الاثنين 23 نوفمبر 2020 10:30 م

من الصعب التفكير في قضية أمنية أكثر أهمية تواجه إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدنمن التهديدات الكبيرة من روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران.

ويمكن لتركيا أن تكون لاعبا حاسما في مساعدة الولايات المتحدة على التعامل مع هذه التهديدات وغيرها.

وتعد أهمية هذا البلد الإسلامي المحوري بين أوروبا والشرق الأوسط أكبر بكثير مما يتم تصويره عادة.

وكانت سياسات الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، خاصة شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400"، قد تركت لأنقرة القليل من الأصدقاء في واشنطن، كما بلغ التوتر مع الدول الأوروبية درجة جعلت البعض يدعو لإخراج تركيا من حلف الناتو بالرغم من عدم وجود آلية يمكن بواسطتها طرد أحد أعضاء الناتو أو حتى تعليق عضويته.

لكن سيكون أي من ذلك خطأ كبيرا، حيث يجب على واشنطن مواجهة الواقع، فلا يزال "أردوغان" يقود دولة مهمة، ولا يزال هو الشخص الوحيد الذي يمكن للولايات المتحدة محاولة التعامل معه حتى لو كانت هناك خلافات كبيرة بين البلدين.

علاوة على ذلك، رغم سياسته تجاه الصراع السوري، فهي ليست أسوأ من إخفاقاتنا وأخطائنا في الشرق الأوسط على مدى العقدين الماضيين.

وتتحمل تركيا وطأة الصراع السوري مثلها مثل أي دولة مجاورة أخرى، حيث تستضيف ما يصل إلى 4 ملايين لاجئ كان من الممكن أن يغرقوا أوروبا الغربية.

وبالطبع فإن صداقة "أردوغان" مع "بوتين" تعد مصدر قلق كبير، لكن وقوع حرب روسية تركية تجر الولايات المتحدة، كحليف في الناتو، إلى صراع مع موسكو سيكون أسوأ بكثير، فبعد كل شيء، لا تعد روسيا وتركيا شريكين طبيعيين، وفي الواقع، هما على طرفي نقيض في النزاعات في سوريا وليبيا والقوقاز.

وفي عام 2015، أسقطت تركيا طائرة روسية على حدودها مع سوريا، وهي المرة الأولى التي تسقط فيها دولة في الناتو طائرة روسية منذ نصف قرن، وبقدر ما هي الأمور مزعجة الآن، فقد تكون أسوأ بكثير، وقد تزداد سوءا إذا لم نتوخ الحذر.

ولوضع الأمور على مسار أفضل وأقل خطورة، يلزم إحراز تقدم في معالجة مشكلتين رئيسيتين مع تركيا، ولا يتعلق ذلك فقط بمجرد عوائق تحول دون تحسين العلاقات الثنائية، بل هي قضايا أمنية حقيقية لها عواقب كبيرة محتملة على الولايات المتحدة وحلفائها إذا لم يتم التعامل معها ببراعة، وهذا هو السبب في أنه بدلا من مواجهة أنقرة، يجب على إدارة "بايدن" محاولة احتواء تركيا.

وتتعلق المشكلة الملحة بمنظومة الدفاع الجوي "إس-400" الذي اشترته تركيا من روسيا، والمشكلة الثانية الأقل إلحاحا لكن تظل مهمة للغاية هي سوريا.

وتشمل صفقة المنظومة الروسية مشاركة موسكو في العمليات، ما يعني أن روسيا قد تحصل على معلومات استخبارية حول أي طائرة تحلق في المجال الجوي التركي، وبالأخص طائرة "إف-35" التي كانت تركيا في طريقها لشرائها وساعدت في بنائها كشريك في المشروع.

وبدون حل لهذه المسألة، سيظل دور تركيا في برنامج "إف-35" معلقا، ولن تتمكن من الحصول على الطائرة، علاوة على ذلك، يقف الكونجرس الأمريكي على استعداد لتمرير عقوبات عسكرية ومالية صارمة.

واختبرت تركيا مؤخرا منظومة "إس-400" لكنها لم تقم بتنشيطها بالكامل، وإذا كان "أردوغان" جادا بشأن إعادة ضبط العلاقات الأمريكية، فيجب على تركيا الالتزام صراحة بعدم تفعيل رادار المنظومة، وأن تعلن عن استعدادها لشراء نظام متوافق مع حلف الناتو.

وفي المقابل، يجب على إدارة "بايدن" الإعلان عن إعادة دمج تركيا في برنامج الطائرات "إف-35" والنظر في تقديم حوافز مالية وتقنية محتملة لتركيا لشراء أنظمة الدفاع الصاروخي من طراز "باتريوت".

ويجب أن يجري إعادة التوافق مع أنقرة في سوريا أيضا، فالحرب هناك على وشك الانتهاء، لكن وضع ما بعد الحرب بعيد كل البعد عن التسوية.

وتعتقد تركيا أن واشنطن تدعم الحكم الذاتي للأكراد في شمال سوريا، ومما زاد الطين بلة، أن الأكراد السوريين الذين تدعمهم واشنطن هم جزء من جماعة كردية متمردة، وهي حزب العمال الكردستاني، المصنف رسميا كمنظمة إرهابية بموجب القانون الأمريكي.

وبالتالي، فإن إعادة ضبط العلاقات التركية - الأمريكية في سوريا سيتطلب حركات دبلوماسية دقيقة.

ويجب ألا تترك إدارة "بايدن" سوريا أو أن تتخلى عن الأكراد كما كان يفكر "ترامب"، وبدلا من ذلك، يجب أن تجد طرقا أكثر إقناعا لإثبات أن التعاون العسكري بين الولايات المتحدة والأكراد يدور حول محاربة تنظيم "الدولة"، وليس السعي لتحقيق الاستقلال الكردي.

وفي مقابل التزام عسكري تركي واضح ضد تنظيم "الدولة"، وبعد إحراز تقدم نحو تفاهم سلام ثلاثي بين الأكراد السوريين ونظام "الأسد" وتركيا، يمكن للولايات المتحدة تقليص تعاونها الأمني مع الأكراد السوريين.

ووراء الكواليس، يجب على إدارة "بايدن" العمل أيضا من أجل حل سلمي للمشكلة الكردية في تركيا من خلال الضغط على حزب العمال الكردستاني لنزع سلاحه.

ومع التحرك بشأن هاتين المسألتين، يمكننا على الأقل الدخول في فترة من الدبلوماسية الناجحة وصنع سياسة أمن قومي ناجحة مع أنقرة.

وبشكل عام، لن تكون هناك علاقة وثيقة بين أنقرة وواشنطن ما دام "أردوغان" في السلطة، ولكن لا داعي ولا يجب أن تكون العلاقة عدائية أيضا.

المصدر | ميشيل هانلون | بروكينجز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد