الأحد 18 أكتوبر 2020 10:53 م

اندلعت المظاهرات في مناطق مختلفة من مصر في 20 سبتمبر/أيلول الماضي وما تلاها من أيام.

وكانت الاحتجاجات صغيرة في البداية، ثم انتشرت بسرعة حيث أصبح المزيد من المصريين مصدر إلهام للنزول إلى الشوارع، مخترقين أجواء الخوف التي فرضتها حكومة الرئيس "عبدالفتاح السيسي" القمعية.

ورفع الناس لافتات ورددوا شعارات مناهضة للنظام، وأشعل آخرون النار في سيارات للشرطة فيما رشق البعض قوات الأمن بالحجارة، معربين عن إحباطهم الشديد من ممارسات أفراد وزارة الداخلية.

وتعتبر هذه المظاهرات إلى حد كبير استمرارًا لاحتجاجات سبتمبر/أيلول 2019، عندما شجع رجل الأعمال المنفي  "محمد علي"، الذي يعيش الآن في إسبانيا، الناس على الاحتجاج عبر مقاطع الفيديو عبر الإنترنت.

وبينما استأنف "علي" نشاطه الخارجي في سبتمبر/أيلول 2020، كان أحد العوامل التي أدت إلى تجدد هذه المظاهرات هو تمرير الحكومة المصرية لقانون جديد، والذي يستلزم أن يدفع السكان غرامات لتقنين المنازل المبنية على أراضٍ زراعية وحتى تلك الموجودة داخل المدن.

وبالرغم أن العديد من المصريين سيكافحون لدفع الغرامات، قال "السيسي" في خطاب تحذيري، إنه "إذا لزم الأمر، سينشر الجيش في جميع قرى مصر لتطبيق القانون"، مع تهديدات بهدم منازل الناس.

بعد الغضب الذي تلا ذلك، تم اعتقال 2300 شخص، بينهم 111 قاصرًا تتراوح أعمارهم بين 11 و 17 عامًا. 

قال أحد سكان الجيزة، الذي اعتقلت السلطات شقيقه: "احتج الناس لأن الحكومة قالت إن الأرض التي بنيت عليها عشرات المنازل، وتؤوي عشرات العائلات، تابعة لوزارة الأوقاف".

وقال بيان لمنظمة العفو الدولية في 2 أكتوبر/تشرين الأول: "استخدمت قوات الأمن المصرية الغاز المسيل للدموع والهراوات والخرطوش والذخيرة الحية، وتم اعتقال مئات المتظاهرين والمارة لتفريق المظاهرات النادرة التي استمرت على مدى عدة أيام".

وفي السياق، نفذت الحكومة حكم الإعدام بحق 15 معتقلاً في أكتوبر/تشرين الأول، وهو ما يعتقد بعض المحللين السياسيين أنه يهدف إلى تخويف الناس من النزول إلى الشوارع؛ وجعل المحاكمين قدوة للمتظاهرين الآخرين.

وتم اعتقال الصحفية "بسمة مصطفى" في قريتها بالقرب من مدينة الأقصر جنوبي البلاد، بينما كانت تكتب عن مقتل المواطن "عويس الراوي" على يد الشرطة خلال المظاهرات.

اتهمت النيابة المصرية "بسمة" في 4 أكتوبر/تشرين الأول بـ "استخدام حسابها الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر أخبار كاذبة والترويج لها".

ومع ذلك، من الواضح أن الاعتقال جاء بنتائج عكسية حيث أدت الإدانة المتزايدة لاعتقال "بسمة" من قبل السلطات إلى إطلاق سراحها في اليوم التالي، كما كشفت أن الحكومة أرادت تبييض سياساتها القمعية ضد المتظاهرين ومنع تداول الانتهاكات.

هناك تحليلات مختلفة حول سبب اندلاع الاحتجاجات.

أولاً، من المهم أن نتذكر أن مثل هذه الاحتجاجات في مصر كانت تختمر بالفعل، في ظل تدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

ومن الواضح أن الخطوة الأخيرة التي قام بها "السيسي" كانت القشة الأخيرة.

يعيش 1 من كل 3 أشخاص تحت خط الفقر، بينما يسيطر الجيش على قدر كبير من الاقتصاد.

ويكافح العديد من المصريين يوميا للبقاء على قيد الحياة، فيما تسعى الحكومة إلى تنفيذ مشاريعها العملاقة الخاصة بها، بما في ذلك العاصمة الإدارية الجديدة، التي تكلف عشرات المليارات من الدولارات.

وتستمر القاهرة في تجاهل احتياجات الناس، مع شكاوى واسعة النطاق من سوء إدارة حكومة "السيسي" للاقتصاد.

أعطى البعض الفضل الأكبر لدور "محمد علي" في قيادة الاحتجاجات.

يمكن القول إن "علي" لعب دورًا مهما في منح المصريين الثقة للتجمع وإطلاق الاحتجاجات، لكنه فقط يستغل المعارضة المتزايدة تجاه "السيسي"، إلى جانب رغبة الشعب في التغيير، والتي كانت ستندلع في النهاية دون توجيه "علي".

 

لم تختف المشاعر التي تسببت في ثورة 2011 في مصر وأطاحت بالرئيس المستبد "حسني مبارك"، بالرغم من محاولات طاغية آخر - "السيسي" - احتواء مثل هذا الشعور، بعد الثورة المضادة عام 2013 التي أطاحت بأول رئيس مدني منتخب.

لذلك يمكن القول إن الاحتجاجات كانت حتمية.

وأضاف بيان منظمة العفو الدولية أن "حقيقة أن هؤلاء المتظاهرين نزلوا إلى الشوارع مع علمهم بالمخاطر الكبيرة للغاية على حياتهم وسلامتهم تظهر مدى يأسهم للمطالبة بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية".

كما هو الحال مع ثورة السودان التي انطلقت أواخر عام 2018، أولى بعض المراقبين اهتمامًا كبيرًا للأحداث التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات.

كانت هناك زيادة في أسعار الخبز في السودان، بينما في مصر كانت غرامات المباني وهدم المنازل.

ومع ذلك، فإن هذا التركيز على هذه الأحداث الفردية يتجاهل المظالم طويلة الأمد والمصاعب الكامنة التي واجهها الناس سابقًا، إلى جانب رغباتهم في العيش بعيدًا عن الفساد.

في حالة مصر، من الممكن أن تؤدي التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا إلى تفاقم هذه المشاعر.

وكما هو الحال في كثير من دول العالم، يتوقع صندوق النقد الدولي تراجعا حادًا للاقتصاد المصري نتيجة لتدابير احتواء الفيروس والإغلاق العالمي.

ومع ذلك، سعت وسائل الإعلام الموالية للنظام إلى استخدام البعبع المفضل لديها للتقليل من أهمية الاحتجاجات. واتهمت "محمد علي" بأنه متعاون مع "الإخوان المسلمين".

ويعكس ذلك صدى محاولات النظام السابقة لاستخدام جماعة الإخوان كفزاعة لتجاهل هموم الناس الحقيقية وتبرير استمرار القمع.

وحذر "السيسي" من عدم الاستقرار بعد معارضة خططه الأخيرة، الأمر الذي قد يعكس روايته عن "الاستقرار" والتي يسوق أنها ضرورية لتأمين البلاد ضد ما يسميه "التطرف".

بطبيعة الحال، سيتساءل الكثير من الناس حول مستقبل هذه الاحتجاجات.

ومع تفاقم المشاكل وفشل الحكومة في معالجتها، يمكن أن تتزايد معارضة "السيسي" ونظامه.

وسيخلق ذلك بيئة متوترة بشكل متزايد في البلاد.

ومع ذلك، من الواضح أن النظام عازم على سحق أي معارضة وتأمين سلطته، بدلاً من المساومة ومنح التنازلات للشعب.

ويشكك العديد من المراقبين في مدى قدرة الاحتجاجات على تحدي الحكومة العسكرية المهيمنة في مصر.

بينما يتغاضى المجتمع الدولي عن هذه الاحتجاجات الشعبية وأسبابها، ويواصل "السيسي" قبضته الحازمة على السلطة، تكشف أحداث سبتمبر/أيلول فقط أنه لا يوجد فرج يلوح في الأفق للشعب المصري.

المصدر | جوناثان هارفي/ انسايد أرابيا – ترجمة وتحرير الخليج الجديد