الاثنين 19 أكتوبر 2020 11:36 ص

يعتبر التصعيد الأخير للعنف في منطقة "ناغورني قره باغ"، والذي اندلع في 27 سبتمبر/أيلول، هو الأكثر دموية منذ وقف إطلاق النار عام 1994 بين الجمهوريتين السوفيتيتين السابقتين (أرمينيا وأذربيجان).

ويهدد التصعيد بجر القوى الإقليمية وتوسيع النطاق الجيوسياسي للأزمة. وقد ألقت تركيا بثقلها السياسي والعسكري وراء أذربيجان بشكل صريح، فيما دعمت روسيا الحكومة الأرمينية بشكل ضمني، مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع حكومة "إلهام علييف" الأذربيجانية.

وبدا التناقض في موقف إيران التي تعتبر لاعبا رئيسيا يتقاسم الحدود البرية مع جميع الأطراف المعنية، باستثناء روسيا.

وتهدف طهران في النهاية إلى الحفاظ على الوضع الراهن أو تأمين حل سلمي لأزمة "ناغورني قره باغ" لأسباب استراتيجية وأمنية مختلفة.

ورحب وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف" باتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه روسيا، بينما أكد سفير إيران في موسكو "كاظم جلالي" استمرار المشاورات والمحادثات رفيعة المستوى بين الشريكين، مما يشير إلى اعتراف طهران بالمصالح والنفوذ الروسي في المنطقة.

المعضلة الأمنية بالنسبة لإيران

وخلال حرب 1988-1994 بين أرمينيا وأذربيجان حول "ناغورني قره باغ"، سعت الجمهورية الإسلامية، التي عانت هي نفسها من الحرب المؤلمة مع العراق منذ 1980 في ذلك الوقت، إلى اتباع سياسة الحياد تجاه الصراع.

وكان هذا من أجل البقاء بعيدا عن الصراع قدر الإمكان والامتناع عن استعداء روسيا، القوة الإقليمية الأكثر نفوذا وتصميما على حماية "مجال نفوذها" في القوقاز.

وكررت طهران نهجها خلال حروب الشيشان من عام 1994 إلى عام 1996 ومن عام 1999 إلى عام 2000.

والآن، أثار احتدام الأعمال العدائية الإقليمية العديد من الأسئلة الملحة حول إمكانية التطهير العرقي والتغيير الديموجرافي وانتشار عدم الاستقرار خارج ناغورني قره باغ.

وفيما يعد سابقة تاريخية، دعت حكومة الرئيس "حسن روحاني" إلى وقف القتال وعرضت المساعدة في الوساطة بين الخصمين على أمل وقف تصعيد الصراع العرقي.

وقال "سعيد خطيب زاده"، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، بعد يوم من اندلاع الاشتباكات: "لا يمكن للمنطقة تحمل المزيد من العنف".

وأضاف أن "سياسة إيران لم تتغير، لكنها كانت دائما موجهة نحو تسهيل المحادثات بين الجانبين، لأن استخدام القوة العسكرية ليس حلا مستداما لهذا النزاع المستمر منذ عقود".

وحذر من أن الجمهورية الإسلامية "لن تتسامح بأي حال من الأحوال مع انتهاك حدودها وأراضيها". وجاء هذا التحذير بعد سقوط عدد من الصواريخ والقذائف الطائشة في قرى على الجانب الإيراني من الحدود مع أذربيجان، ما ألحق أضرارا بممتلكات المدنيين وجرح أحد السكان المحليين على الأقل.

وفيما يبدو أنه تحول في السياسة الرسمية، أعرب خطباء صلاة الجمعة، الذين يتحدثون بلسان المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي"، في 4 مقاطعات يغلب عليها الطابع التركي، وهي أذربيجان الغربية وأذربيجان الشرقية وأردبيل وزنجان، عن دعمهم  لـ"جهود أذربيجان" لإنهاء "احتلال" ناغورني قره باغ.

ووصفوا جمهورية أذربيجان بأنها "البلد الشيعية" وأن إجراءاتها لاستعادة الأراضي المتنازع عليها "قانونية تماما وشرعية دينيا".

وفيما بعد، ردد "علي أكبر ولايتي"، مستشار الشؤون الدولية الحالي لـ"خامنئي"، هذا الموقف غير المسبوق، وأشار إلى 4 قرارات لمجلس الأمن الدولي، كان قد تم تمريرها من أبريل/نيسان إلى نوفمبر/تشرين الثاني 1993، تدعو إلى انسحاب القوات الأرمينية من الأراضي الأذرية المحتلة. وتحدث عن "مصير 7 مدن في جنوب أذربيجان تحتلها أرمينيا".

وقال "ولايتي" في 6 أكتوبر/تشرين الأول: "نريد من أرمينيا أن تعيد هذه الأجزاء المحتلة إلى جمهورية أذربيجان".

وأضاف لاحقا أن "أكثر من مليون شخص من الأتراك الأذربيجانيين نزحوا نتيجة لهذا الاحتلال ويجب أن يعودوا إلى وطنهم. وبما أننا نعارض احتلال النظام الصهيوني للأراضي الفلسطينية، فلدينا نفس الموقف هنا".

وبعد ذلك بوقت قصير، كرر المتحدث باسم الحكومة الإيرانية "علي ربيعي" الحديث عن نفس المخاوف، داعيا أرمينيا إلى إخلاء المناطق المحتلة في أذربيجان.

دوافع طهران للحفاظ على الوضع الراهن

دعمت الجمهورية الإسلامية الحقوق الإقليمية لجارتها الأذربيجانية وسيادتها على ناغورني قره باغ في الخطابات والبرامج السياسية الرسمية.

ومع ذلك، فإن طهران تنحاز إلى الجانب الأرميني عمليا لأن الوضع الراهن، الذي تسعى أرمينيا جاهدة لحمايته بمباركة روسية، أفاد إيران بشكل استراتيجي على مدى العقود الثلاثة الماضية.

وفي الواقع، تشعر القيادة الإيرانية بقلق عميق بشأن التداعيات الجيوسياسية والأمنية المترتبة على استعادة أذربيجان لإقليم ناغورني قره باغ، وبالتالي تفضل إلى حد كبير الحفاظ على الوضع الراهن. وذلك للأسباب التالية:

أولا، سيؤدي نجاح أذربيجان وتركيا في استعادة ناغورني قره باغ إلى تنشيط الميول العرقية والمشاعر الانفصالية في المقاطعات الإيرانية الشمالية الغربية ذات الأغلبية التركية، وعلى نطاق أوسع بين الأقلية التركية البالغ عددها 20 مليونا والذين يعيشون في جميع أنحاء البلاد.

واحتجزت السلطات الإيرانية بالفعل عشرات المتظاهرين والناشطين الذين خرجوا إلى الشوارع في مدن مثل أورميا وتبريز وأردبيل وزنجان، التابعة لأذربيجان الغربية وأذربيجان الشرقية وأردبيل وزنجان على التوالي، احتجاجا على سياسات طهران تجاه الصراع، بما في ذلك ما ورد عن تسهيلها لنقل الأسلحة من روسيا إلى أرمينيا.

ومن المرجح أن يؤدي الانتصار العسكري الأذربيجاني التركي على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية إلى تعزيز النفوذ العرقي والاجتماعي والسياسي لتحالف أنقرة وباكو في شمال غرب إيران، ويشجع القوات الانفصالية على حساب الحكومة المركزية في طهران.

وبالنظر إلى العلاقات الأمنية والاقتصادية الوثيقة لأذربيجان مع كل من تركيا وإسرائيل، فإن سيطرتها على ناغورني قره باغ من المرجح أن تحول المنطقة إلى بؤرة للنشاط العدائي ضد الجمهورية الإسلامية، بما في ذلك عمليات الاستطلاع والاستخبارات.

ووفقا لتكهنات جهاز الأمن الإيراني، لعبت باكو دورا لا غنى عنه في سرقة إسرائيل في أوائل عام 2018، لأكثر من نصف طن من الوثائق النووية عالية السرية من مستودع في طهران.

وقد تنكشف مثل هذه الثغرات ذات الأهمية للأمن القومي أكثر في حالة ترسيخ موقف إسرائيل على الحدود الشمالية لإيران، وهي منطقة كانت تقليديا آمنة وغير مكلفة من منظور عملياتي.

وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول، تحطمت طائرة مسيرة إسرائيلية الصنع، يُعتقد أنها تابعة للجيش الأذربيجاني، في مقاطعة أردبيل شمال غرب إيران.

وبحسب ما ورد، أرسلت تركيا مقاتلين أجانب إلى ناغورني قره باغ، ما زاد من هذه المخاوف الأمنية. وانتقد "ولايتي"، كبير مستشاري المرشد الأعلى للشؤون الدولية، أنقرة "لإصرارها على إطالة أمد هذه الحرب" وحثها على التوقف عن "صب الزيت على النار".

وضاعف الرئيس "روحاني" من تحذيراته في جلسة لمجلس الوزراء في 7 أكتوبر/تشرين الأول. وقال "روحاني": "من غير المقبول بالنسبة لنا أن تستخدم بعض الدول الأعذار لنقل الإرهابيين من سوريا ومواقع أخرى إلى المنطقة والمناطق القريبة من حدودنا".

ويذكرنا هذا الوضع بالتهديدات التي تواجهها إيران بشأن حدودها سهلة الاختراق مع باكستان والتحدي المستمر للحراك السني في مقاطعة سيستان وبلوشستان الجنوبية الشرقية.

وأخيرا، يشعر القادة الإيرانيون بالقلق الشديد من اتخاذ أي خطوة ضد المصالح الروسية في المنطقة. ولطالما نظرت إيران إلى جنوب القوقاز باعتباره جزءا من دائرة نفوذ موسكو والفناء الخلفي الاستراتيجي لها.

وتعتبر العلاقات مع روسيا مهمة بشكل خاص في وقت تتصارع فيه الجمهورية الإسلامية مع حملة "أقصى ضغط" للعقوبات الاقتصادية الأمريكية.

وتعتمد طهران على روسيا للحصول على الدعم السياسي في مجلس الأمن ولتنفيذ عمليات شراء أسلحة مهمة بمجرد انتهاء حظر الأسلحة الدولي المفروض عليها في 18 أكتوبر/تشرين الأول.

وكانت لروسيا شراكات طويلة الأمد مع كلا الطرفين المتنازعين في ناغورني قره باغ، ولديها قاعدة عسكرية في "غيومري"، ثاني أكبر مدن أرمينيا.

ومع ذلك، يبدو أن روسيا تركت أرمينيا تتعرض للضرب بعد عامين من قيام "ثورة مخملية" جلبت رئيس الوزراء "نيكول باشينيان" إلى السلطة.

وأثار ذلك مخاوف في موسكو من أن حكومة "باشينيان" قد تسعى إلى موازنة اعتماد أرمينيا الكبير على روسيا من خلال تعزيز تعاون أوثق مع الغرب.

وبالرغم من ذلك، فمن غير المرجح أن تترك روسيا المنطقة تقع في أيدي الأذريين أو أن تترك ميزان القوى الإقليمي يتغير لصالح باكو.

وفي أول تعليقات علنية له حول الصراع، سلط الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" الضوء على اتفاق موسكو الدفاعي مع يريفان في إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي، مشيرا إلى أنها قد تتدخل فقط إذا تعرضت الأراضي الأرمينية للهجوم.

وقال "بوتين" لقناة "روسيا 24" الرسمية: "لدينا التزامات معينة كجزء من هذه المعاهدة. وقد احترمت روسيا التزاماتها دائما وستواصل الوفاء بها، لكن الأعمال العدائية لا تحدث على الأراضي الأرمينية".

وبالنظر إلى المصالح الاستراتيجية الروسية من جهة، والحاجة إلى الحفاظ على مستوى من التعاون مع تركيا من جهة أخرى، يمكن القول إن إيران تسير على حبل مشدود فيما يتعلق بالصراع المشتعل، وتسعى جاهدة لإيجاد حل وسط.

وجدير بالذكر أنه في دعواتهم لإنهاء احتلال أرمينيا للأراضي الأذرية، لم يحدد المتحدث باسم حكومة "روحاني" ولا مستشار "خامنئي" ما يقصدانه بـ"المناطق المحتلة".

المصدر | ميسم بيهرافيتش - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد