الخميس 5 نوفمبر 2020 05:49 ص

بعد تطبيع الإمارات العلاقات مع إسرائيل في سبتمبر/أيلول الماضي، شرع وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" في جولة في الشرق الأوسط من أجل إقناع الدول العربية الأخرى، لاسيما عُمان والسودان، بأن تحذو حذوها.

ومنذ ذلك الحين، تمارس الولايات المتحدة ضغوطا متزايدة، ونجحت في إجبار الخرطوم على التطبيع مقابل إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، الأمر الذي كان بمثابة حاجز وعائق أمام الاستثمار الأجنبي المباشر هناك بالرغم من الرفع الرسمي للعقوبات في عهد "أوباما".

ومع ذلك، لم تكن واشنطن وحدها هي التي تمارس الضغط، وكجزء من توطيد الإمارات الأوسع لشراكتها الجديدة مع إسرائيل، وكجزء من تأكيد نفسها كقوة إقليمية متنامية، بدأت أبوظبي في استخدام علاقتها الجديدة ضد جيرانها.

وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، نشرت صحيفة "عرب نيوز" الإماراتية مقالا بعنوان "أزمة الديون وتأثيرات كورونا تهدد حياد عُمان"، وفي ظل القيود المفروضة على وسائل الإعلام في الإمارات، من الصعب تخيل نشر مثل هذا المقال، الذي قد يؤثر على العلاقات الثنائية، دون ضوء أخضر من القيادة الإماراتية.

وبالرغم من وجود توترات خاصة بين الدولتين حول عدد من القضايا على مر السنين، لا سيما الكشف في عام 2011 عن شبكة تجسس إماراتية في عُمان تستهدف حكومتها وجيشها وعلاقاتها مع إيران، فقد كانت هناك رغبة متبادلة تقليديا في الإبقاء على هذه الاختلافات خلف الأبواب المغلقة.

وكشف المقال الكثير عن مواقف الإمارات تجاه عمان ونهجها تجاه حصار قطر والتطبيع مع (إسرائيل) وإيران واليمن.

تقديم التطبيع كحل لمشاكل عمان الاقتصادية

وبالرغم من أن العديد من المحللين أشاروا إلى أن الاقتصاد العماني يتعرض لضربة بسبب تأثير جائحة فيروس "كورونا"، وانخفاض أسعار النفط، لكن من كان منهم داخل عمان كانوا حذرين في لغتهم، وبينما يعترفون بالانكماش الاقتصادي الحاد، فإن القليل منهم يصفه بأنه "أزمة".

ولم تقدم عُمان نفسها طلبا رسميا للحصول على مساعدة مالية من جيرانها، بالرغم من أنها ناقشت مبدئيا مبادرات خليجية أوسع للتعويض عن تأثير انخفاض أسعار النفط، واعتمدت سلسلة من الإجراءات الاقتصادية لاحتواء تأثير الفيروس وتخفيف أثره على الشركات العُمانية.

ولا تزال الإدارة في مسقط تعتقد أن مشاريعها شبه المكتملة، والتي تشمل ميناء الدقم، الذي يقع في موقع جيوستراتيجي، ومطار جديد على أحدث طراز، ستسهل التعافي السريع بمجرد السيطرة على الفيروس.

وهنا فإن افتراض حدوث أزمة اقتصادية في هذه الحالة يأتي من منظور إماراتي وليس عماني في الوقت الحالي.

وعلى أساس هذا الافتراض، يقول مقال "عرب نيوز" إن مسقط قد تجد فرصة في إنقاذ اقتصادها من خلال تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وفي حين لم يتم سرد الكثير من التفاصيل حول كيف يمكن للتطبيع أن يوفر الرخاء الاقتصادي لعمان، فإن الافتراض هو أن واشنطن ستقدم "مكافأة" مالية.

ومع ذلك، نظرا لأن الولايات المتحدة نفسها ممزقة بأزمة اقتصادية خاصة بها، وبالنظر إلى أن الإمارات نفسها تكافح لاحتواء التأثير الاقتصادي لفيروس "كورونا"، فمن الصعب فهم الاقتراح بأن التطبيع قد يوفر الإغاثة الاقتصادية.

علاوة على ذلك، تمتلك عُمان بالفعل علاقة اقتصادية فريدة مع الولايات المتحدة، وترتيب ثنائي مع إسرائيل من المقرر أن يتوسع بغض النظر عن التطبيع.

ويُشار إلى أن المقال يقترح التطبيع كحل، ويعكس هذا دفعة أوسع من جانب الإمارات للضغط على دول الجوار لتحذو حذوها ويعرض فكرة دمج الاقتصاد الإسرائيلي باعتباره اقتصادا يخدم المنطقة الأوسع.

وفي حين أن هذا لا أساس له في الواقع، فقد سعت الإمارات إلى تقديم أولئك الذين يقاومون التطبيع كدول تصر على الحفاظ على عدم الاستقرار في المنطقة.

بعبارة أخرى، تأتي الإشارة إلى التطبيع كحل كجزء من استراتيجية أبوظبي الأوسع، التي لا تستهدف الجماهير في المنطقة ولكن واشنطن وأوروبا، حيث تقدم الإمارات على أنها الدولة "المعقولة والتقدمية" في المنطقة التي لم تعد تعاني من "الأحكام المسبقة القديمة".

وفي الوقت الحالي، أوضحت عُمان أنها لن تنضم إلى الإمارات في تطبيع العلاقات رسميا.

التحذير من المساعدات المالية من قطر

ويلمح المقال إلى احتمالية أنه إذا طلبت عُمان مساعدة مالية من قطر، فإن أبوظبي ستعتبر مسقط حليفا للدوحة وبالتالي خصما لـ"الرباعية"، وهي مجموعة الدول التي تقف وراء حصار قطر، وهي الإمارات والسعودية والبحرين ومصر، ويعني هذا أن عُمان لم تعد تُعتبر طرفا محايدا.

ولطالما تم اتهام الإمارات بأنها صاحبة دور الحفاظ على حصار قطر وسط شائعات بأن الرياض سعت، في بعض الأحيان، إلى التفكير في المصالحة لترويض هجوم العلاقات العامة الذي أوقف الاستثمار في السعودية.

وبينما تواصل السعودية جذب اهتمام كبير، غير متأثرة بشكل عام بالجدل حول مقتل "جمال خاشقجي" والسياسة الخارجية السعودية، لا يزال المستثمرون يبتعدون مخاطر السمعة، وينتظرون الوقت الذي لا تعود فيه الخلافات تهيمن على عناوين الأخبار.

وإذا أظهر أعضاء اللجنة الرباعية ترددا، فقد استمرت الإمارات في إظهار التزامها الثابت بسحق مشاعر الإسلام السياسي في المنطقة وراعيتها الرئيسية قطر.

ولا يشير مقال "عرب نيوز" فقط إلى موقف أبوظبي من هذا، ولكنه يشير أيضا إلى موقف الرياض، ولا تتسم السعودية بنفس الصراحة في القضايا المتعلقة بجيرانها بغض النظر عن الاختلافات التي قد توجد.

ويوحي موقف الرياض بترك الإمارات تتحدث نيابة عنها بأن هذه هي وجهة نظر الرياض حقا، أو أن أبوظبي متأكدة من النفوذ التي تملكه على السياسة الخارجية السعودية.

ومنذ نشر مقال "عرب نيوز"، قدمت قطر مليار دولار أمريكي كمساعدة مالية إلى مسقط، وتجد أبوظبي نفسها الآن في وضع حرج، فإما أنها تنفذ تهديدها بأن تعتبر عُمان الآن خصما، أو أن تقدم مساعداتها المالية في محاولة لمنع مسقط من الاعتماد بشكل أكبر على الدوحة.

وبالنظر إلى حرص قطر على اغتنام كل فرصة لتعزيز علاقاتها وسط حصار دائم من قبل الرباعية، فإن قدرة الإمارات على الضغط على مسقط محدودة، ومن المرجح أنها ستفضل الحفاظ على الروابط قائمة وتقديم المساعدة المالية فقط للحفاظ على حياد عمان.

عامل إيران

ويشير المقال نفسه إلى أنه في حين أن الإمارات والسعودية لديهما مشكلات اقتصادية خاصة بهما، وقد غيرتا سياستهما في تقديم المساعدة المالية، فإن أي طلب محتمل من عُمان سيكون معقدا بسبب سياساتهما تجاه إيران واليمن.

وكانت عُمان الوسيط الرئيسي بين واشنطن وإيران والأطراف المتنازعة الأخرى في المنطقة، وبعد وفاة السلطان "قابوس" في وقت سابق من هذا العام، تم إرسال التعازي من "حزب الله"، و"حماس"، والسلطة الفلسطينية، و"نتنياهو"، والحوثيين، والدوحة، والإمارات، وغيرها من الجهات والدول، ما يكشف عن مدى اعتبار عُمان طرفا محايدا حقا في المنطقة، ومع ذلك، يشير المقال إلى تصور في أبوظبي بأن عمان قريبة للغاية من طهران.

وفي الواقع، كانت الإمارات نفسها تمارس دور الوسيط مع إيران، وعندما أجرى وزيرا خارجية الإمارات وإيران محادثة هاتفية في أغسطس/آب من هذا العام، قال محللون إماراتيون إن أبوظبي كانت مجهزة لتصبح الوسيط الرئيسي في أي محادثات محتملة بشأن اتفاق نووي جديد بين طهران وواشنطن.

وتبقى العقبة التي تحول دون حصول الإمارات على مثل هذا الموقع هي أن عُمان وسيط موثوق به وله سجل حافل ويُنظر إليه بشكل إيجابي من قبل كل من واشنطن وطهران.

والوسيط الثاني المحتمل هو قطر، التي حسنت، نتيجة الحصار، علاقاتها مع إيران في الآونة الأخيرة، وهي بالفعل قناة الاتصالات بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وكذلك تستضيف قطر محادثات السلام الأفغانية.

وبالتالي، فإن الخلاف الإماراتي حول علاقة عمان بإيران ليس له علاقة تذكر بالجوهر الفعلي للعلاقة، وبدلا من ذلك، فإن كل ما تفعله أبوظبي هو أنه بالرغم من كل استثماراتها في العلاقات مع واشنطن ومناوراتها في المنطقة، تواصل عُمان الحفاظ على مستوى من الاستقلال قادر على إعاقة القوة الإقليمية الجديدة للإمارات، بل يمكنها أن تفلت أيضا من نفوذ الإمارات في واشنطن.

ما حدث في اليمن

وجدير بالملاحظة تحدث المقال بشكل خاص حول استياء الإمارات من دور عمان في اليمن، واستضافت عُمان محادثات حول تبادل الأسرى بين الفصائل المتحاربة والقوى الإقليمية، وهي الدولة الإقليمية الوحيدة التي يمكنها التواصل بفعالية مع جميع الأطراف في اليمن، بما في ذلك الحوثيون.

ومع ذلك، توقع المحللون أنه في حين أن عمان لا تزال محايدة، فإنها غير مرتاحة بشكل خاص بشأن ترسيخ الإمارات وجودها البحري في جنوب اليمن ودعمها للانفصاليين الجنوبيين.

ولا يكمن القلق في نوايا الفصائل اليمنية، ولكن في طموحات أبوظبي الأوسع نطاقا، حيث أصبحت أكثر حزما في الادعاء بأن محافظة "مسندم" الشمالية يجب أن تكون أراضي إماراتية وليس عمانية.

وكان هناك الكثير من التكهنات بأن علاقة عمان الفريدة مع إيران سهلت ترسيخ وضع الحوثيين، ومع ذلك، في حين قد تشير الإمارات إلى أن مسقط تلعب دورا مشكوكا فيه، فإن الصورة الأكبر تشير إلى أن هذا لا يؤثر على أبوظبي.

ولا تهتم الإمارات باستعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا بقدر ما هي حريصة على دفع الانفصاليين الجنوبيين ونصب نفوذها الخاص على مضيق باب المندب وجزيرة سقطرى، ويسهل التهديد الحوثي المستمر التوسع الإماراتي المستمر.

ويتلخص جوهر استياء الإمارات من دور عُمان في اليمن هو أنها لا تزال قوة دائمة معترف بها من قبل الأطراف اليمنية على أنها حيادية بشكل حقيقي، وبين العديد من الفصائل، تبقى هي الوسيط المفضل، وتحترم مسقط تأكيد الرياض بأنها تشرف على العملية السياسية وتؤوي الحكومة المعترف بها دوليا.

ومع ذلك، من المحتمل أن تسهل عمان المفاوضات المطلوبة مع طهران والحوثيين، بما يضمن أهميتها بالرغم من إحباطات أبوظبي.

النفوذ المتزايد للإمارات

وبغض النظر عما إذا كان مقال "عرب نيوز" يعكس حقا موقف صانعي السياسة الإماراتيين، فإن الحقيقة هي أنه مع تسارع وتيرة التطبيع، تحرص أبوظبي بشكل متزايد على ممارسة علاقتها الجديدة مع إسرائيل لتضخيم مكانتها ونفوذها في المنطقة وتأكيد نفسها أمام الجيران بدعم أمريكي.

ويبقى السؤال هو إلى أي مدى تعتقد الإمارات حقا أن واشنطن وتل أبيب ستقبلان رؤية أبوظبي للمنطقة؟

ولا تزال تل أبيب تعتقد أنها بحاجة إلى قطر للاتصال بالفصائل الفلسطينية، ولا تزال واشنطن تعتمد على عُمان للتواصل مع إيران وإدارة طرق الشحن المتقلبة والأمن على مضيق هرمز، لذا فإن الإمارات غير مجهزة لتحل محل أي منهما في هذه القضايا ذات الأهمية القصوى لواشنطن.

علاوة على ذلك، تم تسهيل صعود الإمارات من خلال عملها في ظل السعودية، ومع نمو قوتها ونفوذها وبدء العمل وحدها في العراء، ستحتاج الإمارات إلى التعامل مع مجموعة مختلفة تماما من الديناميكيات.

وقد تجد أن الرياض والقاهرة لا تتقبلان صعودها اللطيف "للقيادة"، وأن الرأي العام عموما لا يتماشى مع الأنظمة الاستبدادية التي تنشر مواردها لفرض أنظمة استبدادية في أماكن أخرى، سواء كان ذلك في ليبيا أو سوريا أو اليمن.

وتبقى عُمان في الوقت الحالي بمعزل عن ضغوط الإمارات، وبالنسبة للسياسة الخارجية للإمارات في اليمن، لا يُظهر الصراع أي بوادر للتراجع ولا يزال الجنوبيون الذين تراهن أبوظبي عليهم منقسمين بشدة بشأن دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي.

ولدى مسقط بدائل لجيرانها إذا احتاجت إلى مساعدة مالية، وواشنطن حريصة على استكشاف تدابير لتخفيف الضغط الاقتصادي على عمان.

وأخيرا، يبدو أن السلطان "هيثم" عازم على الحفاظ على سياسة الحياد لسلفه الراحل السلطان "قابوس"، ولا ترغب مسقط في الانغماس في فوضى إقليمية لا تنتهي، وتستمر في الاستفادة من حيادها بشكل فعال لتبقى ذات صلة ومستقلة بما يكفي بحيث لا تحتاج إلى الانصياع لمطالب أي تأثير خارجي.

المصدر | سامي حمدي | إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد