الجمعة 9 أكتوبر 2020 06:32 ص

تحديات الحكومة الجديدة في الأردن

تحوّل التركيز أكثر نحو الاختيار الأنسب للتصدّي لهذه التحدّيات الصعبة.

الحكومة مطالبة بالتوازن بين الحفاظ على حياة الناس دون مزيد من التراجع الاقتصادي.

لولا هبوط أسعار النفط والغاز المستورد من الأسواق الدولية لتفاقمت المشكلات الاقتصادية.

على الحكومة الجديدة تطبيق الحوكمة والشفافية واجتثاث الفساد وتمكين أصحاب الكفاءات لتحويل إمكاناتهم لطاقة إنتاجية فعالة.

*     *     *

ما يجري من إشاعات وتحليلات على الساحة الأردنية لمعرفة شخصية رئيس الوزراء القادم، وهوية الوزراء الأساسيين، أصبح خاضعاً في الأردن للظاهرة المسمّاة "Déjà vu"، أو "لقد شوهد من قبل".

وفِي ظل ارتفاع أعداد حالات الإصابة بفيروس كورونا في الأردن، خصوصا في العاصمة عَمّان، وزيادة عدد الموتى، وفِي أجواء ارتفاع نسبة البطالة "حسب دائرة الإحصاءات العامة الحكومية، فإن معدل البطالة في الأردن بلغ 23% خلال الربع الثاني من 2020، بارتفاع مقداره 3.8% عن الربع الثاني من 2019 البالغ 19.2%، وأجواء معدل التراجع في معدّلات النمو الاقتصادي، وزيادة مستوى الفقر، تحوّل التركيز أكثر نحو الاختيار الأنسب للتصدّي لهذه التحدّيات الصعبة.

ويبدو أن ما يزيد الناس قلقاً وحيرة، هو أن حالة Déjà vu قد تحولت من مجرّد ظاهرة يتخيل فيها الإنسان أن المشهد الذي رَآه قد حصل من قبل إلى ظاهرة خارقة (paranormal)، يستطيع من خلالها التنبؤ بالمستقبل، مفترضاً أسوأ السيناريوهات، وأكثرها ترهيباً وتخويفاً.

وحتى كتابة هذه السطور، لا أحد يدري هوية رئيس الوزراء الأردني الجديد، علماً أن حكومة الدكتور عمر الرزاز قد قدّمت استقالتها، وقَبِلَ بها الملك عبدالله الثاني في ساعة متأخرة من مساء يوم السبت الماضي، الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول الحالي.

وفِي السياق نفسه، وجّه الملك الحكومة لكي تستمر في تصريف الأعمال، حتى يرسو القرار على شخصيةٍ تتولى مع الفريق الوزاري مسؤولية التحدّيات الكبيرة، وتشرف على الانتخابات التشريعية التي سوف تجرى في الشهر المقبل (نوفمبر).

وتواجه الحكومة وضعاً اقتصادياً ليس سهلاً، فإجراءات الحد من انتشار جائحة كورونا، والتي نجحت في البدايات بشكل لافت للنظر، أدّت إلى تراجع النمو الاقتصادي، والذي يتراوح تقديره بين 5% - 6% سالباً للعام 2020، وتفاقم أزمة العجز في الموازنة العامة للدولة (ضعف العجز في موازنة العام الماضي 2019)، وزيادة البطالة إلى 23%، ولربما ترتفع إلى 25% مع نهاية العام الجاري، واتساع مساحة الفقر لتصل إلى ما يقارب 22%.

هذه التحدّيات كلها ستنعكس على قرارات الحكومة الجديدة، والتي سوف تكون مطالبةً بتبنّي خطة لمواجهة وباء كورونا التي يؤدّي استمرارها إلى ارتفاع الكلف الاقتصادية، وتعطيل قطاعات مهمة، مثل السياحة، والتعليم، والإنشاءات، والنقل، وغيرها.

ولولا هبوط أسعار النفط والغاز المستورد في الأسواق الدولية، لتفاقمت المشكلات الاقتصادية.

ولذلك، فإن الحكومة مطالبة بالبحث عن ذلك التوازن السحري بين الحفاظ على حياة الناس وصحتهم، من دون التفريط بمزيد من التراجع الاقتصادي. تحدّي البطالة أما التحدّي الثاني فهو لا شك البطالة.

وقد أجرى المنتدى الاقتصادي الأردني الذي يضم مجموعة من النخب، صاحبة الرأي والتأثير في الأردن، دراسة عن وضع البطالة، وأكّد أنها التحدّي الأساسي الذي يواجه السياسة الاقتصادية في البلاد.

وقد ارتفعت هذه النسبة من 11.9% خلال عام 2015 إلى 23% حتى منتصف العام الحالي حسب الأرقام الرسمية. وهذا يعني أن البطالة قد تضاعفت خلال السنوات الست الأخيرة. وبالطبع، هنالك في المقابل أكثر من مليون عامل عربي وغير عربي يعملون في الأردن، خصوصا في قطاعات الزراعة والإنشاءات والخدمات البسيطة.

وخطورة البطالة أن نسبتها من الشباب هي ضعف نسبتها الوطنية، وأن 78% من الإناث خرّيجات الجامعات لا يجدن عملاً. ومن هنا ارتفع سنت الزواج، ونسبة العنوسة، وارتفعت معدلات الإدمان والحوادث والجرائم، وعلى الرغم من أنها كنسبة عامة لا تزال متدنية.

والجانب الآخر المهم الذي يواجهه الأردن، والحكومة القادمة، ارتفاع نسبة التوظيف في القطاع العام، بشقيه المدني والعسكري، وقد توسعت حكومة الدكتور هاني الملقي ومن بعدها حكومة الدكتور عمر الرزاز المستقيلة في الإحالات على التقاعد، لتقلل من نسبة 42% من القوى العاملة، والتي تشتغل في دوائر القطاع العام.

ولكن النسبة لا تزال مرتفعة، والإنتاجية بحاجة إلى جهد لكي ترتفع وتصبح أقدر على خدمة الناس بفاعلية وكفاية. تحديد الأولويات وعلى الحكومة أن تحدّد أولوياتها القطاعية بشكل جيد وملموس.

وقد دعا الملك الأردني إلى التركيز على الزراعة وتطويرها، وجعل الأردن مركز توزيع للغذاء، ومستودعاً محلياً، ولصالح الدول العربية المجاورة.

وجعْل الأردن مركزاً صحياً متطوراً، خصوصا وأن لديه كفاءات وبنى تحتية في مجالات العلاج وإنتاج الأدوية، والقدرة على البحوث المتطوّرة في هذا المجال. وهنالك بالطبع تطوير قطاع الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية.

وقد أثبت الأردنيون قدراتٍ متميزةً عربياً في هذا المجال. وكذلك، على الأردن أن يعيد النظر في خليط الطاقة المنتجة في الأردن، وتخفيض أسعارها على الصناعة، لأن في الأردن ثروات طبيعية مهمة بحاجة إلى استثمار وتطوير، إلا أنها تعتمد في إنتاجها على الاستخدام المكثف للطاقة.

وما لم تجد الحكومة نموذجاً جديداً لإنتاج الطاقة وتسعيرها، فإن ارتفاع كلفها سيشكل عائقاً ضد هذه النشاطات.

في الأردن تحدّيات، ولكنْ لديه فرص وثروات غير مستغلة بالأسلوب الأمثل. وعلى الحكومة المقبلة أن تطبق الحوكمة والشفافية وأن تحارب مكامن الفساد، وأن تعطي كثيرين من أصحاب الكفاءات الفرص المناسبة، لتحويل طاقاتهم الكامنة إلى طاقة إنتاجية فعالة.

* د. جواد العناني سياسي وخبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق.

المصدر | العربي الجديد