الأربعاء 28 أكتوبر 2020 12:15 م

منذ 13 أغسطس/آب، انتشرت التكهنات بأن سلطنة عمان ستتبع قريبا الإمارات لتضفي الطابع الرسمي على العلاقات مع إسرائيل بشكل كامل. ومع ذلك رفضت مسقط، على الأقل حتى الآن، الانضمام إلى الإمارات والبحرين، ومؤخرا السودان، في مسار التطبيع.

ويبدو أن عُمان تحافظ على موقف متوازن من الاتجاه العربي العام نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولم يكن رد فعل مسقط الإيجابي تجاه اتفاقيات التطبيع تغييرا كبيرا في الاستراتيجية، بل هو امتداد لموقف عمان الطويل الأمد من التطبيع.

وكانت عُمان واحدة من 3 دول أعضاء في جامعة الدول العربية رفضت اتخاذ إجراءات دبلوماسية ضد مصر في أعقاب معاهدة "كامب ديفيد" للسلام عام 1979، وعلى عكس دول الخليج العربية الأخرى، فقد احترمت عُمان دائما حق مصر في إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الكاملة مع إسرائيل.

الموازنة العُمانية

ويعمل الدبلوماسيون العمانيون باستمرار لمساعدة الجهات الفاعلة في جميع أنحاء الشرق الأوسط على إيجاد حلول سلمية للأزمات الإقليمية، وباعتبارها "جزيرة الحياد في منطقة مضطربة" فقد أصبحت السلطنة جسرا دبلوماسيا موثوقا به بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والولايات المتحدة وإيران، والدول العربية وإيران.

ومن أجل الاستمرار في لعب هذا الدور، تحاول عُمان أن تحقق توازنا دقيقا، ويمكن أن يؤدي توقيع اتفاق مع إسرائيل إلى تدمير هذا التوازن بطرق مختلفة، حيث قد يعني ذلك حرق الجسور مع بعض الفصائل الفلسطينية.

وبينما تواجه عُمان العديد من التحديات الإقليمية والمحلية، من المرجح أن تنتظر مسقط لفترة أطول قبل إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات مع إسرائيل، ويعد العامل الإيراني مفتاحا رئيسيا فقد كانت عُمان الدولة الأكثر حساسية لمصالح إيران الأمنية داخل مجلس التعاون الخليجي.

وبصفتها العضو الوحيد في مجلس التعاون الخليجي الذي كان محايدا في الحرب الإيرانية العراقية في الفترة بين 1980 إلى 1988، والدولة الخليجية العربية الوحيدة التي تشارك في مناورات عسكرية مشتركة مع إيران، فقد قامت عُمان بموازنة موقفها جيوسياسيا بين طهران والرياض.

وعلى مدى أعوام عديدة، قامت العلاقات العمانية الإيرانية على أساس الاحترام والثقة المتبادلين، ويحرص سلطان عمان الجديد "هيثم بن طارق آل سعيد"، على الحفاظ على علاقة عمان مع إيران، والتي قد تتضرر من اتفاق دبلوماسي بين عُمان وإسرائيل.

وتدرك مسقط أن طهران تنظر إلى اتفاقيات التطبيع على أنها تهديد للأمن القومي الإيراني، ولن يؤدي الاتفاق العماني الإسرائيلي إلا إلى تعميق مثل هذه المخاوف الإيرانية، ولا تسعى عُمان إلى زيادة شعور نظام الجمهورية الإسلامية بالتهديد.

وتشعر طهران بالقلق بالفعل من العلاقة غير الرسمية بين عُمان وإسرائيل منذ عقود، ويتجلى ذلك في حالة نادرة من الانتقاد العلني لعُمان من قبل الحكومة الإيرانية بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" إلى مسقط في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

نهج مسقط الصبور

ويعالج المسؤولون العمانيون معضلات السياسة الخارجية من خلال التفكير طويل المدى، وتتجنب مسقط التحركات المفاجئة والمندفعة الهادفة إلى جذب الانتباه والضجة المؤقتة، وبدلا من ذلك، تركز عُمان على العمل بثبات نحو سلام دائم، وهي عملية غالبا تكون مؤلمة وتتطلب الصبر وأعوام عديدة من الدبلوماسية الهادئة.

وكانت خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 مثالا بارزا للدبلوماسية العمانية الناجحة عبر القنوات الخلفية؛ حيث سهلت مسقط المحادثات الأمريكية الإيرانية الأولية في 2012-2013.

ومن وجهة نظر عُمان، فإن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، حتى لو كان ذلك مرغوبا فيه بدوافع تجارية وسياحية واستثمارية، فإنه لا يزال سابقا لأوانه، ويتلخص موقف مسقط في أن الاتفاق مع إسرائيل يتطلب موافقة تل أبيب على مبادرة السلام العربية.

ومن المرجح أن توقيت تطبيع العلاقات بين الإمارات والبحرين مع تل أبيب مرتبط بالانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، ومع تحقيق "دونالد ترامب" انتصارات دبلوماسية قليلة نسبيا في الشرق الأوسط خلال فترة توليه منصبه، منحته قرارات أبوظبي والمنامة انتصارا في السياسة الخارجية أشاد به المشرعون من كلا الحزبين، وهو أمر نادر الحدوث بالنسبة لـ"ترامب".

ومع ذلك، وكما أن عُمان حساسة بشأن تدخل الدول الأجنبية في شؤونها الداخلية، تبذل مسقط قصارى جهدها لتجنب الوقوف مع أي جانب في السياسة الداخلية للولايات المتحدة.

ويخدم هذا الحياد مصالح عُمان في القدرة على العمل بشكل وثيق مع أي إدارة، بغض النظر عن الحزب الفائز. ويعني هذا أن قرار السلطنة بشأن إسرائيل لن يكون موجها للتأثير على أي نتيجة انتخابات أمريكية.

السياسة الخارجية للسلطنة بعد قابوس

ومن خلال تأجيل إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، يحافظ السلطان "هيثم" على استمرارية السياسة الخارجية العُمانية، وبالرغم من أن هذا العام شهد تغييرات كبيرة في الحوكمة، مع وفاة السلطان "قابوس" وتنحية "يوسف بن علوي" من منصبه الذي استمر لأكثر من 30 عاما كوزير مسؤول عن الشؤون الخارجية، فإن أساسيات نهج مسقط في السياسة الخارجية لا تزال راسخة.

وكان وزير الخارجية الجديد، "بدر بن حمد البوسعيدي"، نائب "بن علوي" منذ فترة طويلة، وهو ضليع في الموازنة الدقيقة التي استمرت لعقود، وهي السمة المميزة لسياسة عمان الخارجية، وخدم كل من "بدر" و"يوسف بن علوي" في وزارة الخارجية العمانية برفقة السلطان "هيثم"، الذي كان أمينها العام بين عامي 1994 و2002.

وفي محاضرة ألقاها عام 2003 لمركز فكري في بروكسل، لخص "بدر" النهج الدبلوماسي لسلطنة عمان عندما قال: "نحاول الاستفادة من موقعنا الوسيط بين القوى الأكبر لتقليل احتمالية الصراع في جوارنا المباشر. ويمكننا بهذا خلق مساحة لنا للتحرك وأن نكون قادرين على التصرف بطرق لا يستطيع الآخرون القيام بها".

ويجسد بيان الحكومة العمانية الصادر بعد إعلان 11 سبتمبر/أيلول عن تطبيع البحرين العلاقات مع إسرائيل نهج عُمان الدقيق، وجاء في البيان: "سوف يساهم هذا المسار الاستراتيجي الجديد الذي اتخذته بعض الدول العربية في تحقيق سلام قائم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية".

ومع استمرار وباء "كوفيد-19" والأزمة الاقتصادية في عُمان، من المهم للسلطنة أن تظهر صورة هادئة و أنها "تعمل كالمعتاد". بعبارة أخرى، لا تعتقد مسقط أن هذا هو الوقت المناسب لبدء مشاريع سياسية خارجية جديدة محفوفة بالمخاطر في منطقة مجهولة.

ومن المرجح أن تتحوط عُمان في رهاناتها على المدى القصير انتظارا لما سيحدث في واشنطن بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وكيف ستنتهي اتفاقات التطبيع وخصوصا الاتفاق السوداني الإسرائيلي الأخير.

وفي المستقبل، يمكن أن تقع ضغوط خارجية على مسقط لتحذو حذو أبوظبي والمنامة والخرطوم في فتح علاقات رسمية مع إسرائيل، وهناك سبب للاعتقاد بأن الولايات المتحدة والإمارات سيضغطان على السلطنة لتطبيع علاقاتها مع تل أبيب.

وإذا تفاقمت المشاكل الاقتصادية في السلطنة، فقد يكون من الصعب على مسقط تجنب مثل هذا الضغط، ومع ذلك، إذا رغب المسؤولون في الولايات المتحدة في الوقوف إلى جانب شريكتهم منذ فترة طويلة وسط أزمة "كوفيد-19" وانخفاض أسعار النفط، فسيتعين على واشنطن دعم مسقط في الاقتراب من إسرائيل، ولكن بشروطها الخاصة.

المصدر | كريستيان أولريخسن وجورجيو كافييرو | معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد