباكستان، قد توفر هذه الكتلة الجديدة مجموعة من الفرص للتعمق فيها، مثل تلقي المساعدة المالية من السعودية وماليزيا، مع تأمين الدعم التركي الثابت لقضية إسلام أباد بشأن نزاع كشمير في المحافل الدولية الأخرى.

لكن بالنسبة للسعوديين، فإن أي جهد نحو كتلة إسلامية جديدة تنافس منظمة التعاون الإسلامي هو خط أحمر، وقد يكون تجاوزه انتكاسة كبيرة للشراكة التي حددت العلاقات السعودية الباكستانية.

وحدث خلاف أخير عندما تخطت باكستان اجتماعا للدول الإسلامية في ديسمبر/كانون الأول الماضي في ماليزيا بعد ضغوط من الرياض.

وحاولت الرياض منع باكستان من حضور الاجتماع بسبب الخوف من أن يكون ذلك تحركا من قبل خصوم المملكة الإقليميين قطر وإيران وتركيا، وجميعهم حضروا الاجتماع، لعزل السعوديين.

وفي ذروة الدبلوماسية الإقليمية، نُقل عن الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" قوله إنه يتعين على باكستان الامتثال لرغبات السعودية "بسبب الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها".

ماذا بعد؟

وكما تبدو الأمور، يبدو أن العلاقات السعودية الباكستانية لها مستقبل غامض بسبب التيار الخفي المتزايد من انعدام الثقة المتبادل.

ونظرا لأن العلاقات بين إسلام أباد والرياض تضمنت إلى حد كبير الشؤون المالية والأمن، فإن الديناميكيات الأمنية المتغيرة في باكستان، وعملية التنويع الاقتصادي الجارية في السعودية، سيجعلان من الصعب على البلدين الحفاظ على علاقتهما بناء على هذه المعايير القديمة في منطقة متغيرة ووسط استراتيجيات متغيرة.

وعلى المدى القصير، ستواصل الرياض استغلال نقاط الضعف الاقتصادية في إسلام أباد لتأمين دعم باكستان وولائها في جدول أعمالها الإقليمي الآخذ في الاتساع، وسيحاول كلا البلدين عدم السماح لخلافات محددة بتعطيل علاقاتهما.

لكن على المدى الطويل، لا يمكن للرياض تجاهل صعود الهند في المنطقة، وقد يصبح البلدان حليفين مقربين، وهو أمر من المرجح أن يزيد الضغط على العلاقات الباكستانية السعودية.

ويمكن أن تقترب إسلام أباد من تركيا وماليزيا وقطر، وحتى إيران، في سعيها لإثارة نزاع كشمير بقوة في المحافل الدولية، ما قد يضر بالعلاقات الباكستانية السعودية.

ومع شعور مختلط من البراجماتية والواقعية، من المرجح أن يحافظ كلا البلدين على شراكتهما، لكنهما لن يبقيا نفس الصديقين الودودين مع وجود مجموعة ناشئة من الخلافات والمصالح الوطنية المتنافسة والأولويات المتضاربة في المنطقة.

وفي غضون ذلك، فإن واشنطن بحاجة إلى باكستان مستقرة، خاصة أنها في طور الخروج من أفغانستان المجاورة، وهي في خضم التعامل مع إيران التي ستحاول استغلال الخلافات السعودية الباكستانية.

ويعتمد نهج واشنطن تجاه كل من الشرق الأوسط وجنوب آسيا بشكل متزايد على توازن القوى بين الدول هناك، لذلك، ستحتاج الإدارة الأمريكية القادمة إلى ضمان ألا يؤدي هذا التطور المستمر في العلاقات السعودية الباكستانية وآثاره إلى تقويض الحسابات الأمريكية للأمن والاستقرار في أكثر منطقتين مضطربتين في العالم.

المصدر | امتياز علي | المركز للدراسات العالمية - ترجمة وتحرير الخليج الجديد