السبت 10 أكتوبر 2020 07:24 ص

تجلى التزام تركيا بتحدي الهيمنة الروسية في جنوب القوقاز بعد تأكيد وجود مقاتلات تركية من طراز "F-16" تدار من أذربيجان في خضم الصراع في إقليم قره باغ.

إذ أظهرت صور الأقمار الصناعية التي نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" مقاتلات "F-16" التركية في قاعدة "كنجة" الجوية في 3 أكتوبر/تشرين الأول، بعد 4 أيام فقط من إدعاء أرمينيا أن مقاتلات من هذا الطراز تابعة لأنقرة أسقطت إحدى مقاتلاتها من طراز "Su-25" خلال مهمة على طول جبهة قره باغ.

ولا يثبت وجود المقاتلات التركية دورها في إسقاط المقاتلة الأرمينية، لكنه يظهر انخراطا عسكريا مباشرا لتركيا يتجاوز بكثير الدعم القائم بالفعل، مثل توفير مقاتلين سوريين ومعدات عسكرية لقوات أذربيجان.

تحدي لروسيا

يشكل تصميم تركيا على دعم أذربيجان في حربها مع أرمينيا تحديا فوريا لموقف روسيا في جنوب القوقاز، بعد أن سعت موسكو حتى الآن إلى إدارة التوترات بين يريفان وباكو لمنع القوى الخارجية من التدخل في النزاع.

ومن المحتمل أن تكون اشتباكات يوليو/تموز بين أرمينيا وأذربيجان وفرت الفرصة والغطاء لتركيا للمساعدة في التحضير للهجوم الأذربيجاني الذي يدعم الطموحات التركية في جنوب القوقاز على المدى الطويل.

لطالما سعت تركيا إلى زيادة نفوذها في أذربيجان؛ لتعزيز نفوذها في جنوب القوقاز، وهي منطقة تتنافس فيها الطموحات التركية والروسية.

ومن المحتمل أن تتسبب التوترات الأكبر مع أرمينيا في جعل أذربيجان أكثر انفتاحا على دعم تركي أكبر؛ وبالتالي أكثر استعدادا لمنافسة سيطرة أرمينيا على قره باغ.

وقد يكون النشاط المتزايد المستمر على طول خط التماس الفاصل بين القوات الأرمنية والأذربيجانية ساعد في إخفاء الاستعدادات للعمليات العسكرية التي بدأت في 27 سبتمبر/أيلول.

وتسببت 4 أيام من الاشتباكات على الحدود الأرمينية الأذربيجانية بدأت في 12 يوليو/تموز -في وقت كان فيه التصعيد بين البلدين في أشد حالاته منذ القتال في قره باغ عام 2016- في تحفيز تفاعل وثيق بين الجيشين التركي والأذربيجاني.

ففي 16 يوليو، زار نائب وزير الدفاع الأذربيجاني وقادة عسكريون رفيعو المستوى تركيا؛ حيث جرت مناقشات أدت على الأرجح إلى التخطيط للعمليات الجارية حاليا.

وبحلول 29 يوليو، انضمت القوات التركية إلى نظيرتها الأذربيجانية في تدريبات عسكرية استمرت أسبوعين وشملت نشر مقاتلات "F-16" التركية في قاعدة "كنجة" الجوية.

وفي أعقاب التصعيد في يوليو والتفاعل المكثف مع الجيش التركي، استمرت نيران المدفعية ذهابا وإيابا على خط التماس، بينما قامت أذربيجان بتحديث مواقعها الدفاعية ونقل المعدات العسكرية إلى الأمام استعدادا للعمليات الحالية.

استبعاد اشتباك مباشر

أظهرت تركيا استراتيجية ناجحة تجاه روسيا خلال النزاعات الجارية في سوريا وليبيا؛ مما يحد من احتمالية نشوب صراع مباشر مستمر بين القوتين.

وفي حين أن هذه الخطوة ستزيد من التوترات الروسية التركية، إلا أنها ستثبت في نهاية المطاف أنها قابلة للتحكم فيها في ظل النموذج الروسي والتركي الحالي للوساطة الثنائية وخفض التصعيد.

ومع ذلك، قد يؤدي التدخل العسكري المباشر في العمليات الأذربيجانية ضد أرمينيا إلى المخاطرة بخلق مسرح آخر تواجه فيه القوات التركية والروسية بعضها البعض مباشرة.

لم يتسبب التدخل التركي الحالي في الدفع بعد إلى رد عسكري روسي لدعم أرمينيا، ومن المحتمل أن تكون موسكو مترددة في القيام بذلك في محاولة للحفاظ على التوازن في علاقاتها مع أذربيجان وأرمينيا.

ومع ذلك، فإن عمليات الانتشار التركية الإضافية أو المشاركة المباشرة في العمليات القتالية قد تجبر روسيا على نشر قوات في الأراضي التي يسيطر عليها الأرمن.

لكن، حتى إذا حدث ذلك، فلا يزال القتال المستمر بين روسيا وتركيا غير محتمل.

فكما ثبت في الصراعات في سوريا وليبيا، التي دعمت فيها كل من روسيا وتركيا أطرافا متعارضة وشهدت حتى مشاركات مباشرة محدودة، طور البلدان طريقة موثوقة لخفض التصعيد وتحقيق الاستقرار.

في هذه الحالة، من المرجح أن تؤدي عمليات النشر التركية والروسية المباشرة إلى استقرار خط الاتصال في قره باغ أكثر من احتمال اندلاع صراع أكبر.

وبالتالي، لن يصبح توسع التدخل التركي أكثر ترجيحا، إلا إذا واجهت أذربيجان مشكلة في الاحتفاظ بأراضيها.

سياسة خارجية صارمة

 على المدى الطويل، سيحد الضعف الاقتصادي المستمر من قدرة تركيا على دعم طموحاتها الخارجية، أما في هذه المرحلة فإن قدراتها كافية لدعم سياستها الخارجية الصارمة.

يستمر تراجع الليرة التركية؛ مما أجبر الحكومة على تعديل سياستها النقدية، وتعرضت الليرة لضربة أخرى بعد التدخل التركي في أزمة قره باغ.

ومع ذلك، لن تعيق معاناتها الاقتصادية الحالية السياسة الخارجية الحازمة أو حتى قدراتها العسكرية على المدى القصير.

فقد نفذت تركيا عدة هجمات عسكرية في سوريا، وتحتفظ بتواجد في إدلب التي تسيطر عليها المعارضة وعلى طول الحدود الشمالية لسوريا.

كما ردت تركيا على هجوم الجنرال الليبي "خليفة حفتر" على طرابلس في أبريل/نيسان 2019، بنشر أصول عسكرية لدعم حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقرا لها؛ مما أدى إلى زيادة الدعم العسكري الروسي لـ"حفتر".

وفي شرق البحر المتوسط​، صعدت تركيا تحركاتها ضد اليونان وقبرص الرومية. ومع تعزيز أنقرة لطموحاتها في تطوير موارد الطاقة البحرية، فقد نشهد مواجهة أوسع مع الاتحاد الأوروبي.

كما تحدت تركيا الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر في قضايا أخرى، مستخدمة قدرتها على زيادة أو خفض تدفقات اللاجئين كوجه نفوذ.

وبالنسبة لجنوب القوقاز، سعت تركيا إلى توسيع نفوذها من خلال علاقاتها مع أذربيجان وجورجيا، وهي تفعل ذلك الآن من خلال المشاركة العسكرية في نزاع ناغورنو كاراباخ.

المصدر | ستراتفور - ترجمة الخليج الجديد