الأربعاء 30 سبتمبر 2020 02:18 م

يبدو أن أي شخص كان يعتقد أن حكومة الوفاق الوطني الليبية كيان موحد ومتماسك سياسياً، أعاد التفكير بالأمر، بعد أن احتدمت الخصومات السياسية في طرابلس في أواخر أغسطس/آب وأعلن رئيس الحكومة "فايز السراج" خطته المفاجئة للتنحي بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول.

وصل الخلاف الداخلي إلى ذروته في 29 أغسطس/آب عندما قام "السراج" بإيقاف وزير الداخلية "فتحي باشاغا" (يتولى قيادة ميليشيا مصراتية متحالفة مع حكومة الوفاق) بينما كان "باشاغا" يزور تركيا، الداعم الرئيسي لحكومة الوفاق، إلى جانب "خالد المشري"، رئيس المجلس الأعلى للدولة.

ويُعتقد أن لقاء "مشري" الذي استمر قرابة 3 ساعات مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" واجتماع "باشاغا" مع وزير الدفاع التركي "خلوصي أكار" أثار حفيظة رئيس حكومة الوفاق الوطني.

أوقف "السراج" "باشاغا"، وحمله مسؤولية القمع العنيف للاحتجاجات في الشارع، في حين أثارت موجة من النشاط العسكري في طرابلس ومصراتة الحديث عن انقلاب محتمل ضد "السراج".

صراع داخلي على السلطة

وبالرغم أن الأمور بدت وكأنها تهدأ عندما أعيد "باشاغا" إلى منصبه في أوائل سبتمبر/أيلول، أظهر الصراع على السلطة مدى هشاشة حكومة الوفاق الوطني.

تتكون كل من الهياكل السياسية والعسكرية لحكومة الوفاق الوطني من مجموعات وفصائل مختلفة تتنافس مع بعضها البعض من حيث السيطرة الإقليمية والانتماءات القبلية والأيديولوجية ورعاية الدولة.

واندلع الصراع على السلطة بسبب مزاعم الفساد ومشاكل النزاهة المالية داخل حكومة الوفاق ومشكلة الميليشيات، وذلك بمجرد إعلان وقف إطلاق النار مع قوات الجنرال "خليفة حفتر" في 21 أغسطس/آب.

ونتيجة لذلك، أعلن "السراج" عن نيته "تسليم مهامه إلى السلطة التنفيذية التالية في موعد لا يتجاوز نهاية أكتوبر/تشرين الأول.

وقالت مصادر في أنقرة لـ"المونيتور" إن "أردوغان" حاول جاهداً إقناع "السراج" بالتخلي عن التنحي، لكن رئيس حكومة الوفاق تمسك بموقفه، قائلاً إنه متعب ويريد التركيز على عمله الخاص وعائلته.

ولم يؤد قرار "السراج" إلا إلى تأجيج الصراع على السلطة بين فصائل حكومة الوفاق.

"باشاغا" كخليفة محتمل

تم طرح عدد من الأسماء كخلفاء محتملين لـ"السراج" وينظر إلى بعضهم على أنهم مرشحون أقوياء بسبب الدعم الذي يتلقونه من الداعمين الأجانب.

لكن قبل التركيز على الدعم الخارجي، يحتاج المرء إلى النظر في التوازنات السياسية الداخلية في ليبيا، وهناك حاجة إلى تحليل الشخصيات القوية داخل حكومة الوفاق الوطني لإجراء أي تنبؤات.

"باشاغا"، من مواليد مصراتة وله جذور تركية، حيث ينحدر من أحفاد الإنكشاريين العثمانيين الذين استقروا في ليبيا، ويُعرف نسل الأتراك في ليبيا باسم "كولو أوغلو".

يتركز هذا المجتمع في مصراتة والمناطق المحيطة بها، ويمثلون قاعدة القوة العسكرية والسياسية الرئيسية لـ "باشاغا".

وقد حقق "باشاغا" نفوذه من خلال القتال في عام 2011 وكذلك من خلال العمل مع "الناتو" أثناء حصار تنظيم "الدولة الإسلامية" لمصراتة.

وتعني قبضته على ميليشيات مصراتة أنه ظل ممثلاً بارزًا خلال الحرب مع "حفتر"، وقد تم تعيينه وزيرا للداخلية في 2018، حيث عززه الدعم التركي القوي وعلاقاته الشخصية بـ"أردوغان".

وبفضل فصائل مصراتة، عزز "باشاغا" سلطته في طرابلس أثناء دفاع المدينة ضد "حفتر"، ونما نفوذه أكثر بعد أن وقعت حكومة الوفاق اتفاقيات تعاون بحري وعسكري مع أنقرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وما تلاها من نشر ضباط عسكريين ومخابراتيين أتراك لمساعدة حكومة طرابلس على صد "حفتر".

وبالتالي، فإن هناك سرًا مكشوفًا على أرض الواقع، بخصوص تطلع "باشاغا" إلى قيادة حكومة الوفاق.

نزل الليبيون إلى الشوارع للمطالبة بتحسين الخدمات والاحتجاج على الفساد، وذلك بعد وقف إطلاق النار. وبما أن "باشاغا" وقف ضد الفساد، فإن وزارة الداخلية لم تتدخل في الاحتجاجات.

ومع ذلك، فإن قوات النواصي المعروفة بقربها من "السراج" تدخلت بالفعل، مما تسبب في مقتل العديد من المتظاهرين، و في النهاية، اتخذ "السراج" قرارًا مفاجئًا بإقالة "باشاغا" أثناء وجوده في أنقرة.

أوجه قوة "معيتيق"

يعتبر "أحمد معيتيق"، نائب رئيس المجلس الأعلى للدولة، مرشحًا بارزًا آخر ليحل محل "السراج". ومثل "باشاغا"، فإن "معيتيق" رجل بارز من مصراتة من مجتمع "كولو أوغلو".

ومثل "باشاغا" أيضًا، يتمتع "معيتيق" بعلاقات اقتصادية وثيقة مع تركيا وكذلك المناطق الخاضعة لسيطرة "حفتر". والجدير بالذكر أن "معيتيق" كان أول شخصية مؤيدة لزيلرة حكومة طرابلس إلى موسكو في عام 2017 ويحافظ على اتصالات وثيقة مع روسيا. وقد برز باعتباره الشخصية الوحيدة في حكومة الوفاق الوطني التي تربطها علاقات جيدة بكل من أنقرة وموسكو.

ومع ذلك، فإن ذلك الوضع غالبًا ما أوقعه في مشاكل، ففي يونيو/حزيران، على سبيل المثال، أثار "معيتيق" غضب زملاءه من أعضاء حكومة الوفاق لحثه على وقف التقدم إلى سرت لأن مرتزقة من مجموعة "فاجنر" الروسية كانوا موجودين على طريقهم، ولتحذيره بأن سرت خط أحمر لموسكو.

وفي الآونة الأخيرة، أجرى "معيتيق" محادثات بوساطة روسية مع "خالد" نجل "حفتر" حول قضية سرت بما في ذلك رفع الحصار النفطي الذي فرضه "حفتر" على المنطقة.

وفي 18 سبتمبر/أيلول، أعلن "معيتيق" صفقة مع نجل "حفتر"، بالتزامن مع إعلان "حفتر" إنهاء الحصار. ولكن شركة النفط الوطنية الليبية نددت بشدة بالصفقة، قائلة إنها لن تقبل أبدًا وجود قوات "فاجنر" في المنطقة.

"المشري" منافس قوي

يعد "المشري"، رئيس المجلس الأعلى للدولة، شخصية أخرى تستحق التأمل.

فمن الناحية السياسية، يُعتبر "المشري" متحالفًا مع جماعة "الإخوان المسلمون"، رغم أنه قال إنه ترك التنظيم في أوائل عام 2019، ومن المعروف أيضًا أن "المشري" على علاقة جيدة بـ"أردوغان".

ومنذ التدخل التركي أواخر عام 2018، ركز "المشري" على الدبلوماسية، وعقد اجتماعات مع إيطاليا والمغرب وروسيا بالإضافة إلى ممثلين عن قوات "حفتر".

وأعرب "المشري" خلال محادثات في المغرب بين الجانبين الليبيين في وقت سابق من الشهر الجاري، عن استعداده للقاء "حفتر" بحضور مسؤولين مغاربة، ووصف المحادثات بأنها "مجرد مشاورات وليس حوارات" وأصر على أنه لم يتم اختيار أي مناصب في المستقبل.

يزعم البعض أن "المشري" يتطلع إلى دور نشط في محادثات جنيف المرتقبة في محاولة لاستعادة نفوذ "الإخوان المسلمين" في حكومة الوفاق الوطني.

ومثل "باشاغا"؛ يُنظر إلى "مشري" على أنه شخصية تعطي الأولوية للخيارات العسكرية. 

ويعتقد الكثيرون داخل حكومة الوفاق أن "المشري" اكتسب قوة اقتصادية بفضل علاقاته مع قطر وتركيا وسيحاول استخدام عملية جنيف ليصبح رئيسًا للوزراء.

سيناريوهات لاحقة

إذا تولى "معيتيق" أو "المشري" رئاسة الوزراء، فسيعني ذلك زيادة النفوذ الروسي في محادثات جنيف واحتمال اعتراف حكومة الوفاق برئيس برلمان طبرق "عقيلة صالح".

ومع ذلك، سيواجه مثل هذا السيناريو معارضة من أنصار "السراج" و"باشاغا" داخل حكومة الوفاق والقبائل الموالية لـ"حفتر" في الشرق، ونتيجة لذلك، قد يندلع صراع من نوع جديد.

أما إذا تولى المنصب "باشاغا"، المفضل لدى أنقرة، فقد يستؤنف القتال مع قوات "حفتر". وستواجه الحكومة بقيادة "باشاغا" معارضة شديدة من السلفيين المدخليين وأنصار "الإخوان المسلمون" وأنصار "السراج".

المصدر | ميتين جوركان - المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد