الأربعاء 23 سبتمبر 2020 09:26 م

في الوقت الذي زار فيه وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" السودان مؤخرا للضغط من أجل مزيد من اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل لإنشاء تكتل جيوسياسي جديد في الشرق الأوسط، تعمل تركيا لتأسيس تحالف جديد في غرب أفريقيا في إطار توسيع تنافسها الاستراتيجي مع فرنسا.

وأصبح ذلك أكثر وضوحا في وقت سابق من هذا الشهر مع زيارة وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" إلى مالي وغينيا بيساو والسنغال.

ولم يكن الانقلاب العسكري في مالي الشهر الماضي ذا صلة خاصة بتركيا، لكنه قدم دافعا قويا لأنقرة لتوسيع أنشطتها في غرب أفريقيا.

وظلت تركيا تراقب مالي منذ الانقلاب السابق في عام 2012، وأقامت اتصالات مع مختلف الجهات الفاعلة في المجتمع المدني.

لكن قبل أن تتصرف أنقرة بشأن مالي أو أي أزمة أخرى في غرب أفريقيا، يجب عليها أولا الانتهاء من وضع الأساس الإقليمي لنفوذها في المنطقة.

ووسط التنافس المتزايد بين تركيا وفرنسا حول ليبيا وأزمة شرق البحر الأبيض المتوسط، قد تمتد التوترات قريبا وتتعمق في غرب أفريقيا، حيث توسع أنقرة نفوذها السياسي والعسكري.

وفي يوليو/تموز، زار وزير الخارجية التركي النيجر ووقع اتفاق تعاون عسكري واتفاقيات أخرى.

ومن المرجح أن يمهد هذا الطريق لأنقرة لفتح قاعدة عسكرية في البلاد، بالإضافة إلى القواعد الموجودة في قطر وليبيا والصومال.

ثانيا، يعزز التعاون العسكري والقاعدة العسكرية المحتملة في النيجر تدخل تركيا في ليبيا، حيث يساهم ذلك في مواجهة التهديد المصري المحتمل لتركيا في ليبيا.

وإقليميا، يعد هذا مكسبا لجميع الأطراف، فالاتفاق بين تركيا والنيجر سيعزز نفوذ أنقرة في غرب أفريقيا، وفي المقابل، ستتلقى الدول الأفريقية دعما تركيا للمساعدة في حل الأزمة الليبية.

يشار إلى أن هناك شبكات دينية في النيجر تميل نحو تركيا. وهذا الدعم الاجتماعي، إلى جانب التعاون السياسي، يجعل النيجر حليفا جديرا بالثقة في بيئة تعمل فيها العديد من الدول (بما فيها مصر) بنشاط ضد تركيا.

كسب الحلفاء

وبشكل عام، كانت أنقرة تركز على تأمين الحلفاء الإقليميين، حيث قام الرئيس "رجب طيب أردوغان" في يناير/كانون الثاني بزيارة الجزائر وأشاد بها باعتبارها "واحدة من أهم بوابات تركيا إلى المغرب العربي وأفريقيا".

ومع ذلك، فهو لا يريد أن يضع الجزائر في موقف صعب بالنسبة لفرنسا. ما يريده "أردوغان" هو الدعم الضمني، أو على الأقل عدم الرفض الصريح، لسياسة أنقرة الجديدة في غرب أفريقيا.

ويبدو أن التواصل مع الجزائر يؤتي ثماره؛ ففي وقت سابق من هذا الشهر، كان وزير الخارجية الجزائري في تركيا لمناقشة التعاون الإقليمي بين البلدين.

ولا تستند سياسة تركيا تجاه أفريقيا إلى حسابات قصيرة المدى فحسب. فعلى مدى العقدين الماضيين، انفتحت أنقرة على أفريقيا وحققت نجاحات كبيرة نسبيا على المستويات الاقتصادية والسياسية والمجتمعية.

ومنذ عام 2003، فتحت تركيا عشرات السفارات في أفريقيا، وتم الإعلان مؤخرا عن سفارة تركية في توجو.

وتضمنت مصالح تركيا في أفريقيا عناصر القوة الناعمة، وأدوات القوة الصلبة كذلك. وفي الصومال، في أوائل عام 2010، قدمت تركيا مبادرات إنسانية، ومنذ ذلك الحين عمقت العلاقة مع الصومال واكتسبت قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. وقد يؤدي تدخل أنقرة في النيجر ومالي إلى تكرار سياسة تركيا في شرق أفريقيا.

لكن سياسة أنقرة تجاه غرب أفريقيا تحمل تداعيات أيضا على التنافس بين تركيا وفرنسا. فبينما انفتحت تركيا في الماضي على أفريقيا من خلال سياسات القوة الناعمة، فإنها تنظر الآن إلى أفريقيا على أنها ساحة لعب جيوسياسية، يمكنها من خلالها مواجهة فرنسا أو أي دولة أخرى بلا تردد. ويبدو أن "أردوغان" يعتقد أن الوقت قد حان لتركيا لتكون لاعبا سياسيا في أفريقيا.

القوة الناعمة والصلبة

وفي غرب أفريقيا، تنشط مؤسسات القوة الناعمة التركية بالفعل. وتدعم وكالة التعاون والتنسيق التركية العديد من المشاريع التنموية، وتربط الخطوط الجوية التركية المنطقة بالعالم، وجلبت تركيا ما يقرب من 1000 طالب من غرب أفريقيا في منح دراسية كاملة حيث يدرس معظمهم السياسة والاقتصاد والهندسة.

والآن، تجبر الأزمة الليبية تركيا على تحويل قوتها الناعمة إلى نفوذ سياسي أمني، بعيدا عن شمال أفريقيا. ويعتبر غرب أفريقيا هو المفتاح لهذا النهج.

وفضلا عن تعميق التنافس بين تركيا وفرنسا، فقد تؤثر السياسة التركية في غرب أفريقيا على العلاقات بين أنقرة والاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل، قد يخلق ذلك فرصة للتعاون المحتمل مع القوى الأوروبية الأخرى، مثل إيطاليا أو أسبانيا، خاصة في قضايا الأمن والهجرة، وكسر احتكار فرنسا للعمل كمرساة للاتحاد الأوروبي في المنطقة.

وبالنسبة للولايات المتحدة، يمكن أن يعمل الوجود المتزايد لأنقرة في غرب أفريقيا، إلى حد ما، كقوة موازنة ضد النفوذ الصيني المتزايد.

وقد شجع السيناتور الأمريكي "ليندسي جراهام" فكرة أن تصبح تركيا بديلا عن النفوذ الصيني في أفريقيا، مضيفا أن ذلك قد يفتح أيضا مجالات جديدة للتعاون بين تركيا والولايات المتحدة.

ومع تشكل استراتيجية تركيا في غرب أفريقيا، ستجذب السياسة الخارجية للبلاد بالتأكيد المزيد من الاهتمام والنقاش في الأعوام المقبلة.

المصدر | محمد أوزكان - ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد