الأربعاء 30 سبتمبر 2020 06:09 ص

رجل دولة: الشيخ صباح الأحمد

لقب بحكيم العرب لانه لم يعرف التهور والتسرع ولم ينجر لسياسات مغامرة.

لكل عهد سلبيات وإيجابيات لكن الشيخ صباح ظل فوق المرحلة أحبته الناس لمبادئه وشجاعته، وحرصه على التوازن.

أصبح اسم الشيخ صباح في كل مكان عربي فهو ينتمي لمدرسة من القادة التي تحترمها الشعوب العربية من المحيط للخليج.

ليس غريبا أن ينال الشيخ صباح الأحمد جائزة الأمين العام للأمم المتحدة عام 2014 تقديرا لمواقفه الإنسانية وترك البصمة الأهم.

*     *     *

برحيل الشيخ صباح تفقد الكويت زعيما من الرعيل الأول، من الجيل المؤسس للدول الحديثة، الذي اختبر تناقضات العالم من الباب الأوسع.

الشيخ صباح الأحمد المولود عام 1929 في قصر والده أمير الكويت الشيخ أحمد الجابر، شهد أزمات إقليمية، كما شهد الحرب العالمية الثانية، وعاش تفاصيل نكبة فلسطين وهزائم الدول العربية، ثم بروز الناصرية واستقلال بلاده. فأمير الكويت كان ابنا لبيئته العربية والكويتية، والإشكالات التي أحاطت بها منذ أربعينيات القرن العشرين.

قلما تنفعل الناس وتشعر بضيق في العالم العربي والإسلامي بسبب مرض زعيم سياسي وموته المفاجئ، هذه المرة ومع مرض الشيخ صباح أمير الكويت ارتفعت الدعوات والصلوات له، وهي الصلوات نفسها والشعور بالحزن الذي يأتي مع لحظة فراقه ووفاته اليوم.

لقد نشأ الشيخ صباح في الزمن الذهبي للعالم العربي وللكويت، بدأت تجربته السياسية، مع حكم الشيخ عبدالله السالم الصباح، الذي أصبح أميرا للكويت عام 1950، وقد عاصر الشيخ صباح عملية تحول الكويت في ذلك الوقت من الكويت القديمة إلى تلك الحديثة.

وعاصر كويت ما قبل النفط إلى تصديره، ثم عاصر انتقال الكويت من إمارة تحت الحماية البريطانية لدولة حديثة مستقلة عام 1961.

ففي 1954، أصبح الشيخ صباح الأحمد عضوا في "اللجنة التنفيذية العليا"، وهي بمثابة مجلس الوزراء المصغر قبل الاستقلال، ثم في عام 1957 تحمل مسؤولية رئاسة "دائرة المطبوعات والنشر".

كان ذلك في زمن الدوائر، التي سبقت استقلال الكويت ببضع سنوات. وقد نتج عن تلك المسؤولية إصدار الجريدة الرسمية للكويت تحت اسم "الكويت اليوم"، ثم صدور أشهر مطبوعة عربية ثقافية في الوطن العربي "مجلة العربي" التي ترأس تحريرها في أولى مراحلها المفكر العربي المصري الدكتور أحمد زكي. وقد تم إصدار أول قانون للمطبوعات والنشر، ما فتح الباب للصحافة السياسية.

وقد شارك الشيخ صباح الأحمد وزيراً للأنباء والإرشاد، في أول حكومة استقلال في المجلس التأسيسي الذي أسس وصاغ دستور الكويت عام 1962. ومع دستور الكويت عام 1962 بدأت التجربة الفعلية للشيخ صباح الأحمد، فتلك كانت بداية تجربة حاسمة في تأسيس دولة، وتحقيق صمود أمام أزمة نشبت مع العراق في الأيام الأولى للاستقلال.

سيختبر الشيخ صباح الأحمد عبر مسيرته الثمينة تجارب مختلفة، وفوق كل شيء سيعرف بصفته وزير خارجية الكويت، وفي حالات كثيرة وزير خارجية العرب، لقد تولى ذلك المنصب ابتداء من 28 يناير/كانون الثاني سنة 1963، في ظل حكومة الشيخ صباح السالم الصباح الثانية.

منذ ذلك الوقت احتفظ الشيخ صباح الأحمد بمنصب وزير الخارجية، في أغلبية الوزارات التي تلت ذلك التاريخ. وبصفته وزيرا للخارجية كان قد تبنى تطوير منطقة الخليج والمساعدات التعليمية والصحية لدول خليجية وعربية شتى، أرادت أن تستقل وأن تحقق نهضتها.

كان للخارجية الكويتية في عهده دور مهم في دعم المبادرات باتجاه الإمارات وعمان واليمن والبحرين، وقد ميزت الكويت سياساتها في الشأن العربي، من خلال الصندوق الكويتي للتنمية، وهيئة جنوب الخليج التنموية، إضافة لمشاريع كبرى في السودان وغيرها من الدول العربية.

تلك الحقبة المنفتحة على التعليم والاستقلال عكست توجهات الشيخ صباح الأحمد، وحرصه في الوقت نفسه على إدارة الملفات المختلفة بتوازن وحكمة، لكن الأهم أن تلك أيضا كانت سياسة كويتية عبّر عنها الشارع الكويتي ببرلمانه المنتخب، وعبّر عنها قادة الكويت في حينها بتنوع اتجاهاتهم.

بل حتى في أحلك فترات حرب اليمن في بداية الستينيات، وقف الشيخ صباح الأحمد باعتباره وزيرا للخارجية موقفا متوازنا، وهذا عبّر بصورة واضحة عن موقف الكويت، الذي تفادى سياسة المحاور العربية والحرب الباردة بين الدول العربية.

بما فيها بناء توازن إيجابي في العلاقة مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر. منذ تلك الفترة والكويت تتخذ خطا عربيا مستقلا، ينبذ الخلافات العربية ـ العربية، ويثبت مركزية القضايا الخاصة بالسلام وقضية فلسطين.

حتى قبل غزو الكويت عام 1990 بأيام، ردّ الشيخ صباح عندما سألته الصحافة بمن سيستنجد في ظل الأزمة مع نظام صدام ليرد بسرعة: سأذهب للجامعة العربية.

أراد الشيخ صباح حلا عربيا، في هذا انتقده البعض لأنه لم يلجأ للولايات المتحدة فورا، إلا أنه بوعي منه أراد ان يحتمي بالمظلة العربية، ويعطي الفرصة للحل العربي في شهر يوليو/تموز 1990، ولهذا السبب بمجرد سقوط الكويت عرف أنه لن يكون هناك حل سوى التدويل.

ورغم كل ما ألم بالعلاقات العربية بسبب الغزو، إلا أنه لعب دورا مميزا في استعادة علاقات الكويت مع بقية الدول العربية، كالأردن ومنظمة التحرير والسودان واليمن، ولعب دوره في محاولة تسوية ما تبقى من قضايا عالقة مع العراق بعد الغزو.

فرغم كل الأزمات التي مرّت على العالم العربي، لم يفقد الشيخ صباح الثقة بمبادئ الحوار وتهدئة الأزمات، بل وتحييد الخصوم وكسب المحايدين. هذا هو السبب الأهم الذي أعطاه لقب “حكيم العرب”. كان الشيخ صباح حكيما في فهم طبيعة النزاعات العربية، وطبيعة حدودها والأبعاد العاطفية التي تتحكم فيها.

وقد ترأس الشيخ صباح، أول حكومة في الكويت عام 2001 وأصبح رئيسا ثابتا للوزراء عام 2003، فهو أول رئيس وزراء بعد أن قامت الكويت بفصل ولاية العهد عن رئاسة الحكومة، لكنه في عام 2006 سيصبح أميرا للكويت، بعد أزمة دستورية قصيرة، تم التعامل معها بحس مسؤول، وانتقال متفاهم عليه وافق عليها مجلس الأمة الكويتي بإجماع أعضائه.

تميز الشيخ صباح الأحمد بقدرته على فهم البوصلة الصائبة، وسط ضجيج السياسة والسياسيين، بل ووسط قرع طبول الحرب. من ينسى موقفه السريع كأمير للكويت من الأزمة القطرية عام 2017، فبمجرد انفجار الأزمة تحرك متحدثا مع قادة المملكة السعودية والإمارات، كما تحدث مع قادة قطر.

سار مسافات وركب طائرات وأمضى أوقاتا، وهو في عمر متقدم، بهدف تهدئة الموقف ومنع استمرار الحصار والمقاطعة الموجهة ضد قطر، كان هدفه إيصال الجميع لحل مناسب لا يتعارض مع مبادئ السيادة.

في أزمة الخليج وحصار قطر سعى الشيخ صباح الأحمد لإنقاذ الخليج من سقوط مجلس التعاون. وعندما ذهب للبيت الأبيض فاجأ الجميع عندما أعلن أن وساطته في حدها الأدنى “تفادت عملا عسكريا”، ووضعت حدودا للأزمة ومخاطرها على منطقة الخليج.

وحتى في فترة التدخل العسكري من قبل المملكة العربية السعودية في البحرين بسبب حراك الشعب البحريني، إلا أن الشيخ صباح، بصفته أمير الدولة، كان يفضل منطقا آخر في التعامل يمنع الحل العسكري والتدخل، لهذا عندما وجد أن الالتزام الخليجي يفرض عليه التدخل، أرسل بعثة طبية.

كما في حرب اليمن، كان للشيخ صباح الأحمد حرصه على عدم التورط في اضطهاد شعب عربي، أو القيام باحتلال أراض يمنية، وعندما لاحت الفرصة لحل سياسي دعا الحوثيين، كما الحكومة في المنفى، وكل الفرقاء لحوار سياسي، بل كان من الطبيعي أن يعتبره الحوثيون كما الحكومة الرسمية الطرف المقبول للوساطة.

لو أخذنا موقفه من القضية الفلسطينية كعنوان أساسي، فمنذ أصبح أميرا عام 2006 سخّر الشيخ صباح، الكثير لدعم القضية الفلسطينية، فقد قاد حكومة تنتقد سياسات التطبيع وترفضها.

أذكر بينما كان الشيخ صباح وزير الخارجية عين الدكتور فايز الصايغ بعد حرب 1976 مستشارا لبعثة الكويت في الأمم المتحدة، كان دور الصايغ الذي يعود في جذوره لفلسطين المحتلة تغطية القضايا العربية والقضية الفلسطينية، فقد كان الدكتور فايز الصايغ المحاضر الأهم في ذلك الزمن في طول الولايات المتحدة وعرضها.

بل عبر سياسته الذكية في أواخر السبعينيات هندس الشيخ صباح الأحمد من خلال الأستاذ عبدالله بشارة ممثل الكويت في الأمم المتحدة، لقاء تاريخيا بين ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة، ما أدى في ما بعد لاستقالة أندرو يونغ مندوب الولايات المتحدة في المنظمة الدولية.

إن رؤية الشيخ صباح وفهمه للعالم، رغم قيادته لدولة جغرافيتها صغيره، وعدد سكانها صغير، لم تهتز بسبب الضغوط والعواصف، فدعمه للقضية الفلسطينية لم يهتز بعد أن أصبح أميرا، فعلى الرغم من موازين القوى المضادة للقضية الفلسطينية في ظل إدارة ترامب من 2016، إلا أنه بقي ثابتا على مبدئه.

فقد طلب من بعثة الكويت في الأمم المتحدة في مجلس الأمن أن تتصدى لمنع إعلان حماس حركة إرهابية، وقد نجح في تحقيق ذلك في مجلس الأمن في مايو/أيار 2018، كما حدد موقفا واضحا من صفقة القرن، لحد أن الكويت قاطعت ورشة صفقة القرن في البحرين في يونيو/حزيران 2019.

وعندما قام رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم بتحديد موقف واضح من مشاركة إسرائيل في عدد من المؤتمرات البرلمانية الدولية، جاءه دعم مباشر وفوري من الأمير صباح الأحمد للاستمرار في موقفه.

والمميز في مواقف الشيخ صباح الأحمد، أنه بينما ساد التصعيد العلاقات الأمريكية الإيرانية، كما ساد العلاقات توتر كبير بين أكثر من دولة خليجية وإيران، إلا أنه بقي على مسافة متزنة من إيران، استمر صاحب مدرسة حوار، لم يصعّد، لم يدع لضربات عسكرية.

لقد تعلم الشيخ صباح من التاريخ الحديث كالحرب العراقية الإيرانية، وغزو العراق للكويت وعشرات النزاعات والحروب أن الحل الصفري ليس حلا، بل سيزيد من الأزمات تعقيدا وصعوبة.

الأمر ذاته انطبق على علاقات الشيخ صباح الأحمد مع تركيا، فبينما قاطعت بعض الدول العربية تركيا، استمر الشيخ صباح في علاقة صداقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لم يقاطع تركيا بل ثمّن موقفها السياسي من القضايا العربية والفلسطينية، كما أنه رفع من درجات التنسيق منذ 2017 بين الكويت وتركيا.

في هذا عبّر الشيخ صباح الأحمد عن رؤية ثاقبة في فهم تناقضات الإقليم وضرورات إبقاء الخيوط والجسور مفتوحة مع تركيا ثم مع إيران ومع كل الدول من أجل السلام والاستقرار.

وعُرف عن الشيخ صباح سعيه لمد الجسور مع العراق، فرغم التاريخ السلبي بين البلدين، إلا أنه كان الأكثر حماسة لفتح صفحة جديدة، لهذا دعا القادة في العراق لزيارة الكويت، بينما كان من بين أقلية من الرؤساء العرب ممن ذهبوا للعراق لحضور القمة العربية المنعقدة فيها عام 2013.

كما أنه دعا لموتمر إعادة بناء العراق في 2018 عندما وجد أن ذلك مفيد للعراق. بإمكاننا أن نسرد المزيد: لنأخذ مثلا موقفه الإيجابي والمتوازن من الأزمة الليبية، منذ سقوط نظام القذافي، ثم موقفه من الأزمة السورية والنظام السوري.

إن هذه الاستقلالية في الخط الكويتي، لم تعن إساءة العلاقة مع المملكة العربية السعودية، وعندما طرحت قضايا تتعلق بالارض والحدود كان له موقف واضح في حقوق الكويت. وفي النهاية وقع الاتفاق الكويتي السعودي حول المنطقة المشتركة والاتفاق على استخراج النفط منها عام 2019.

الأزمات تقع بين الدول، لكنه كان حريصا على استيعاب أبعادها قبل أن تتفاقم، كما أنه كان حريصا على مجلس التعاون وإنقاذه من التفكك والنزاع. ورغم تعقيدات الوضع الداخلي الكويتي المتأثر بعواصف الإقليم وحراكه العربي عام 2011، إلا أن الشيخ صباح الأحمد عرف كيف يحافظ على التعددية السياسية في الكويت.

وبينما ذهب عدد من الدول العربية نحو الاجتثاث السياسي تجاه قوى في الشارع وقوى سياسية كالإخوان المسلمين والحقوقيين وغيرهم، إلا انه أبي أن يسير في هذا الطريق. أخذ الشيخ صباح خطا في التعامل مع المعارضة والاراء النقدية والحراك الشعبي النقدي.

لا يعني هذا انه لم تقع تحديات وآلام، وأحكام من القضاء أخذ الكثير منها طريقه للتنفيد، لكن أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد لم يغال في الموقف، لم يمنع المعارضين الكويتيين من الخروج من البلاد قبل صدور الأحكام عليهم، ولم يلاحقهم في الخارج، أو يسعى حتى لتسليمهم.

ترك كل شيء للظروف ولتطور الأوضاع ولتهدئة النفوس. وقد استوعبت الكويت عددا من المعارضين الذين عادوا للكويت مؤخرا.

رغم مشاركة الكثير من الشخصيات الكويتية من تيارات مختلفة بالدعوة للعفو وإسقاط الأحكام بصورة غير مشروطة، إلا أن الشيخ صباح الأحمد لم يمنع الناس والقوى السياسية والنواب في الكويت من التعبير عن مواقفهم والاختلاف في الرأي، وهذا ما ميز الكويت عن غيرها منذ نهاية الربيع العربي لليوم.

كل عهد فيه سلبيات وإيجابيات، لكن الشيخ صباح ظل فوق المرحلة، أحبته الناس بسبب مبادئه وشجاعته، وحرصه على التوازن وخاصة مقدرته على حماية الكويت، وسط أحداث كبيرة في منطقة الخليج والإقليم العربي. لقد أصبح اسم الشيخ صباح في كل مكان عربي، فهو ينتمي لمدرسة من القادة التي تحترمها الشعوب العربية من المحيط للخليج.

ليس غريبا أن يحصد الشيخ صباح الأحمد جائزة من الأمين العام للأمم المتحدة عام 2014 تقديرا لمواقفه الإنسانية. ترك الشيخ صباح البصمة الأهم، فقد لقب بحكيم العرب لانه لم يعرف التهور والتسرع، ولم ينجر لسياسات مغامرة.

رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته، وصبّر أسرته، ومحبيه وشعب الكويت وشعوب العرب والعالم الإسلامي على غيابه.

* د. شفيق ناظم الغبرا أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

المصدر | القدس العربي