الأربعاء 18 نوفمبر 2020 12:45 م

ربما كان لافتا، أن تتوجه جماعة "الإخوان المسلمون" في مصر، بتهنئة للرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن"؛ لفوزه في الانتخابات الأمريكية، والإطاحة بالرئيس "دونالد ترامب" المناهض لها.

وتحمل تهنئة الجماعة الأكبر في مصر، آمالا مشوبة بالحذر، بشأن المنتظر من سياسات إدارة "بايدن"، خلال السنوات الأربع المقبلة، مقابل سنوات 4 عجاف من إدارة "ترامب".

في المقابل، يشعر نظام الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" بمزيد من القلق إزاء توجهات الإدارة الجديدة، خاصة ما يتعلق بملفات حقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير، وهو ما قد يعرضه لضغوط، كان بعيدا عنها في عهد حليفه وصديقه "ترامب".

مطالب الجماعة

لا شك أن جماعة الإخوان تعول على الإدارة الجديدة، في إحداث تغيير ما، أو انفراجة سياسية وحقوقية في المشهد المصري المتأزم منذ أكثر من 7 سنوات، وكأن لسان حالها يردد "خذل عنا يا بايدن ما استطعت".

البيان كان صريحا بدعوة "بايدن" إلى "مراجعة سياسات دعم ومساندة الدكتاتوريات، وما ترتكبه الأنظمة المستبدة حول العالم من جرائم وانتهاكات في حق الشعوب".

وزاد البيان الموقع من القائم بأعمال المرشد العام للجماعة "إبراهيم منير"، محذرا من أن "أي سياسات يتم فيها تجاهل الشعوب وخياراتها الحرة والاكتفاء ببناء علاقاتها مع مؤسسات الاستبداد الحاكمة، ستكون اختيارا في غير محله، ووقوفا على الجانب الخاطئ من التاريخ".

ويعزز موقف الجماعة، أن المعارضة المصرية بكافة أطيافها، تأمل هي الأخرى، في دعم الإدارة الأمريكية الجديدة لها، خاصة بعد تلقيها ضربات قوية منذ تولي "السيسي" السلطة منتصف العام 2014.

وتستند تلك الآمال، إلى موقف "بايدن" المعلن مسبقا بأنه "لن يكون هناك المزيد من الشيكات الفارغة للديكتاتوريين المفضلين لدى ترامب"، في إشارة إلى وصف الرئيس الأمريكي لـ"السيسي" بـ"ديكتاتوري المفضل".

في المقابل، فإن الشكوك تساور الجماعة، بالنظر إلى أن الرئيس الراحل "محمد مرسي"، أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر، تمت الإطاحة به عبر انقلاب عسكري في 3 يوليو/تموز 2013، عندما كان "بايدن" نائبا للرئيس السابق "باراك أوباما".

وخلال ولايتي "أوباما" و"بايدن"، تعرضت الجماعة لمجازر عدة، واعتقل من أنصارها عشرات الآلاف، وتعرض كوادرها لمحاكمات سياسية، انتهت بإعدام العشرات منهم، ضمن حملة تنامت وقتها في عدة دول عربية لاستئصال الجماعة، وتصنيفها "إرهابية" والتحفظ على أموالها وممتلكاتها.

هجوم سعودي

لا يمكن بأي حال من الأحوال، قراءة الحملة السعودية المستعرة ضد جماعة "الإخوان"، بمعزل عن نتائج الانتخابات الأمريكية، والمخاوف التي تتنباها الرياض وأبوظبي والقاهرة، تجاه الجماعة.

يقول مراقبون، إن المملكة استبقت الرئيس الأمريكي الجديد بتلك الحملة حتى تقطع أي محاولة لإعادة "الإخوان المسلمون" إلى الساحة مرة أخرى، أو الحوار معهم.

ويقود لواء الحملة، شيوخ المملكة ممثلون في هيئة كبار العلماء، في إشارة إلى الساكن الجديد في البيت الأبيض، مفادها أن رجال الدين وليس الساسة، هم من يرفضون ويجرمون عمل الجماعة الأكبر في العالم العربي والإسلامي.

وإلى جانب النظام المصري، تضع أنظمة خليجية "فيتو" على وصول الإخوان للحكم، أو حتى مشاركتهم سياسيا وبرلمانيا، خاصة مع بزوغ دورهم في احتضان ودعم ثورات الربيع العربي، العام 2011.

وبينما ينظر "ترامب" إلى الجماعة باعتبارها جماعة متطرفة، ينبغي تصنيفها على لائحة التنظيمات الإرهابية، فإن "بايدن" يتبنى الرؤية نفسها للرئيس السابق "أوباما"، باعتبار الجماعة معتدلة، ويمكن التعاون معه، بصفتها أكبر وأقدم حركة إسلامية في العالم.

وعلى الرغم من وجود مشروع قرار للإدارة الأمريكية، لتصنيف جماعة "الإخوان" على قائمة الإرهاب، منذ فبراير/شباط 2016، فإن المؤسسات الأمريكية المحترفة في وزارتي الخارجية والدفاع، حالت دون ذلك، بالنظر إلى قبول الجماعة بالعمل السياسي، والمشاركة في الانتخابات، ونبذها العنف والإرهاب.

انفتاح "بايدن"

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، العميد "أحمد عيسى"، يتوقع أن تشهد فترة الرئيس "بايدن" انفتاحاً في علاقة الإدارة الجديدة مع حركة "الإخوان المسلمون".

ويرتبط هذا التحول المرتقب، من وجهة نظر "عيسى"، في مقاله المنشور بـ"رأي اليوم"(يومية مستقلة، بالفريق المتوقع أن يشغل مناصب عليا في الإدارة الجديدة (كالخارجية والأمن القومي)، خاصة مع ارتفاع أسهم أسماء مثل "سوزان رايس" و"توني بلينكن" وغيرهم من الأسماء التي عملت سابقاً في إدارة "أوباما"، وتتمتع بانفتاح على التعامل مع الجماعة.

ووفق تقاير استخباراتية أمريكية، صادرة منذ سنوات، تدعمها مؤسسة "راند" البحثية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، فإن الاتجاه المرشح ربما للظهور مجددا، يقوم على إحتواء وتوظيف جماعة الإخوان، والحوار معهم، مع التوصية بعدم تمكينهم.

لكن نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية(حكومي)، الدكتور "عمرو هاشم ربيع"، يستبعد أن تمارس إدارة "بايدن" أي ضغط لعودة بعض التيارات الإسلامية إلى المشهد، خاصة ما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين.

ويرى "ربيع" في حديث لموقع "الحرة"، أن الضغوط الأمريكية ستتركز فقط من أجل ملف سجناء الرأي ومحتجزي حرية الرأي والتعبير.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، علق "بايدن" في تغريدة له مهاجما النظام المصري بعد وفاة، "مصطفى قاسم" (أمريكي من أصول مصرية)، قائلا إن "الأمريكيين المحتجزين ظلما في أي مكان في العالم يستحقون دعم حكومتنا الكامل والجهود الحثيثة لتأمين إطلاق سراحهم".

وفي يوليو/تموز الماضي، غرد "بايدن" بعد عودة المواطن المصري الأمريكي، "محمد عماشة"، بعد سجنه 486 يوما في مصر بسبب حمله للافتة للاحتجاج، قائلا إن "اعتقال وتعذيب ونفي ناشطين مثل سارة حجازي ومحمد سلطان، أو تهديد عائلاتهم أمر غير مقبول. لا مزيد من الشيكات الفارغة للديكتاتور المفضل لترامب".

تغيير محدود

ويرى المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، "جمال عيد"، أن إدارة "بايدن" مقارنة بـ"ترامب" ستتوقف عن الدعم الصارخ الذي كان يقدمه الرئيس الأمريكي للحكومة المصرية.

ويصعب أن يشهد الواقع أي تغيير جذري في التعاطي مع حقوق الإنسان أو الديمقراطية، لكن التغيير المنتظر سيكون فقط على مستوى التصريحات وبدء انتقاد علني لممارسات القاهرة، بحسب "عيد" متحدثا لـ"الحرة".

لكن مراقبون يرون أن ورقة المعونة الأمريكي لمصر (1.2 مليار دولار سنويا)، ستكون حاضرة خلال ولاية "بايدن" للضغط على "السيسي" لوقف انتهاكات حقوق الإنسان، واستعادة المجتمع المدني، وحرية الصحافة، ووقف عمليات الإعدام الممنهجة، لاسيما وأن النظام المصري عاقب الجميع وليس الإخوان فقط، منذ العام 2013.

وترى دوائر أمريكية، أن استعانة "بايدن" بمسلمين أمريكيين ضمن فريقه الرئاسي، وتضمين أحاديثه الانتخابية، آيات قرآنية وأحاديث نبوية، سيحمل معه سياسات مغايرة في الداخل، لوقف التمييز ضد الأقليات وضمنهم المسلمين والعرب، وخارجيا، التعاطي ربما مع حركة إسلامية ضخمة مثل "الإخوان" تحظى بتمثيل برلماني، ونفوذ سياسي، في تونس وليبيا والمغرب والجزائر والسودان والأردن والكويت وقطر والعراق وفلسطين، ودول أخرى حول العالم.

ربما تصلح إدارة "بايدن-هاريس" بعض ما أفسدته إدارة "ترامب" في علاقاتها مع جماعة الإخوان، أو على الأقل وقف حرب استئصالها، والتوقف عن الدعم العلني والقوي لنظام "السيسي"، وعدم منحه شيكا على بياض لما يرتكب من انتهاكات وجرائم ضد المعارضة المصرية بكافة أطيافها السياسية.

المصدر | الخليج الجديد