الخميس 27 أغسطس 2020 03:50 م

أثار وزير الخارجية الباكستاني، "شاه محمود قريشي" جدلا إقليميا واسعا بعد الانتقادات التي وجهها للسعودية، ويطرح ذلك تحديات خطيرة أمام مساعي السعودية لقيادة جيوسياسية ودينية للعالم الإسلامي.

اشتكى "قريشي" من عدم دعم منظمة التعاون الإسلامي (التي تهيمن عليها السعودية والتي تضم 57 دولة ذات أغلبية مسلمة) لباكستان في نزاعها مع الهند حول كشمير، وقال "قريشي" إن بلاده تسعى لحشد الدعم خارج نطاق المملكة.

من خلال هذه التصريحات، وجّه "قريشي" ضربات مؤلمة للسعودية في لحظة حساسة تسعى فيها المملكة، إلى جانب الإمارات، لمواجهة مساعي الهيمنة التركية والإيرانية.

وجاءت تصريحات "قريشي" بعد 8 أشهر من انسحاب رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" تحت ضغط سعودي من المشاركة في قمة إسلامية في كوالالمبور عقدها خصوم المملكة، بما في ذلك قطر وتركيا وإيران.

ومما زاد الطين بلة، تطور الخلاف الباكستاني السعودي في وقت تتعرض فيه المملكة لضغوط لاتخاذ خطوات مماثلة للإمارات التي اعترفت بـ(إسرائيل) وعقدت اتفاقية تطبيع كامل معها.

وقد أصر صهر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، "جاريد كوشنر"، الذي توسط في الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، بعد فترة وجيزة من الإعلان عن الاتفاق، على أنه "من الضروري أن يكون للسعودية و(إسرائيل) علاقات طبيعية تمامًا".

ومن المفارقة، أن صحيفة "عرب نيوز"، الصحيفة الإنجليزية الأولى في المملكة، احتفلت هذا الأسبوع بـ"محمد أسد"، اليهودي الذي اعتنق الإسلام، باعتباره الرائد في إقامة علاقات ودية بين باكستان والسعودية.

ومن الواضح أن طبيعة تلك العلاقة قد تغيرت بمرور الوقت.

غرد "علي الشهابي"، وهو مصرفي ومحلل سابق يردد كثيرًا وجهة نظر المملكة، قائلا إن "النخب الباكستانية اعتادت على تلقي الدعم السعودي كأمر مسلم به بالنظر إلى ما فعلته السعودية لباكستان على مدى عقود. ولكن هذا الوضع انتهى.. تحتاج باكستان لتقديم مقابل لهذه العلاقة... لم يعد الأمر غداء مجانيًا أو طريقا باتجاه واحد".

إن السير على خطى الإمارات دون حل عادل للقضية الفلسطينية يدعمه الفلسطينيون يمكن أن يضاعف من التحدي الذي يواجه القيادة السعودية.

وتخشى السعودية من أن أي تحد لقيادتها يمكن أن يغذي المطالب بوصاية هيئة إسلامية مستقلة على مكة والمدينة.

من المرجح أن تحاول الإمارات تقديم الدعم للسعودية في نزاعها مع باكستان من خلال زيادة الضغط على إسلام آباد، وتجدر الإشارة إلى أن الإمارات سارعت لتخفيف الأزمة المالية في باكستان بعد فترة وجيزة من فوز "خان" عام 2018.

لن يكون رد فعل الإمارات مدفوعًا بالتضامن مع السعودية بل سيكون مدفوعًا بدرجة أكبر بالتنافس الجيوسياسي والديني مع تركيا وإيران، وهما دولتان أصدرتا بيانات إدانة شديدة لاعتراف الإمارات بـ(إسرائيل).

من المرجح أن يرى "بن سلمان" انتقادات "قريشي" كمحاولة لاستغلال الحساسيات السعودية المحلية.

فبالرغم من جهود "بن سلمان" لإضفاء الشرعية على حكمه، لكنه لا يزال يشعر أنه بحاجة إلى دعم رجال الدين لأفعاله المثيرة للجدل في بعض الأحيان.

وقد قال "سعد الجبري"، وهو ضابط سابق في المخابرات السعودية فر إلى كندا، في دعوى قضائية مؤخرا في واشنطن، إن "بن سلمان" سعى لإصدار فتوى شرعية تبرر اغتياله من قبل فرقة ضمت عملاء يشتبه في قيامهم بقتل الصحفي "جمال خاشقجي" في 2018 في إسطنبول.

ونفت السعودية هذا الادعاء، مشيرة إلى أن "الجبري" قد فر من المملكة لتجنب اتهامات بالفساد.

ويعتقد المحللون أن "الجبري" كان يشير إلى فتوى عضو هيئة كبار العلماء في السعودية "صالح الفوزان"، والتي تبرر قتل من يعصي الحاكم ولو كان مسلما، لكن هذه الفتوى لم تذكر اسم "الجبري".

وتأتي هذه التطورات في ظل جائحة "كورونا" التي طبقت خلالها المملكة حزمة إجراءات تسبب بعضها في إثارة الانتقادات من قبل بعض الشخصيات الدينية، ما أدى إلى حملة قمع حكومية طالت كل من يعترض على إجراءات الحكومة.

على سبيل المثال، اعتقلت السلطات السعودية في مارس/آذار الشيخ "عبدالله السعد" بعد أن نشر مقطع صوتي على الإنترنت ينتقد الحكومة لمنعها صلاة الجمعة، فيما تم عزل إمام في مكة في نفس الوقت تقريبًا بعد أن أعرب عن قلقه من انتشار الفيروس في السجون السعودية.

يُعتقد أن "السعد" والإمام المفصول يعكسان مشاعر أوسع في المؤسسة الدينية في السعودية والتي تم إخضاعها إلى حد كبير.

وقد أفادت الباحثتان "جينيفيف عبده" و"نورهان نحلة" أن هيئة كبار العلماء في المملكة صاغت في البداية فتوى تصف إغلاق المساجد بأنه انتهاك للمبادئ الإسلامية، وذكرتا أن ضغوط الحكومة أقنعت الهيئة بعدم إصدار الفتوى.

ويمكن القول إنه من خلال الضرب على وتر القيادة للعالم الإسلامي، كان وزير الخارجية الباكستاني يأمل في إقناع "بن سلمان" بأن دعم بلاده هو في مصلحة المملكة.

في الأسبوع الماضي، أرسل ولي العهد السعودي طائرة إلى باكستان لنقل رجل الدين البارز "مولانا طاهر أشرفي" وعائلته في زيارة للمملكة، وفقًا لمصادر باكستانية مطلعة.

وقد تم ترتيب رحلة "أشرفي" إلى المملكة من قبل الجنرال "قمر جاويد باجوا"، القائد العسكري الباكستاني القوي.

ويمكن التعبير عن مقياس نجاح الجنرال "باجوا" بالدولارات وليس عبر التصريحات حيث تنتظر باكستان التي تعاني ضائقة مالية حتى الآن دون جدوى ردا على طلب تأجيل مدفوعات واردات النفط السعودية.

المصدر | جيمس م. دورسي | إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد