الأحد 11 أكتوبر 2020 04:32 ص

تطبيع الإمارات والبحرين مع إسرائيل هل يدخل الأردن بمأزق سياسي متعدد الأبعاد؟

لم يتغير موقف الأردن من اتفاقي التطبيع استنادا لفهمه أن التطبيع يؤخر قيام دولة فلسطينية التي تخدم مصلحة عليا لاستقراره.

عدم اكتراث حكومة الاحتلال بالعلاقات مع الأردن انعكس على علاقات نتنياهو الشخصية بالعاهل الأردني وتعميق أزمة ثقة متراكمة.

صفقة السلام الإسرائيلية الإماراتية لا تلزم إسرائيل بإلغاء قرار ضم مناطق الأغوار مما يبقي مخاوف الضم قائمة أمام الأردن.

يتخوف الأردن من المس بدورها في رعاية القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، من خلال لعب الإمارات والسعودية دورا جديدا هناك.

أبوظبي ستتولى نقل (الحجاج) المسلمين إلى القدس عبر مطار بن غوريون دون استخدام الأردن كقناة أو الاستفادة من موقعها كدولة مجاورة لإسرائيل.

*     *     *

في 25 من الشهر الجاري تحل الذكرى السادسة والعشرون لتوقيع اتفاق السلام "وادي عربة" بين إسرائيل والأردن، بعد عام من توقيع اتفاق أوسلو مع السلطة الفلسطينية والذي فتح باب التطبيع مع دول عربية وإسلامية وبعض دول عدم الانحياز سابقا.

هذا السلام كما هو الحال مع مصر بقي باردا ورسميا ويكاد ينحصر في التعاون الأمني وربما الاقتصادي، بل تعرض لهزات في السنوات الأخيرة نتيجة عدة عوامل.

منها عدم اكتراث حكومة الاحتلال بالعلاقات مع المملكة الأردنية ما انعكس على العلاقات الشخصية بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وتعميق أزمة الثقة المتراكمة بينهما بعكس ما كان بين والده الملك الراحل حسين بن طلال ورئيس حكومة الاحتلال الراحل اسحق رابين، الذي وقع معه اتفاق وادي عربة وتميزت علاقاتها بالصداقة الشخصية.

ومن المسائل التي نقلت العلاقات بينهما من البرود للتوتر حادثة السفارة الإسرائيلية في عمان ومقتل أردنيين برصاص حارس إسرائيلي عام 2017  تبعتها وعلى خلفيتها عملية استعادة الأردن لأراضي الغمر والباقورة في وادي عربة وجنوب بحيرة طبرية ورفض تمديد اتفاقية الاستئجار مع إسرائيل في نهاية العام الماضي.

كما أخذت العلاقات الثنائية تزداد توترا بعد أن بدأ اليمين الإسرائيلي يُصعد من خطاب ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة من جهة، ومن خطاب تهويد القدس وتعزيز السيطرة على المسجد الأقصى من جهة أخرى.

علاوة على ذلك تأزمت العلاقات بسبب اتخاذ الحكومة الإسرائيلية خطوات لم تحمل احتراماً للأردن وحكومته وقيادته، كما حدث مثلاً في حادثة اعتقال المواطنيّن الأردنيين إدارياً وما رافق ذلك من حملة احتجاج شعبية عارمة في الأردن تطالب بالإفراج عن الأسرى ومعاقبة إسرائيل على ذلك لدرجة قطع العلاقات بين البلدين.

بعد ذلك تفاقم التوتر بعد الكشف في مطلع العام الحالي عن "صفقة القرن" التي تضمنت ضمّ الأغوار للسيادة الإسرائيلية مما أثار حنق الأردن الذي يرى بذلك تهديدا استراتيجيا لمصالحه خاصة أنه يخشى مخططا إسرائيليا قديما غير معلن وهو الرهان على تحويله لدولة فلسطينية شرقي النهر.

وعلى خلفية ذلك جاء توقيع اتفاقي التطبيع بين إسرائيل والإمارات والبحرين مع احتمال انضمام دول أخرى وهذا تحول بالغ الأثر على الأردن ومكانته كوسيط ولاعب إقليمي بعدما بدا وكأن أسهمه قد تدنت في البورصة السياسية الإسرائيلية بالأساس.

 

المجال الجوي

رغم ذلك وقع الأردن وإسرائيل قبل أسبوع بعد مفاوضات استمرت لسنوات، اتفاقا يتيح تسيير رحلات جوية تجارية عبر المجال الجوي للجانبين بعد أسابيع من تطبيع الإمارات والبحرين العلاقات مع إسرائيل.

لكن مثل هذا الاتفاق لا يعكس تحولا جوهريا في العلاقات المتوترة بينهما إنما هو لقاء على مصلحة مشتركة. وقالت إسرائيل إنها وقعت اتفاقا مع الأردن سيسمح للرحلات الجوية من الإمارات والبحرين بالتحليق عبر الأجواء الإسرائيلية الأردنية.

وقالت وزارة النقل الإسرائيلية إن الاتفاق نوقش على مدى سنوات، لكن البلدين لم يتمكنا من إتمامه إلا بعد أن وقعت إسرائيل اتفاقين تاريخيين الشهر الماضي لتطبيع العلاقات مع الإمارات والبحرين.

وأضافت إن الاتفاق سيسمح للطائرات التجارية التي تطير عبر مسار إسرائيل الأردن باختصار أوقات الطيران لبعض المسارات بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، بما في ذلك الرحلات من البحرين والإمارات.

وبشأن موقف الأردن من اتفاق التطبيع مع الإمارات والبحرين فقد تم إعلانه بوضوح على لسان وزير الخارجية أيمن الصفدي الذي قال إن: "التغيير المطلوب والخطوة الأساسية" لتحقيق اتفاق السلام في الشرق الأوسط "يجب أن يأتيا من قبل إسرائيل" عبر "زوال الاحتلال".

وأضاف الصفدي، في بيان للخارجية الأردنية في الشهر الماضي أن على إسرائيل "وقف إجراءاتها التي تقوض حل الدولتين وتنهي الاحتلال اللاشرعي للأراضي الفلسطينية".

وأكد أن "أثر اتفاق تطبيع العلاقات البحرينية-الإسرائيلية وكل اتفاقات السلام مع إسرائيل يعتمد على ما ستقوم به إسرائيل، فإن بقي الاحتلال واستمرت إسرائيل في إجراءاتها سيتفاقم الصراع وسيتعمق ولن تنعم المنطقة بالسلام العادل الذي تقبله الشعوب ويمثل ضرورة إقليمية ودولية". مضيفا إن السلام "لن يكون شاملاً ودائماً إلا إذا قبلته الشعوب وتبنته، وذاك شرطه تلبية جميع حقوق الشعب الفلسطيني".

ومن وقتها لم يتغير موقف الأردن رسميا من اتفاقي التطبيع وذلك استنادا على فهمه بأن التطبيع يؤخر قيام دولة فلسطينية التي تخدم مصلحة عليا بالنسبة له ولاستقراره الداخلي، ولإدراكه بأن انضمام دول عربية للتطبيع المجاني قد قلّص هامش مناورته السياسية ومسّ بدوره كوسيط بصفته طرفا مرتبطا باتفاقية سلام مع إسرائيل جاءت بعد حالة حرب معها فعلا بعكس ما هو موجود في الحالة الإماراتية والبحرينية.

 

الأوقاف في القدس

لا تخفي دراسة أعدها باحث أكاديمي قلق الأردن من حالة التقارب الإسرائيلي الخليجي، خاصة الإمارات والسعودية، فهذا التقارب يُفقد الأردن موقعه الجيوسياسي ويلغي الحاجة الخليجية له.

ويحمل معه جملة من التحديات والمتاعب الاستراتيجية للمملكة. الصعوبات المتوقع أن يواجهها الأردن في مقبل الأيام تتمثل في شقين – بحسب الدراسة الأكاديمية التي أعدها الباحث حسن البراري لصالح مؤسسة فردريش إيبرت الألمانية:

- أولهما أن صفقة السلام الإسرائيلية الإماراتية لا تلزم إسرائيل بإلغاء قرارها ضم مناطق الأغوار، مما يبقي مخاوف الضم قائمة أمام الأردن.

- ثانيهما، تتخوف المملكة في رأيه من المس بدورها في رعاية القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، من خلال لعب الإمارات والسعودية دورا جديدا هناك، خاصة أن أبوظبي ستتولى نقل الحجاج المسلمين إلى القدس عبر مطار بن غوريون دون استخدام الأردن كقناة أو الاستفادة من موقعها كدولة مجاورة لإسرائيل.

لكن هناك تقييمات مغايرة في الأردن تخفف حدة تبعات التطبيع الخليجي على الأردن كما عبر عن ذلك الدكتور في الاقتصاد جواد العناني، نائب رئيس الوزراء الأردني السابق الذي لا يتفق مع البراري على أن الأردن تأخر بتنويع تحالفاته.

مؤكدا أن الأردن حافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الدول الكبرى شرقا وغربا، من روسيا والصين وتركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وبقي متمسكا بالتحالف الأمريكي العربي.

وأكد في حديث لـ"الجزيرة" أن علاقات الأردن بالإمارات والبحرين لم تتدهور مع توقيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل، مستبعدا أن تمارس هذه الدول ضغوطا على الأردن خاصة في قضية الرعاية الهاشمية على القدس والمقدسات.

وحول فقدان الأردن لدوره الجيوسياسي وكونه وسيطا بين الخليج وإسرائيل، قال العناني إن الأردن لم يكن يلعب دور الوسيط بين الخليج وإسرائيل، ولم يعمل على دمج إسرائيل بمنطقة الشرق الأوسط، من سعى في ذلك هي الولايات المتحدة ودول أوروبية ومنظمات دولية.

وفي المقابل تختلف تقييمات مراقبين إسرائيليين أيضا في قراءة منظومة العلاقات الثنائية والإقليمية بعد اتفاقي التطبيع المذكورين، فيرى مثلا محلل الشؤون العربية في القناة الإسرائيلية 12 إيهود يعاري، أن اتفاق التطبيع سيعمق اللامبالاة الإسرائيلية التي يقودها نتنياهو في توجهاته بالتعامل مع الأردن المنطلقة من رفضه لتسوية الصراع بحجة كونه غير قابل للحل وبالتالي فهو يسعى لإبطال الفيتو الفلسطيني على نسج علاقات مع دول عربية مختلفة.

ويحذر رئيس وحدة الأبحاث داخل الاستخبارات العسكرية سابقا الجنرال في الاحتياط عاموس غلعاد، من مواصلة الاستخفاف بالأردن رغم توقيع اتفاقات تطبيع مع دول عربية.

وأوضح غلعاد في تصريحات إعلامية آخرها للإذاعة العبرية العامة أنه، مع كل الاحترام والأهمية لاتفاقي التطبيع مع الإمارات والبحرين تبقى علاقات التنسيق الأمني والاستراتيجي مع الأردن هي الأهم، منوها لوجود حدود بطول مئات الكيلومترات معه.

ويضيف "الأردن وقف ويقف حاجزا بيننا وبين العراق ويحول دون توتر الجبهة الطويلة في الأغوار وهذا أمر مهم وحيوي بالنسبة لإسرائيل".

المصدر | القدس العربي