الاثنين 16 نوفمبر 2020 08:52 ص

هل انتهت متاعب الاقتصاد العالمي بلقاح كورونا؟

ستشهد أسواق المال تقلبات أكثر خلال الأسابيع المقبلة ولن تشهد مؤشراتها استقرارا إلا بوصول أول شحنة من اللقاح للمستهلك.

سينشط اللقاح الأسواق الراكدة ويحرك الطلب على المنتجات بعد تراجعه بشدة في ظل الوباء وهو ما سيحد من البطالة ويوفر فرص عمل.

*     *     *

عقب كشف شركتي فايزر الأميركية وبيونتيك الألمانية عن التوصل إلى لقاح فعال لعلاج فيروس كورونا القاتل، دبّ النشاط في أسواق المال العالمية، حيث قفزت مؤشرات البورصات وأسعار الأسهم والنفط، وكذلك أسواق السلع الأولية وغيرها، بمعدلات لم تشهدها منذ شهور.

ذلك لأن الكشف عن اللقاح، بالغ الأهمية، قد يفتح الباب وبشكل سريع أمام إعادة النشاط للاقتصاد العالمي، وإصلاح الخلل في القطاعات المتضررة من الوباء، وفي مقدمتها النفط والوقود والطاقة والطيران والسياحة والسفر والصناعة والصادرات الخارجية وسوق العمل والقروض المصرفية ومعدلات الفائدة على المدخرات في البنوك وغيرها.

كما سيعمل اللقاح على تنشيط الأسواق التجارية الراكدة، وتحريك الطلب على السلع والخدمات الذي تراجع بشدة في ظل تفشي الوباء، وهو ما سيساهم في الحد من البطالة وتوفير فرص عمل لملايين العاطلين.

والأهم من ذلك دعم لقاح كورونا الجديد نمو الاقتصاد العالمي الذي شهد حالة من التراجع والانكماش عقب تفشي وباء كورونا وتفاقم الخسائر التي لحقت بالاقتصادات العالمية والتي قدرت بتريليونات الدولارات.

لكن هذا الزخم والتفاؤل الذي أحدثه الكشف الطبي المهم في أسواق المال والقطاعات الاقتصادية سيتراجع يوما بعد يوم إلى حين تحوله إلى أمر واقع وذلك لأسباب عدة، منها مثلا زيادة حالات الإصابة بالفيروس خلال الفترة الأخيرة داخل العديد من الدول التي تقود الاقتصاد العالمي، كما هو الحال مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والهند وروسيا وإسبانيا والبرازيل وتركيا وغيرها.

كما أن أسواق المال أدركت أن اللقاح لن يطرح للاستهلاك بشكل سريع وخلال أيام كما تخيل البعض، فهناك مرحلة لم يتم إنجازها بعد في التجارب، وبالتالي فإن متاعب البورصات والاقتصاد العالمي ستظل مستمرة عدة شهور أخرى إلى حين طرح اللقاح في الأسواق وبكميات ضخمة وبأسعار مناسبة خاصة خلال الفترة من شهر مارس وحتى سبتمبر القادمين، وهي الفترة التي يراهن عليها الجميع في محاصرة الوباء والحد من مخاطره سواء على الصحة العامة أو على القطاعات الاقتصادية.

أضف إلى ذلك غموض موقف الدول ذات الاقتصادات الضعيفة بالنسبة للقدرة على التعاقد مع الشركتين المنتجتين لشراء اللقاح بكميات كبيرة وطرحه مجانا للمواطن أو بسعر رمزي، وكذا قدرة هذه الدول على نقل اللقاح، إذ يجب تخزين اللقاح في مكان تبلغ حرارته -70 درجة مئوية بينما معظم الثلاجات في غالبية المستشفيات حول العالم تصل حرارتها إلى -20 درجة مئوية.

واللقاح سيتم طرحه بسعر 20 دولارا للعبوة الواحدة، كما تقول الشركة المنتجة، وهو مبلغ قد يفوق قدرات غالبية المواطنين في الدول الفقيرة وتلك التي تعاني من أزمات مالية شديدة وشح كبير في السيولة.

وهناك مخاوف من أن يتحول لقاح كورونا إلى سلعة تجارية واحتكارية، في ظل قصر الإنتاج على شركتين فقط هما فايزر وبيونتيك، واللتين قد لا يغطي إنتاجهما احتياجات كل دول العالم من اللقاح خلال فترة قصيرة، خاصة وأن الطلب سيكون ضخما، إذ أن معظم دول العالم تعاني من تفشي الفيروس.

واللقاح لن يكون متاحاً لمن لا يستطيعون الحصول عليه، أو لا يقدرون على تحمّل تكلفته، كما تقول منظمة "أوكسفام" لمكافحة الفقر التي دعت شركات الأدوية إلى مشاركة اللقاح.

أضف إلى ذلك أنه استنادا إلى الاتفاقات المبرمة مع شركة فايزر خلال الفترة الماضية، فإن هناك 1.1 مليار جرعة تم شراؤها من قبل الدول الغنية. و"لم يتبق الكثير للدول الأخرى" حسب بيانات مركز التنمية العالمية.

كما أن كل دول العالم ترغب في طيّ ملف كورونا المزعج صحيا واقتصاديا بسرعة، حتى تستعيد القطاعات المختلفة وإيرادات النقد الأجنبي عافيتها، وبالتالي فإن الدول الثرية ستتسابق على الاستحواذ على شراء اللقاح وبأي ثمن، كما أن الولايات المتحدة قد تضع قيودا على تصدير الدواء قبل تغطية الاحتياجات المحلية.

إزاء هذا الوضع المتأرجح وعلامات الاستفهام الكثيرة، فإن من المتوقع أن تشهد الأسواق المالية مزيداً من التقلبات خلال الأسابيع المقبلة، ولن تشهد مؤشراتها حالة استقرار سوى مع وصول أول عبوة تجارية من لقاح كورونا للمستهلك، وهذا ينطبق على أسواق المال والبورصات والذهب والنفط وتذاكر الطيران وأسعار الفنادق وغيرها.

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد