الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 04:32 م

"صوت الحكمة في وقت افتقادها".. هكذا وصفه زعماء العالم ومراقبو الشأن الكويتي استنادا إلى مسيرة 66 عاما من العمل العام، و14 عاما من توليه رأس السلطة في بلاده.

إنه الشيخ "صباح الأحمد الجابر الصباح" الأمير الـ15 لدولة الكويت، والـ5 بعد استقلال بلاده عام 1961، الذي أعلن الديوان الأميري بالبلاد وفاته، عصر الثلاثاء، عن عمر ناهز 91 عاما، خلال رحلة علاجية في أمريكا خضع لها منذ يوليو/تموز الماضي.

تلقى الأمير الراحل تعليمه في المدرسة المباركية بالكويت، واستكمل دراسته على أيدي أساتذة خصوصيين، وتزوج في العقد الثاني من عمره من الشيخة "فتوة بنت سلمان الصباح"، التي توفيت عام 1990 بعد أن أنجبت له 4 أبناء هم: "ناصر الصباح"، رئيس الديوان الأميري ووزير الدفاع السابق، و"حمد الصباح"، أحد أكبر رجال الأعمال في البلاد، و"أحمد الصباح"، الذي توفي عام 1999، وابنته الوحيدة "سلوى"، التي توفيت أيضا عام 2002.

دخل "صباح الأحمد" مجال الشأن العام عام 1954 كعضو في اللجنة التنفيذية العليا بالكويت، التي كانت بمثابة مجلس الوزراء آنذاك، ثم عين رئيسا لدائرة الشؤون الاجتماعية والعمل، وعضوا في مجلس الإنشاء والتعمير عام 1955.

وفي عام 1992، تولى منصب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء إلى جانب وزارة الخارجية، وشغل كذلك منصب وزير الإعلام لفترات مختلفة حتى أصبح رئيس وزراء الكويت عام 2003.

وفي يناير/كانون الثاني 2006، بايعه أعضاء مجلس الأمة (البرلمان) بالإجماع أميرا للبلاد؛ ليصبح بذلك الأمير الثالث الذي يؤدي اليمين الدستورية أمام المجلس في تاريخ الكويت.

الوسيط النزيه

لعب الأمير الراحل دورا بارزا في الوساطة الإقليمية النزيهة، استنادا إلى خبرته الدبلوماسية؛ إذ شغل، قبل ارتقائه عرش البلاد، منصب وزير الخارجية لأربعة عقود متتالية (من 1963 إلى 2003).

وساهم الشيخ "صباح الأحمد" كذلك في رأب الصدع بعدة أزمات، أبرزها الأزمة اليمنية؛ إذ أطلق في أبريل/نيسان 2016، مبادرة لاستضافة مباحثات سلام برعاية الأمم المتحدة وتدخل بشكل مباشر لضمان نجاحها، ما أثرى تجربته الشخصية وجعله وسيطا مقبولا لدى كل الفرقاء.

كما كان لتدخل الوساطات الكويتية برعاية الشيخ "صباح الأحمد" الشخصية دورا مهما في حلحلة الخلافات بين مصر والسعودية إبان الحرب اليمنية (1962ـ1970)

وعندما تدهورت العلاقة بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي وبدأت الصدامات بينهم في الحدود المشتركة عام 1972، قام الشيخ "صباح الأحمد" بزيارة إلى الدولتين في أكتوبر/تشرين الأول 1972 أثمرت عن توقيع اتفاقية سلام بينهما واتفاقية أخرى للتبادل التجاري.

وفي عام 1980، قام الشيخ "صباح الأحمد" بوساطة ناجحة بين سلطنة عمان واليمن الجنوبي، وأثمرت عن توقيعهما لاتفاقية خاصة بإعلان المبادئ التي خففت حدة التوتر بينهما إلى أن دعا وزيري خارجية الدولتين إلى الكويت في عام 1984 لإعلان انتهاء الحرب الإعلامية واحترام حسن الجوار وإقامة علاقات دبلوماسية بينهما.

كما تدخلت دبلوماسية الشيخ "صباح الأحمد" في محاولة لحل النزاعات بين حزبا البعث العربي في كل من سوريا والعراق، ومحاولة التوفيق بين أطراف النزاع في الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ1990).

ومن أبرز مساهماته إبان توليه منصب وزارة الخارجية تأسيس منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي وضع خطوطها العريضة عام 1981، وتولى مسؤولية تمثيل كرسي الكويت فيها لأعوام طويلة، حتى عده المراقبون المهندس التاريخي لمنظومة المجلس.

فالأمير الراحل تولى مسؤولية التقريب في وجهات النظر بين دول المنظومة، التي غالبا ما كانت خلافاتها حدودية، ودأب على حفظ وحدتها، باعتبارها مسألة وجودية بالنسبة للكويت، كونها تحقق توازنا سياسيا لها في وجه العراق وإيران.

غزو الكويت

لكن الغزو العراقي للكويت عام 1990 مثل محطة فارقة  كبيرة للشيخ "صباح الأحمد" كوزير للخارجية؛ إذ قام بجهود كبيرة لحشد التأييد الدولي لقضية الكويت في الأمم المتحدة، الذي انتهى بإصدار مجلس الأمن قرارات عدة لإجبار العراق على الانسحاب من الكويت، انتهت بقيام التحالف الدولي بإرسال قواته بقيادة الولايات المتحدة لتحرير البلاد عام 1991.

وغلب الأمير "صباح الأحمد" سياسة الحياد وعدم الانحياز وطبقها باحترافية كبيرة وعلى وجه التحديد في منطقة الخليج العربي، مسرح التوترات الإقليمية مع إيران، ذات التمثيل الدبلوماسي في الكويت، والاحتكاكات بين قطر والممالك والإمارات البترولية المجاورة لها كالسعودية.

وفي هذا السياق، رفض أمير الكويت الراحل إرسال قوات أمنية لقمع المتظاهرين في البحرين أثناء الاحتجاجات الشعبية هناك، كما فعلت السعودية، وسمح للمنظمات والجمعيات الشعبية بدعم الثورة السورية ماليا وسياسيا، كما أحجم عن المشاركة في قيام أنظمة خليجية بدعم الثورات المضادة في مصر وليبيا واليمن.

وساهم الشيخ "صباح الأحمد" بإنهاء الخلافات بين الإمارات وعمان، عقب اكتشاف مسقط خلية تجسسية إماراتية تعمل على أراضيها عام 2011، كما اشترك في صياغة بنود اتفاق الرياض عام 2014 بين قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين من جهة أخرى، منهيا بذلك أزمة سحب سفراء الدول الثلاثة من الدوحة.

انهيار خليجي

وبينما كان مجلس التعاون الخليجي على وشك الانهيار الرسمي، عام 2017، بعد إعلان السعودية والإمارات والبحرين قطعا شاملا للعلاقات مع قطر، واجه أمير الكويت الراحل محطة أخرى فارقة في مسيرته؛ إذ طرح على الخطوط الأمامية من المفاوضات كارت التهدئة، وأعلن بذل ما بوسعه لتجنب تصعيد عسكري بين طرفي الأزمة.

لكن هكذا وساطة لم تكن عنوان للحياد السلبي، بل وجهها الأمير الراحل إلى بوصلة حياد إيجابي يستهدف نزع فتيل انفجار الأوضاع بالمنطقة، أو تفكك كيان مجلس التعاون الخليجي، وإن كان ذلك عبر "تسريب" متعمد لمعلومات استخبارية.

ففي سبتمبر/أيلول 2017، كشف الأمير الراحل أن جهوده أسفرت عن وقف "تدخل عسكري في قطر"، وكان لافتا اختياره لمكان هكذا إعلان بواشنطن، وإلى جوار الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في مؤتمر صحفي مشترك. 

وعبرت رمزية المكان عن مكانة العلاقات الاستراتيجية للكويت مع الولايات المتحدة ومركزيتها في سياسة "صباح الأحمد" على المستوى الدولي.

إذ حافظ الأمير الراحل على تعاون مستمر مع الجيش الأمريكي، وارتبط البلدان باتفاقية دفاع "DCA" منذ عام 1991 تحتفظ الولايات المتحدة بموجبها بأكثر من 13000 جندي في البلد الخليجي، الذي يمثل نقطة عبور استراتيجية للقوات الأمريكية التي تخدم في العراق وأفغانستان.

وأعلن البيت الأبيض، في 18 سبتمبر/أيلول الجاري، أن الرئيس "دونالد ترامب" منح أمير الكويت وسام الاستحقاق الأمريكي برتبة قائد أعلى، مشيرا إلى أنها المرة الأولى التي يتم فيها منح هذا التكريم منذ عام 1991.

مبادرات دولية

واستمر دور الوساطة النزيهة والفعالة عنوانا للكويت منذ استلام الأمير الراحل الحكم عام 2006، وصولا إلى تسميته قائدا للعمل الإنساني من قبل الأمم المتحدة عام 2014، وهو منصب لم يسبقه إليه أحد تقديرا لجهوده الإنسانية على جميع الصعد.

كما اتسمت مبادرات الأمير الراحل بإعطاء الأولوية لسياسات التعاون والتنمية؛ ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2007 تبرع في القمة الثالثة لمنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض، بمبلغ 150 مليون دولار لدعم برنامج يمول البحوث العلمية المتصلة بالطاقة والبيئة والتغير المناخي.

وفي مايو/أيار 2008، أنشأ صندوق الحياة الكريمة، وساهم بمبلغ 100 مليون دولار في هذا الصندوق لمواجهة الانعكاسات السلبية لأزمة الغذاء العالمية على الدول.

وفي يناير/كانون الثاني 2009، أطلق الشيخ "صباح الأحمد" مبادرة دعم وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة خلال مؤتمر القمة العربية الاقتصادية و التنموية والاجتماعية برأسمال ملياري دولار.

إصلاحات محلية

وعلى المستوى المحلي، اتسم عهد الأمير الراحل بتحريك الماء الراكد والانحياز الواضح باتجاه الإصلاح؛ فقد أنهى تقليدا متوارثا في الأسرة الحاكمة عندما عين ابن أخيه "ناصر محمد الأحمد الصباح" في منصب رئيس الوزراء، في وقت جرت العادة على أن يحتل ولي العهد هذا المنصب.

وساهمت سلسلة طويلة من إصلاحات عهد الشيخ "صباح الأحمد"، في فك جمود الحياة السياسية طوال فترة التسعينيات من القرن الماضي بحكم مرض أمير البلاد الأسبق وولي عهده الذي كان يتولى منصب رئاسة الوزراء، ومن أبرزها قانون حصول المرأة على حقها السياسي في الانتخاب والترشيح عام 2005، وتولي "معصومة المبارك" أول منصب وزاري لامرأة في تاريخ الكويت.

وخلال فترة تولي الشيخ "صباح الأحمد" منصب الإمارة، حصلت المرأة الكويتية لأول مرة على مقعد لها في البرلمان بعد فوز 4 نائبات بمقاعد في مجلس الأمة عام 2009، كما حصلت على حق توليها منصب القضاء وحق السفر من دون إذن ولي أمرها.

كما تعرض رئيس مجلس الوزراء لاستجواب برلماني في عهد أمير الكويت الراحل؛ ما شكل سابقة في تاريخ الكويت السياسي، واستقال رئيسان لمجلس وزراء من منصبيهما بعد ضغوط شعبية.

كما كان عهد الشيخ "صباح الأحمد" عنوانا لتركيز وسائل إعلام الدولة على عدم تمييز أي من شيوخ العائلة الحاكمة بأية حصانات، ومكافحة الفساد، وإن اشتبه في مشاركة أحد أفراد العائلة فيه.

وفي هذا الإطار، قرر مجلس الوزراء الكويتي، في أغسطس/آب الماضي، تشكيل فريق حكومي برئاسة رئيس الحكومة، الشيخ "صباح خالد الحمد الصباح"، للتعاون مع مجلس الأمة في إصدار القوانين اللازمة لمواجهة التحديات المتعلقة بمكافحة الفساد.

وأسفرت حملة السلطات ضد الفساد عن كشف قضايا غسل أموال أبرزهما "الصندوق السيادي الماليزي"، و"النائب البنجالي"، بجانب قضية "تسريبات أمن الدولة" المتهم فيهما شخصيات رفيعة ومسؤولون بارزون، بينهم أفراد من عائلة "الصباح".

وقرّرت النيابة العامة الكويتية، في 8 سبتمبر/أيلول الجاري، حجز ضابطين برتبة عقيد، أحدهما من الأسرة الحاكمة لاستكمال التحقيق معهما في القضية المعروفة إعلاميا بـ"تسريبات أمن الدولة".

وأشارت صحيفة "الراي" الكويتية في وقت سابق إلى تفاصيل بشأن قضية "تسريبات أمن الدولة"، تضمنت "اتهام شخصيات من الأسرة الحاكمة بالوقوف خلف تسريب هذه التسجيلات ونشرها وتوزيعها، لا سيما ما يتعلق منها بتحقيقات قضية الصندوق السيادي الماليزي"، ونقلت عن مصادرها احتمال تورط شخص من أبناء الأسرة الحاكمة في عمليات تسريب التسجيلات ونشرها وتوزيعها.

كما أثارت صحيفة "القبس" آنذاك عدة تساؤلات تتعلق بسبب احتفاظ صاحب التسريب بهذه التسجيلات منذ عام 2018، واختياره لتوقيت نشرها، وعزت ذلك إلى ما وصفته بمعركة "صراع أبناء الأسرة الحاكمة (آل الصباح) غير المحسوم على السلطة"، ودعت إلى التمسك بدولة الدستور وحسم ملف صراع الأسرة الحاكمة بشكل نهائي وحازم.

لم يكن ذلك سوى تطبيق لإعلاء عهد "صباح" لمبدأ دستورية الحكم، الذي أسفر عن توليه السلطة عام 2006 عندما نشبت أزمة سياسة بالكويت بعد وفاة أمير البلاد الأسبق "جابر الأحمد" في يناير/كانون الثاني؛ بسبب رفض ولي العهد آنذاك الشيخ "سعد العبدالله السالم الصباح" التنازل عن كرسي الحكم رغم بلوغه من اعتلال الصحة ما يحول دون ممارسته لمهام الحكم، ما أدى إلى خلاف داخل الأسرة الحاكمة بين مؤيد لولي العهد ورئيس مجلس الوزراء آنذاك الشيخ "صباح الأحمد".

وبإعلاء مبدأ دستورية الحكم، قرر مجلس الأمة، آنذاك، وبناء على توصية طبية، إعفاء ولي العهد من مهامه، ومبايعة الشيخ "صباح الأحمد" أميرا للبلاد؛ ليمثل ذلك مخرجا للبلاد من أزمة استمرت لأيام عدة.

فدستور الكويت هو الدستور الخليجي الوحيد الذي يعطي البرلمان (مجلس الأمة) صلاحية بأغلبية ثلثي الأعضاء لحسم مصير هوية أمير البلاد أو ولي عهده.

وتأتي تلك الصلاحية كمعيار ثالث لقبول ترشيح خليفة "الأمير" بعد "اللياقة الصحية" و"التوافق العائلي"، وفي حال فقدانهما أو فقدان أحدهما يحسم مجلس الأمة الخلاف بموجب مواد الدستور الثالثة والرابعة والثامنة.

لذا كانت خصوصية تعاطي الدولة الكويتية مع خلافات أبناء العائلة الحاكمة علامة فارقة في مسيرة عهد الشيخ "صباح الأحمد" التي حفلت بمحطات لعبت فيها الكويت دور رمانة الميزان ونموذج الاعتدال لمنطقة الخليج بامتياز.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات