الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 06:03 م

كان الهدف من قمة مجموعة العشرين الافتراضية، التي استضافتها السعودية نهاية الأسبوع الماضي، أن تمثل لحظة انتصار للرياض وولي عهد المملكة الأمير "محمد بن سلمان". وكانت هذه هي المرة الأولى التي تستضيف فيها دولة عربية هذا التجمع؛ الأمر الذي مثل فرصة ذهبية للفخر على المسرح العالمي والتباهي بالتغييرات العديدة التي مرت بها المملكة في فترة زمنية قصيرة جدا، وهي التغييرات التي تحدث عنها زوار المملكة بشكل متكرر بدرجة من الدهشة.

وتحدث هؤلاء عما كان ممنوعا في السابق، مثل الحفلات الموسيقية بحضور نجوم البوب ​​الغربيين، ودور السينما، والمعارض الثقافية، والفعاليات الرياضية مثل عرض "سوبر وورلد ريسلنج إنترتينمنت" في ملعب "محمد عبده" في الرياض في فبراير/شباط، وافتتاح بطولة أرامكو الدولية للجولف للسيدات، وكل ذلك بحضور جماهير مختلطة من الرجال والنساء. وقبل ذلك بالطبع رؤية المرأة السعودية تقود السيارة، وهو حق مُنح لها في يونيو/حزيران 2018.

كما تم الاحتفاء بتخفيف نظام ولاية الرجل في أغسطس/آب من هذا العام باعتباره تقدما مهما للنساء. وفي ذلك الوقت، احتفت بالقرار السفيرة السعودية في واشنطن الأميرة "ريما بنت بندر آل سعود". وقالت أمام مجموعة من الموظفات في السفارة: "لديكن الآن حقوق غير قابلة للتفاوض،  ومنها الحق في حمل الهوية، في التنقل، في الحلم، في العمل".

تصحيح الصورة المشوهة

وفي حديثها يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني، ناقشت السفيرة أهمية المساواة بين الجنسين والنهوض بالمرأة كحجر زاوية في "رؤية 2030"؛ وهي برنامج "محمد بن سلمان" الطموح والجريء للتحول الاقتصادي والاجتماعي.

كما تناولت موضوعا غالبا ما عبرت عنه السلطات السعودية؛ حيث قالت: "لقد كانت المملكة بلدا كثيرا ما يُساء فهمه، وغالبا ما يتم التغاضي عن تقدمنا ​​الملحوظ في الإصلاح والتغيير". وأضافت: "نحن بحاجة إلى القيام بعمل أفضل لتصحيح الرواية غير الدقيقة والمشوهة عنا".

وكان هذا ما صُممت قمة مجموعة العشرين للقيام به، أي تحويل السرد حول المملكة من سلبي إلى إيجابي. لكن "كوفيد-19" تدخل في الأمر، وما كان من المفترض أن يكون عرضا لامعا للتحديث السعودي والحوافز الإبداعية وتمكين المرأة، وفرصة لإبهار الضيوف برحلات إلى مواقع مثل مدينة "نيوم" المستقبلية التي يجري بناؤها الآن، وتبلغ تكلفتها 500 مليار دولار، إلى مجرد شاشة باهتة مليئة بالوجوه.

ومع ذلك، كانت هناك لحظة واحدة من السحر التقني في عرض صورة جماعية لقادة مجموعة العشرين على جدران الآثار التاريخية لمدينة "الدرعية" في ضواحي الرياض.

لكن ما أفسد تلك اللحظة كانت صورة أخرى على جدران متحف اللوفر في باريس. وكانت لـ3 من بين الناشطات المعتقلات في السجون السعودية، وهن "لجين الهذلول"، و"نسيمة السادة"، و"سمر بدوي".

وكانت محنتهن ومحنة السجينات الأخريات موضوع تقرير صدر لتوه من البارونة "هيلينا كينيدي"، استشهدت فيه بالعديد من القوانين والاتفاقيات السعودية والدولية التي تم انتهاكها أثناء اعتقال واحتجاز النساء.

وعرضت فيه بالتفصيل مزاعم التعذيب ذات المصداقية، وسمت شخصين مقربين جدا من ولي العهد السعودي كمتورطين بشكل مباشر في التعذيب أو ترأسانه. وذكر التقرير أن التعذيب شمل الضرب والصعق بالكهرباء والاعتداء الجنسي والتهديد بالاغتصاب وقتل أفراد الأسرة.

والشخصان المذكوران هما "سعود القحطاني"، المتورط في مقتل الصحفي في واشنطن بوست "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إسطنبول بتركيا في أكتوبر/تشرين الأول 2018، والشقيق الأصغر لـ"محمد بن سلمان" والسفير السابق في واشنطن "خالد بن سلمان".

وأفلت "القحطاني" من الملاحقة القضائية في المملكة بتهمة قتل "خاشقجي"، لكنه لا يزال على قائمة العقوبات الأمريكية التي تم وضعه عليها بعد وقت قصير من القتل. وفي يوليو/تموز، أُضيف اسمه إلى قائمة عقوبات المملكة المتحدة أيضا.

وحسب ما ورد، حاول "خالد بن سلمان"، أثناء عمله سفيرا لدى الولايات المتحدة، تشجيع "خاشقجي" على الاعتقاد بأنه يمكنه العودة بأمان إلى السعودية. وغادر "خالد" الولايات المتحدة بعد وقت قصير من ظهور تفاصيل عملية القتل. وعاد لفترة وجيزة قبل أن يستقيل من منصبه.

وفي فبراير/شباط 2019 تم تعيينه نائبا لوزير الدفاع، أي شقيقه الأكبر وولي العهد "محمد بن سلمان".

ونذكر بعضا مما جاء في تقرير "هيلينا كينيدي":

عذب القحطاني شخصيا لجين عدة مرات. كما أخبرت إحدى الناشطات في مجال حقوق المرأة، وهي سجينة سابقة في سجن ذهبان (غربي المملكة)، أن القحطاني كان موجودا  في هذا السجن، التي كانت فيها لجين معظم الوقت، وأمر بعدد من جلسات التعذيب الفردية والجماعية، وهددها بالاغتصاب والاعتداء جنسيا. كما قالت السجينة السابقة إنها شاهدت القحطاني يعتدي جنسيا على العديد من ناشطات حقوق المرأة في غرفهن، بما في ذلك لجين الهذلول وإيمان النفجان.

إضافة إلى ذلك، ذكرت نزيلة ذهبان السابقة أن خالد بن سلمان كان حاضرا من حين لآخر في السجن، وكان يحضر الاستجواب أحيانا. وأخبرتها إحدى الناشطات أنه هددها بالاغتصاب والقتل عند إشرافه على الاستجوابات، وأنه تفاخر بمنصبه وسلطته قائلا: "أتعرفين من أنا؟ أنا الأمير خالد بن سلمان، أنا سفير المملكة في الولايات المتحدة، ويمكنني أن أفعل أي شيء أحبه معكِ، أو كلمات بهذا المعنى".

وتعد هذه ادعاءات خطيرة للغاية. ومع ذلك، لم يتم إثباتها، ونفت السلطات السعودية باستمرار هذه المزاعم. لكن بدلا من إجراء تحقيق مستقل، اختارت السلطات اتخاذ الرأي القائل بأن المحتجزات وطريقة احتجازهن من القضايا الداخلية التي يتعين على المحاكم السعودية التعامل معها.

وهو موقف اتخذوه بغطاء من إدانة 8 أفراد والحكم عليهم بالسجن ما بين 7 و20 عاما بتهمة قتل "جمال خاشقجي". ولم يكن "القحطاني" من بين المتهمين.

الناس يفتقرون إلى الإنصاف

وقال وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية "عادل الجبير"، في مقابلة مع مراسلة "بي بي سي"، "ليس دوسيه": "قضيتنا مستقلة، ولا نسمح للناس بإلقاء المحاضرات علينا أو إخبارنا بما يجب علينا وما لا يجب".

وزعم الوزير أن "الهذلول" لم يتم احتجازها بسبب نشاطها في مجال حقوق المرأة، ولكن لأنها كانت تخضع للتحقيق باعتبارها خطرا على الأمن القومي. وفي عام 2018، وصفها "محمد بن سلمان" بأنها جاسوسة، وقال إنه سيقدم أدلة "في اليوم التالي" لإثبات ذلك، لكن لم تظهر مثل هذه الأدلة حتى الآن.

وكما اشتكت الأميرة "ريما"، اشتكى "الجبير" من تعرض الرياض لانتقادات لا مبرر لها، قائلا: "أعتقد أن الناس لم يكونوا عادلين في ما يتعلق بالتعامل مع السعودية. أعتقد أنهم يبحثون دائما عن الجزء السلبي لدينا بدلا من النظر إلى الجزء الإيجابي".

ووصف "جو بايدن" المملكة في عام 2019 بأنها دولة "منبوذة"، حيث صرح في أكتوبر/تشرين الأول أن إدارته سـ"تعيد تقييم العلاقة مع المملكة، وتنهي الدعم الأمريكي لحرب السعودية في اليمن، وتتأكد من أن أمريكا لا تخلع قيمها عند الباب مقابل بيع الأسلحة أو شراء النفط".

ويأمل السعوديون أن يكون ذلك مجرد حديث انتخابي. وقال وزير الخارجية السعودي، "فيصل بن فرحان آل سعود"، لـ"رويترز"، في مقابلة افتراضية على هامش قمة مجموعة العشرين: "أنا واثق من أن إدارة بايدن ستواصل اتباع سياسات تصب في مصلحة المنطقة".

وعلى الأرجح فإن زير الخارجية محق في هذا التقييم. ولكن في ظل الحالة السيئة الحالية لحقوق الإنسان في المملكة، فمن غير المرجح أن يقتنع البيت الأبيض بقيادة "بايدن" بالرواية الإيجابية حول الإصلاح والتغيير التي تحاول الأميرة "ريما" بيعها في واشنطن.

المصدر | بيل لو/ذا أوبزيرفر - ترجمة وتحرير الخليج الجديد