الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 11:06 ص

قبل الحصول على استقلاله عام 1956، كان للسودان، الخاضع آنذاك للحكم البريطاني، علاقات جيدة مع الجالية اليهودية في فلسطين الانتدابية وبعد ذلك مع دولة إسرائيل الناشئة.

ولم تشارك الخرطوم في حرب عام 1948، وفي أوائل الخمسينات من القرن الماضي، حافظت شخصيات بارزة في قيادتها على اتصالات مع المسؤولين الإسرائيليين.

وبعد الاستقلال، مع تأثر السودان بسياسة القومية العربية للرئيس المصري الراحل "جمال عبدالناصر"، وجهت إسرائيل أنظارها إلى جنوب السودان، الذي يغلب عليه المسيحيون، والذي أدى سعيه إلى الحكم الذاتي إلى اندلاع حرب أهلية دموية حتى في ظل الحكم البريطاني.

وكانت بداية العلاقات العملية بين إسرائيل والجنوب في عام 1968، عندما وافقت رئيسة الوزراء "جولدا مائير" على إرسال عملاء الموساد إلى المنطقة في محاولة لإضعاف دعم السودان لسياسة "عبدالناصر" القومية، وهو ما تجلى في جملة أمور في قمة الخرطوم في سبتمبر/أيلول 1967، التي أعلنت عن "اللاءات الثلاثة": "لا سلام مع إسرائيل.. لا اعتراف بإسرائيل.. ولا مفاوضات مع إسرائيل".

وقالت "مائير" في اجتماعها مع زعيم المتمردين "جوزيف لاجو": "إذا كانت لديك فرصة للتوصل إلى تسوية سلمية مع الشمال، فلن نقف في طريقك".

ومن المؤكد أن صعود "جعفر النميري" إلى السلطة في انقلاب عسكري عام 1969 قد أطلق عملية مصالحة توجت بعد 3 أعوام بمعاهدة سلام حافظت على وحدة أراضي السودان مع الإذعان لمطلب الجنوب بالحكم الذاتي الإقليمي.

وبسبب الصعوبات السياسية والاقتصادية المتزايدة، اضطر "النميري" لتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع أنحاء السودان، بما في ذلك الجزء الجنوبي منه.

وقد أدى هذا بدوره إلى استئناف الحرب بين الشمال والجنوب في عام 1983، وحصل جنوب السودان في النهاية على استقلاله في يوليو/تموز 2011، وبعد ذلك بوقت قصير وقع اتفاق سلام مع إسرائيل.

ومن المثير للاهتمام، أنه بالرغم من الصعوبات السياسية التي يواجهها، فقد أيد "النميري" سياسة السلام التي انتهجها "أنور السادات"، بل ساعد سرا في نقل اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل عبر السودان في أوائل الثمانينات.

ومع ذلك، أدى صعود "عمر البشير" إلى السلطة في انقلاب عسكري عام 1989 إلى تكثيف أسلمة النظام بشكل كبير تحت تأثير "حسن الترابي"، الذي كان قد دفع "النميري" أيضا إلى تطبيق الشريعة، حيث "أصبحت الخرطوم محورا مركزيا لـ(الإرهاب الإسلامي)".

وفي الفترة 1991-1993، قدم السودان الرعاية وقاعدة عمليات لـ "أسامة بن لادن" والعديد من (إرهابيي) القاعدة الذين أُجبروا على الفرار من السعودية.

وأصبح السودان حليفا وثيقا للنظام الإيراني ومصدرا مهما للإمدادات لـ"حماس"، و"حزب الله" ومنظمات أخرى في الصومال واليمن.

ووفقا لمصادر أجنبية، اعترضت إسرائيل مرارا عمليات تسليم الأسلحة لـ(الجماعات الإرهابية)، بما في ذلك تدمير قافلة شاحنات تحمل صواريخ إيرانية لـ"حماس" في يناير/كانون الثاني 2009، وهجوم على سفينة أسلحة إيرانية في بورتسودان.

وبعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي مذكرة توقيف في يوليو/تموز 2008 ضد "البشير" بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ثم اتهامه لاحقا بالإبادة الجماعية في دارفور، حيث قُتل ما بين 350 ألفا و500 ألف رجل وامرأة في الفترة من عام 2003 إلى 2005، قال مستشار "البشير" لسفير الولايات المتحدة في الخرطوم: "إذا سارت الأمور على ما يرام مع الولايات المتحدة، فربما يمكنك مساعدتنا مع إسرائيل، أقرب حليف لكم".

وكانت هذه هي المرة الأولى التي أثيرت فيها إقامة علاقات بين إسرائيل والسودان كاحتمال واضح، بالرغم من أن ذلك لم يوقف دعم النظام لـ"محور الإرهاب"، وبالتالي تحويل السودان إلى ساحة حرب سرية بين إسرائيل وإيران.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2012، على سبيل المثال، هاجمت طائرات مقاتلة إسرائيلية مصنع أسلحة بالقرب من الخرطوم تابع للحرس الثوري الإيراني، وهو مصنع أنتج صواريخ شهاب بعيدة المدى وأسلحة أخرى ليتم تهريبها إلى غزة ولبنان.

ومع انضمام السودان لاحقا إلى التحالف الذي تقوده السعودية من الدول العربية السنية، تجددت التلميحات بشأن إمكانية إقامة علاقات مع إسرائيل.

وفي يناير/كانون الثاني 2016، نُقل عن وزير الخارجية السوداني "إبراهيم غندور" قوله: "يمكن دراسة موضوع تطبيع العلاقات مع إسرائيل" مقابل رفع العقوبات الأمريكية عن الخرطوم.

وردا على العاصفة الإعلامية التي أحدثتها هذه التصريحات، أوضح "البشير" أنه "نصح بتنظيم العلاقات مع إسرائيل" من أجل تخفيف المأزق الاقتصادي للسودان.

ودعم هذه التلميحات، التي ربما كانت تهدف إلى الإشارة إلى الغرب بجدية نية السودان للتخلي عن "محور الشر"، شخصيات معارضة اعتقدت أنه "لا يوجد مبرر للسودان لإظهار العداء لإسرائيل ودفع الثمن السياسي والاقتصادي لذلك".

ووافق رجل الدين المعارض "يوسف الكودة"، على سبيل المثال، قائلا إن الشريعة الإسلامية تسمح بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأن على السودان أن يفعل ذلك، بينما قال وزير الاستثمار الخارجي وزعيم حزب الأمة "مبارك الفاضل المهدي"، في أغسطس/آب 2017: "لا توجد مشكلة في التطبيع مع إسرائيل".

وكان "المهدي" من أقارب زعيم حزب الأمة "الصادق المهدي"، الذي كان أول زعيم سوداني يلتقي بالإسرائيليين في الخمسينات.

وبعد انقلاب عام 2019 الذي أطاح بـ"البشير"، تم تشكيل حكومة مؤقتة لحكم البلاد في الفترة التي تسبق انتخابات 2022 كحل وسط غير سهل بين إرادة الشعب لرؤية نهاية الحكم العسكري ورغبة الجيش في التمسك بالسلطة.

ويعد الرئيس "عبدالفتاح برهان" ونائبه "محمد حمدان دقلو"، وكلاهما جنرال في الجيش، من بقايا النظام القديم، في حين يفترض أن يمثل رئيس الوزراء "عبدالله حمدوك" ورئيس المحكمة العليا "نعمات عبدالله محمد خير" إرادة الشعب كممثلين مدنيين كبار لتعزيز الإصلاح والتغيير.

وتعاني الحكومة المؤقتة من خلافات داخلية حول مجموعة متنوعة من القضايا ومن المحاولات المستمرة من قبل الجيش لتولي زمام الأمور، لكنها كانت السبيل الوحيد للخروج من المأزق بعد الانقلاب.

وعلى هذا النحو، فقد حظيت بمباركة الحكومات المصرية والسعودية والإثيوبية والإماراتية وكذلك إدارة الولايات المتحدة ومعظم دول أوروبا.

وأدت الخلافات الداخلية داخل الحكومة المؤقتة إلى توجهات مختلفة للتطبيع مع (إسرائيل)، وبينما دفع "برهان" و"دقلو" في هذا الاتجاه من أجل تحسين مكانة السودان الدولية وإزالته من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، عارض "حمدوك" الخطوة بشكل أساسي خوفا من استعداء الرأي العام.

وكان لقاء "عنتيبي" في فبراير/شباط 2020 بين رئيس الوزراء "نتنياهو" و"برهان"، بدعوة من الرئيس الأوغندي وبتنسيق من وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو"، بمثابة اختراق مهم في تطبيع العلاقات السودانية الإسرائيلية، ورافقه العديد من المنشورات من مصادر سودانية حول التطبيع الوشيك.

وبالفعل أصدرت الولايات المتحدة وإسرائيل والسودان، في 23 أكتوبر/تشرين الأول، بيانا مشتركا حول تطبيع العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب.

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل والإمارات والبحرين، وتساعد على ترسيخ المحور الإقليمي الناشئ الذي يصور إسرائيل كحليف مهم وليس عدوا مذموما.

وسوف يوضح الوقت وحده إلى أي مدى ستساعد هذه الخطوة الحكومة السودانية المؤقتة في التغلب على خلافاتها الداخلية والوصول إلى انتخابات 2022 بسلام.

المصدر | هاييم كورين | معهد بيجن-السادات الإسرائيلي للداراسات الاستراتيجية - ترجمة وتحرير الخليج الجديد