السبت 24 أكتوبر 2020 05:10 م

كان للتصعيد العسكري الأخير بين أرمينيا وأذربيجان بخصوص إقليم "ناغورني قرة باغ" أصداء في عدد من الدول الأخرى، بما في ذلك تركيا وإيران ودول الخليج.

وتعتبر إيران عالقة بين أرمينيا وأذربيجان، وغير متحالفة رسميا مع أي منها، ويبدو أنها تعمل على "اتفاق سلام". فيما تواجه دول الخليج قرارات كبيرة، حيث توازن السعودية والإمارات خياراتهما، بينما يمكن لقطر أن تنظر في دور الوسيط.

وعلى مدار 26 عاما، اندلعت الاشتباكات بشكل متقطع بين أذربيجان وأرمينيا منذ حصولهما على الاستقلال. لكن قد تكون باكو أكثر تصميما الآن لأنها تشعر أن بإمكانها الاعتماد على دعم تركي أعمق وأشمل،  لتحقيق هدف "أذربيجان الكبرى" من خلال القضاء على الممر الأرمني الذي يفصل بين أذربيجان الحالية وأراضي "ناخيتشيفان".

وتتمتع روسيا بعلاقات جيدة مع كل من أذربيجان وأرمينيا، لكنها تتأرجح لصالح يريفان. ويستضيف الأرمن قاعدة روسية كبيرة في بلدية كيومري، مزودة بصواريخ "إس-300" المضادة للطائرات، وسرب طائرات مقاتلة من طراز ميج-29 في قاعدة إيريبوني الجوية بالقرب من يريفان.

وأجرى الروس والأرمن تدريبات عسكرية مشتركة متكررة، آخرها حدث قبل 3 أيام فقط من اندلاع الحرب، تهدف إلى تحسين الاستعداد التشغيلي للقوات الآلية والدفاعات الجوية. كما هددت أرمينيا باستخدام اثنين من أقوى الأسلحة الروسية في ترسانة أرمينيا، بما في ذلك مقاتلات سوخوي وصواريخ إسكندر التي يبلغ مداها 400 كيلومتر، والتي من شأنها أن تضاهي الصواريخ الأذربيجانية.

واستخدم وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" كل الخيوط الدبلوماسية الممكنة في محاولة لتحقيق وقف إطلاق النار، حتى أنه استدعى سفيري أرمينيا وأذربيجان في 29 سبتمبر/أيلول.

وفي النهاية، تمكنت موسكو من إقناع باكو ويريفان بالاتفاق على وقف إطلاق النار اعتبارا من 10 أكتوبر/تشرين الأول، ولكن لم يتحقق كما كان مخططا له.

موقف إيران

من منظور تاريخي ومذهبي، من المتوقع أن تقف إيران، التي يبلغ عدد سكانها الأذربيجانيون 30 مليونا، إلى جانب باكو ولكن هذا ليس الواقع. فبينما كان الشعب الأذربيجاني شيعيا موحدا تحت الإمبراطورية الفارسية حتى عام 1813، ففي ذلك العام، قسمت معاهدة "جولستان"، التي أنهت الحرب الروسية الفارسية، الشعب الأذري إلى قسمين، مجموعة تحت حكم إيران والأخرى تحت حكم روسيا، التي أصبحت فيما بعد الاتحاد السوفيتي.

وبعد حصول أذربيجان "الروسية" على استقلالها في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، تخشى إيران من مطالب الحكم الذاتي من الأذريين، وتعد تبريز، وهي مركز صناعي مهم، مدينة أذربيجانية.

ومع ذلك، تتمتع إيران بحدود وعلاقات جيدة مع كل من أرمينيا وأذربيجان، وقد حافظت حتى الآن على موقف محايد قدر الإمكان، في إشارة إلى أنها تعمل على خطة سلام تضم المشاركين المباشرين ورعاتهم الإقليميين.

ومع ذلك، فإن حياد إيران يعد موضع نقاش، حيث تتمتع (إسرائيل) بعلاقات وثيقة مع باكو، التي تزودها بالأسلحة، بما في ذلك طائرات هاروب بدون طيار، المعروفة باسم طائرات كاميكازي، فيما تستورد (إسرائيل) ما بين 40-60% من نفطها عبر خط أنابيب "باكو - تبيليسي - جيهان".

ومن المفارقات أن (إسرائيل) وتركيا في نفس الجانب في هذا الملف، حيث يعتبر كلاهما خط الأنابيب هذا حيويا لمصالحهما الوطنية، ويمكن لكليهما الرد عسكريا في حالة تعرضه لأضرار. وفي مثل هذه الحالة، نظرا للشائعات التي تفيد بأن باكو وافقت على السماح لـ(إسرائيل) باستخدام مطاراتها إذا احتاجت للهجوم، فقد ترغب أذربيجان في إظهار أنها تعتبر إيران تهديدا.

لذلك، ليس أمام طهران خيار سوى البقاء محايدة رسميا، وتجنب الاضطرابات الداخلية في منطقتها الشمالية الغربية. والأهم من ذلك، لا يمكن لطهران المخاطرة بإعطاء أعدائها الإقليميين المزيد من الذرائع لعزلها أو مهاجمتها.

خطط الإمارات والسعودية

وتشير علاقات السعودية والإمارات مع إيران إلى وجهات نظرهما واستراتيجياتهما في نزاع ناغورني قره باغ. وفي حين قد ترحب الرياض بالتعقيدات الاستراتيجية التي أوجدها الوضع لخصميها، تركيا وإيران، فإن أبوظبي لديها مصلحة في دعم الموقف الأرمني.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد علاقات دبلوماسية رسمية بين أرمينيا والسعودية، بالرغم أن ذلك قد يتغير نظرا لمصلحتهما المشتركة في عرقلة النفوذ التركي. وبينما تحافظ الرياض على ما يمكن وصفه بأنه خلاف أيديولوجي مع طهران، تفضل الإمارات البراجماتية على الأيديولوجية.

وربما كانت هناك خلافات بين أبوظبي وطهران في سوريا واليمن، لكن كلاهما تعاون فيما يخص مواجهة وباء "كورونا" والتداعيات الاقتصادية المترتبة على الوباء بواقعية. ومن منظور أبوظبي، فإن العدسة الواقعية تجعل هناك فجوة أعمق مع أنقرة والدوحة مما هو عليه الحال مع طهران. لذلك، شرعت أبوظبي في إعادة العلاقات ببطء مع دمشق، لإضعاف القوات المدعومة من تركيا في سوريا وكذلك ليبيا.

وفي الوقت نفسه، تتمتع إيران بعلاقات وثيقة مع قطر، التي تشترك معها في خزان جنوب بارس للغاز، وهو الأكبر في العالم. فيما تحافظ إيران أيضا على علاقات متوازنة مع تركيا، وقد أيدت بهدوء جهودها في ليبيا. ولدى إيران وتركيا مصالح مشتركة في مواجهة الطموحات الكردية.

وفي مثل هذا السياق، قد تأمل أبوظبي في إضعاف الروابط بين طهران وأنقرة والدوحة. وحتى إذا لم تنجح، فستحاول الحفاظ على تفاهم مع إيران. وفي النهاية، ستعتبر الإمارات دعم تركيا لباكو أمرا خطيرا، وستعتبر أن هناك فائدة ما في دعم أرمينيا، ما قد يجعل أبوظبي أقرب إلى روسيا وإيران.

وبالرغم أن السعودية تعارض النفوذ التركي فقد كرر وزير الخارجية السعودي "فيصل الفرحان" مؤخرا موقف بلاده الداعم لوحدة أراضي أذربيجان، مما قد يُفسَر على أن الرياض تتخذ جانب باكو في الصراع.

ورأت أرمينيا والإمارات منذ أكثر من عقد أن لديهما أهدافا مشتركة. ويمكن لأرمينيا، القريبة من إيران، أن تستفيد من وجود صديق قوي وغني في الخليج، لا سيما بلد يتمتع بتحالفات قوية مع الولايات المتحدة و(إسرائيل)، وبينما أقامت يريفان والدوحة روابط مختلفة بما في ذلك ما يتعلق بالسفر، فإن عداء أبوظبي تجاه أنقرة تجعلها حليفا أكثر فائدة.

وبالتأكيد زادت التجارة الثنائية بين أرمينيا والإمارات بشكل كبير في الأعوام القليلة الماضية، ووقع البلدان على عدد من الاتفاقيات. ومن المحتمل أن تركز السياسة الخارجية لأرمينيا، بغض النظر عن نتيجة الصراع الحالي في ناغورني قره باغ، على بناء علاقات أوثق مع قوى الشرق الأوسط، التي لها مصالح في عرقلة طموحات تركيا.

وفي ضوء السياق الحالي للتحالفات والمصالح، قد يكون لقطر دور خاص تلعبه في حل نزاع ناغورني قره باغ.

هل تستطيع قطر لعب دور الوسيط؟

تهتم قطر بإبراز صورتها الدبلوماسية خارج مجلس التعاون الخليجي. وقد تكون الدوحة أقرب حليف لتركيا الآن، حيث أدت الأزمة الخليجية إلى تقارب كبير بين الدوحة وأنقرة.

وعلاوة على ذلك، ففي ضوء توقف عضويتها في "أوبك"، أقامت قطر أيضا علاقات أوثق مع روسيا في الأعوام القليلة الماضية.

وفي عام 2016، استحوذت شركة "جلينكور" لتجارة السلع الأساسية وهيئة الاستثمار القطرية على ما يقرب من 20% من شركة "روسنفت" الروسية لإنتاج النفط والغاز والمملوكة للدولة. ومكّن هذا الاستحواذ الدوحة من إمداد سوق الغاز الطبيعي الأوروبي دون الحاجة إلى الاعتماد على خط أنابيب يصل إلى البحر الأبيض المتوسط يمر عبر سوريا.

وتتمتع قطر، التي لطالما قادت المسار بعيدا عن النفط باتجاه الغاز الطبيعي، بموقع أكثر أمانا من جيرانها الخليجيين.

وفي مواجهة الدور التركي المتنامي في المنطقة، اختارت اليونان وقبرص ومصر و(إسرائيل) أن تتحد في جبهة البحر الأبيض المتوسط، بينما اختارت الإمارات والبحرين مواجهة أنقرة من خلال التقرب من الغرب من خلال اتفاقيات التطبيع مع (إسرائيل).

وفي حين أن قطر ليس لديها نية علنية للانضمام إلى اتفاقات التطبيع، فقد لعبت دورا في التوسط بين (إسرائيل) و"حماس".

وقد ساعد ذلك الدوحة على استعادة رأس مال دبلوماسي كبير، والتحرر من العزلة التي فرضها عليها شركاؤها في مجلس التعاون الخليجي بعد أزمة الخليج عام 2017.

وإذا كان هدف "أردوغان" هو استعادة النفوذ التركي، فلن يكون قادرا على متابعة مثل هذه الاستراتيجية دون الدعم الدبلوماسي والمالي من قطر. لذلك، فإن قطر وحدها هي التي يمكنها ممارسة نفوذها على تركيا لتشجيع باكو على العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ضغط فرضته موسكو بالفعل على يريفان.

ونظرا لعلاقات قطر الجيدة مع روسيا وحتى إيران، يمكن أن تساعد الدوحة في صياغة اتفاق لوقف إطلاق النار أو حتى سلام طويل الأمد، ما يضمن توقف روسيا وإيران عن دعم أرمينيا.

وتجاهلت الولايات المتحدة في الغالب هذا الصراع، الذي يؤكد فقط على الحاجة لمزيد من المبادرات الدبلوماسية المحلية أو الإقليمية.

المصدر | أليساندرو برونو/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد