الاثنين 26 أكتوبر 2020 10:21 ص

يبشر أداء الاقتصاد الكلي لمصر وسط جائحة "كوفيد-19" واستمرار جذب المستثمرين الأجانب بالاستقرار المالي في القاهرة على المدى القريب. لكن ذلك لا يقدم حلا لمستويات الفقر المرتفعة في البلاد، والتي ستصبح في النهاية عبئا سياسيا عن طريق تأجيج المشاعر المناهضة للحكومة.

وفي خطاب ألقاه يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول، قال وزير المالية المصري إن النمو الاقتصادي تجاوز حتى التوقعات السابقة لوزارة المالية لعام 2020. ويعكس ذلك التعديلات الإيجابية الأخيرة للتوقعات الاقتصادية لمصر من قبل وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني و"دويتشه بنك" وصندوق النقد الدولي؛ حيث تشهد مصر الآن نموا اقتصاديا بنسبة 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في هذا العام، متجاوزا أداء معظم أقرانها الإقليميين.

ووفقا للبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، تعد مصر الآن الاقتصاد الوحيد الذي يتلقى الأموال من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والذي من المتوقع أن يتجنب الركود في عام 2020.

واستفاد الاقتصاد المصري من سياسة تحرير سعر الصرف منذ أن قامت الحكومة بتعويم عملتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، ما ساعد على زيادة جاذبية الاستثمار وتحسين التدفقات الرأسمالية التي انخفضت بعد الربيع العربي 2011.

وسوف يمكّن الاهتمام المتواصل من قبل المستثمرين القاهرة من الاستمرار في طرح السندات العائمة والحصول على قروض لتمويل ميزانيتها، بالرغم أن هذا سيزيد من احتياجات التمويل الخارجي والدين العام لمصر.

وتعد مصر حاليا واحدة من أقوى الدول في الأداء المالي في الشرق الأوسط، ما عزز جاذبيتها الاستثمارية حتى وسط الضغوط الاقتصادية بسبب الوباء. ومن المتوقع أن يصل إجمالي احتياجات التمويل في مصر لخدمة ديونها الخارجية إلى 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر الـ12 المقبلة.

وطرحت مصر أول سند إقليمي سيادي أخضر على الإطلاق في أواخر سبتمبر/أيلول، حيث جمعت 750 مليون دولار لمشروعات مكافحة التلوث والطاقة المتجددة. وبلغت عائدات السندات 5.25%، بينما تجاوز الاكتتاب في سندات الـ5 أعوام ما يقرب من 5 أضعاف، ما يشير إلى زيادة اهتمام المستثمرين بهذا النوع من التمويل، وفي مصر بشكل عام.

وفي مايو/أيار، باعت مصر سندات دولية بقيمة 5 مليارات دولار، مسجلة بذلك أكبر إصدار لها على الإطلاق. ووفقا لوحدة المعلومات الاقتصادية، جمعت القاهرة أيضا 20 مليار دولار من المؤسسات الدولية وأسواق الائتمان منذ بدء جائحة "كوفيد-19".

ومع ذلك، فإن أمان الخزائن الحكومية لا يُترجم إلى تحسين مستوى المعيشة لجميع المصريين، الذين يستمرون في المعاناة وسط ارتفاع مستويات البطالة وانخفاض النشاط القياسي في قطاع السياحة الحيوي في البلاد بسبب "كوفيد-19".

ويتناقض النجاح الاقتصادي المعلن للقاهرة بشكل حاد مع حقيقة أن 32.5% من المصريين يعيشون الآن تحت مستوى الفقر، ما يهدد استقرار البلاد على المدى الطويل. كما يتعرض الوضع الاقتصادي الخارجي لمصر لضغوط متزايدة، خاصة إذا انخفضت تحويلات العاملين في الخارج في المدى القريب.

وبالرغم من النمو الإجمالي للاقتصاد، من المتوقع أن ينخفض ​​النشاط في قطاع السياحة في مصر بنسبة 70% خلال العام بسبب استمرار جائحة فيروس كورونا (يوظف القطاع 12% من المصريين ويمثل مصدر 19% من العملة الصعبة في مصر). ووفقا لوكالة الإحصاء الرسمية المصرية، ارتفع معدل البطالة في البلاد من 7.7% إلى 9.6% خلال الأشهر الـ6 الماضية.

وقد يأتي سعي القاهرة المستمر للإصلاحات الاقتصادية الملائمة للأعمال التجارية بدلا من التدابير التي تعالج مستويات الفقر المتزايدة بنتائج عكسية من خلال زيادة مخاطر الاضطرابات الاجتماعية التي تعيق الاستثمار الأجنبي في نهاية المطاف.

ويجذب التزام مصر الثابت بالإصلاحات الاقتصادية الهيكلية (بما في ذلك خفض الدعم المكلف وزيادة الضرائب والرسوم) المستثمرين والمؤسسات الأجنبية، ويتيح نموا اقتصاديا مستقرا. لكنه يزيد أيضا من مشاعر الهشاشة الاجتماعية بين المصريين.

وفي الواقع، أدت بعض السياسات نفسها التي ضمنت استقرار الاقتصاد الكلي في مصر وجاذبية المستثمرين إلى زيادة معدلات الفقر وعرّضت بعض البرامج الاجتماعية للخطر، ما أدى إلى مزيد من الاستياء العام.

ووجد آخر تحديث للحكومة المصرية بشأن معدلات الفقر على مستوى البلاد، الذي صدر في عام 2019، أن سياسات الإصلاح الاقتصادي التي تم تنفيذها بين عامي 2016 و2018 أدت إلى زيادة معدلات الفقر في جميع أنحاء البلاد بنسبة 5% تقريبا.

وخلال الصيف، تحركت القاهرة لزيادة تكاليف المرافق والنقل العام. وفي حين أن هذا ساعد في توفير المزيد من الإيرادات للحكومة، إلا أن زيادة تكلفة المعيشة في خضم جائحة "كوفيد-19" كانت سببا في انتقادات واسعة من المصريين.

واندلعت مظاهرات نادرة مناهضة للحكومة في جميع أنحاء البلاد خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر سبتمبر/أيلول. وكانت المظالم الاقتصادية هي الدافع وراء العديد من الاحتجاجات.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد