الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 07:26 م

"محطة المطار السري".. عبارة يتندر بها المصريون في نكاتهم عن محصل لتذاكر القطارات اعتاد تنبيه الركاب إلى مطار في منطقة لا يعرفها إلا من يذهبون إليها، حتى ظن كثير من الركاب أنه "مطار سري"، وتحول الوصف إلى اسم لمحطة على الطريق الصحراوي بين محافظتي القاهرة والإسكندرية.

وعلى منوال النكتة ذاتها، دارت تفاصيل الأنباء المتضاربة حول زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" إلى مدينة نيوم بالسعودية، الأحد الماضي، ولقائه ولي عهد المملكة "محمد بن سلمان"، رغم إفادة عديد الأدلة على صحة وقوعه؛ ما أثار التساؤلات حول سبب الزعم بسرية ما هو مكشوف، والدلالات السياسية والاستراتيجية للقاء.

"نتنياهو" ألغى لقاء وزاريا قبل التوجه إلى طائرة تجارية خاصة حلقت لساعة عبر البحر الأحمر إلى الشاطئ الغربي للسعودية، وقضى في نيوم، 5 ساعات كاملة مع "بن سلمان"، بحضور وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو"، ومدير الموساد "يوسي كوهين"، وهو ما أثبتته مواقع تتبع الرحلات الجوية، التي أظهرت مغادرة طائرة "نتنياهو" في الساعة الثامنة مساءً بالتوقيت المحلي لإسرائيل وعودتها في الواحدة بعد منتصف الليل.

ورغم انتشار الأخبار عن الرحلة في الصحافة الإسرائيلية، الإثنين، وتأكيدها من قبل مسؤولين إسرائيليين، نفاها وزير الخارجية السعودي "فيصل بن فرحان"، عبر "تويتر"، زاعما أن لقاء "بن سلمان" اقتصر على المسؤولين الأمريكيين.

فيما رفض "نتنياهو" تأكيد أو نفي زيارته للمملكة، قائلا: "لسنوات طويلة لم أتطرق أبدا إلى هذه الأمور، ولا أنوي البدء في ذلك الآن"، وفقا لما نقلته القناة "13" الإسرائيلية.

والأمر في حقيقته ليس تضاربا؛ إذ أفاد المراسل السياسي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية "إيتمار آيخنر" بأن الرقابة العسكرية صرحت بنشره.

فيما نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" الموالية لـ"نتنياهو" عن مصدر مطلع، أن ولي العهد السعودي وافق على نشر خبر اللقاء بهدف اختبار ردود الفعل داخل المملكة وفي العالم العربي.

وليس بعيدا عن التصور معرفة السعوديين بماهية الطائرة التي نقلت "نتنياهو" إلى نيوم، وإمكانية اكتشاف وصولها إلى المدينة السعودية عبر مواقع تتبع الرحلات الجوية. فلماذا تعمدت السعودية إذن نفي اللقاء رسميا؟

حقبة بايدن

تعود الإجابة إلى ترجيح الرياض مصلحة سياسية من نشر الخبر دون تحمل تبعاته السياسية في إطار تمهيد مشترك مع تل أبيب لحقبة الإدارة الأمريكية المقبلة، بعد تنصيب الرئيس الجديد "جو بايدن" في 20 يناير/كانون الثاني المقبل.

فمجرد اللقاء بين "نتنياهو" و"بن سلمان" هو قلب الموضوع وليس مضمون مباحثاته؛ إذ كان يمكن أن تدور المباحثات من خلال الهاتف أو عبر مبعوثين، وفقا لما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مصدر مطلع أشار إلى أن اللقاء جاء "بمثابة رسالة مشتركة ترسلها السعودية وإسرائيل مفادها أنهما محور واحد عندما يتعلق الأمر بالتهديد الإيراني".

وفي هذا الإطار، عبر وزير التعليم الإسرائيلي "يؤاف جالانت" عن الأهمية الاستراتيجية للقاء، في حديثه للإذاعة الإسرائيلية الإثنين، قائلا: "هذا أمر حلم به أسلافنا. الشيء الرئيسي هو القبول الحار لإسرائيل من قبل العالم السني وإزالة العملية العدائية برمتها. بدأ يظهر محور يضم إسرائيل والولايات المتحدة وكل من يشارك في مواجهة التطرف الشيعي الإيراني. مجرد عقد الاجتماع وإعلانه، حتى لو كان شبه رسمي، أمر مهم للغاية".

وتدور تسريبات مجلة فورين بوليسي عن مضمون اللقاء في إطار بحث "نتنياهو" و"بن سلمان" هجوما عسكريا قد تشنه القوات الأمريكية قريبا على إيران قبل أن تتاح الفرصة لـ"بايدن" أن يعود للاتفاقية النووية الموقعة عام 2015، التي أعلن الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" انسحابا أحاديا منها عام 2018.

وفي السياق، نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" عن مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى على صلة بالمحادثات إن اللقاء ركز على موضوع إيران؛ نظرا لحاجة الرياض إلى دعم تل أبيب في مواجهة التوجه المحتمل لإدارة "بايدن"، وكذلك الضغوط الأمريكية المتوقع زيادتها على السعودية على خلفية قضية مقتل الصحفي "جمال خاشقجي".

تركيا كانت عنوانا ثانيا لما وراء لقاء "نتنياهو –بن سلمان"؛ إذ طفت على السطح مؤخرا مخاوف السعودية بشأن تركيا وأنشطة رئيسها "رجب طيب أردوغان" والجمعيات الخيرية التركية في الحرم القدسي.

وفي السياق، نقلت "فورين بوليسي" عن مصادرها إن "إسرائيل تعتزم السماح للسعوديين بإدارة جمعيات خيرية في القدس الشرقية من أجل كبح نفوذ أردوغان، كما ستدعم انضمام ممثلين سعوديين إلى مجلس الأوقاف الإسلامي في الحرم القدسي".

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" أفادت، في وقت سابق، بأن إدارة "ترامب" تتجه لقرارات من شأنها "توريط" إدارة "بايدن" في تبعات استراتيجية وحصارها في مربع رد الفعل؛ ما يعني تقويضا عمليا لسياسة الرئيس الديمقراطي الخارجية.

وقبل أيام، تحدثت تقارير إعلامية أمريكية عن أن "ترامب" الذي تنتهي ولايته في يناير/كانون الثاني عام 2021، استطلع آراء عدد من مستشاريه وكبار المسؤولين بشأن إمكانية "التحرك" في غضون أسابيع ضد موقع نووي إيراني.

تمهيد ثنائي

الرحلة التي أجراها "نتنياهو" إلى نيوم إذن جاءت في سياق التحضير لتوقعات سعودية بأخبار سيئة قادمة من إدارة "بايدن"، ورسالة إلى تلك الإدارة بأن "هناك حليفين قويين بالمنطقة يتقاربان معا"، حسبما نقلت "فورين بوليسي" عن الباحث في العلوم السياسية بجامعة بار إيلان الإسرائيلية "جوشوا تتيلباوم".

فـ"بن سلمان"، الذي يعتبر أحد أكبر المنتفعين من سياسة "ترامب"، يحاول تحصين نفسه عبر تعزيز العلاقة مع إسرائيل، في وقت تكشف فيه عديد الإشارات عن تجاهل إدارة "بايدن" له باعتباره لاعبا منبوذا.

وبحلول 20 يناير، قد تتبع واشنطن سياسة خارجية مختلفة في الشرق الأوسط؛ حيث تحدث "بايدن" بشكل مفتوح عن إعادة النظر بعلاقات الولايات المتحدة مع السعودية، في ضوء جريمة قتل "خاشقجي"، ويمثل الكشف عن مسؤولية "بن سلمان" الشخصية في هذه القضية تقويضا لأي شرعية يتوق إليها الطامح إلى العرش السعودي محليا ودوليا، حسبما يرى الباحث بالمركز العربي "عماد حرب".

ويشير "حرب"، في السياق ذاته، إلى أن ولي العهد السعودي مقتنع بأهمية الحماية الأمريكية والإسرائيلية من "الانتقام"، الذي يترصده خصومه داخليا وخارجيا، وهو اقتناع يدعمه الإماراتيون والبحرينيون، الذين ينظرون إلى علاقاتهم مع إسرائيل باعتبارها "وثيقة تأمين"، حسب تعبيره.

من هنا يمكن قراءة مسارعة "بن سلمان"، الشهر الماضي، لفتح قنوات اتصال مع "بايدن"، عبر تكليف وجهه إلى السفير السعودي السابق في واشنطن، الأمير "بندر بن سلطان"، باعتبار أن الأخير لديه دائرة واسعة من الأصدقاء بين المسؤولين الأمريكيين المخضرمين، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفقا لما نقله موقع "تاكتيكال ريبورت"، المعني بشؤون الاستخبارات، عن مصادره.

ورغم أن هكذا اتصالات دفعت "بن سلمان" للقول إن "بايدن" سيسعى للحفاظ على المصالح الأمريكية في السعودية، والتي تقوم على العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية، إلا أنها فشلت في الحد من مخاوف ولي العهد بشأن سياسات الرئيس الأمريكي الجديد، حسب المصادر.

ثمة إشارات أخرى على أن موقف "بايدن" من "نتنياهو" ليس إيجابيا بالضرورة؛ إذ لا يزال خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام الكونجرس عام 2015 والذي تحدث فيه ضد المحادثات مع إيران حاضرا، ونُظر إليه على أنه ضربة وقحة للرئيس "باراك أوباما" الذي كان "بايدن" آنذاك نائبا له.

وهناك تطورات في إسرائيل لا تبشر بالخير لـ"نتنياهو"؛ إذ أطلق شريكه في الحكومة، وزير الحرب "بيني جانتس"، تحقيقا في فساد محتمل في صفقة شراء غواصات بقيمة ملياري دولار من ألمانيا، شارك فيها مقربون من رئيس الوزراء؛ ما يعني أن إدارة "بايدن" قد تفضل التعامل مع حكومة يرأسها "جانتس" مستقبلا.

ويعزز من هذا الترجيح أن هيئة البث الإسرائيلية أكدت أن "جانتس" لم يكن على علم بزيارة "نتنياهو" لنيوم، وهو ما صدقه الأخير بانتقاده تسريب الأنباء عن لقاء "نتنياهو" مع "بن سلمان"، ووصفه بأنه "عمل غير مسؤول"، حسبما نقلت القناة "13" الإسرائيلية.

وقرأ عديد المراقبين تصريحات "جانتس" في إطار صراع وزير الحرب مع رئيس الوزراء عبر تقديم نفسه لإدارة "بايدن" باعتباره الشخص المناسب لاستئناف صيغة تفاوض مع الفلسطينيين.

وعليه فإن "نتنياهو" صاحب مصلحة أيضا في المضي قدما في تعميق العلاقات مع "بن سلمان"؛ تحسبا لخفض مستوى دعم الإدارة الأمريكية للحكومة الإسرائيلية من جانب، ولمواجهة ما تراها دولة الاحتلال "مخاطر" لعودة الولايات المتحدة إلى مربع الاتفاق النووي مع إيران من جانب آخر.

ولذا خلصت صحيفة "جروزاليم بوست" الإسرائيلية إلى أن المشاركين في لقاء نيوم أرادوا أن يعرف الناس باجتماعهم دون تحمل تبعات سياسية رسمية، كما أرادوا بث رسالة إلى شخص واحد على وجه الخصوص هو "بايدن".

ورقة مساومة

وتعود الرغبة في عدم تحمل تبعات رسمية للقاء إلى ما نقلته هيئة البث الإسرائيلي، الثلاثاء، عن مصدر سياسي إسرائيلي كبير، بشأن تأكيد السعوديين في لقاء نيوم على أن الظروف غير مواتية في هذه المرحلة لتوقيع اتفاق تطبيع رسمي.

فـ"بن سلمان" يحتفظ بورقة التطبيع الرسمي على الطاولة للمساومة في حال تضييق الخناق عليه أمريكيا؛ إذ أن فتح علاقات دبلوماسية مع إسرائيل هو السبيل الذي قد يعيد تأهيل ولي العهد السعودي لدى إدارة "بايدن"، حسبما أفادت صحيفة "نيويورك تايمز".

هذا ما يقف وراء عدم عقد اللقاء بين "نتنياهو" و"بن سلمان" في الرياض، والتوافق الضمني بينهما على "تسريبه" وعدم الإقرار به في الوقت ذاته.

وهو ما علق عليه المحلل العسكري "رون بن يشاي"، في مقال نشره بموقع "واينت" العبري بقوله: "عُقد (اللقاء) في مدينة البحر الأحمر الساحلية؛ بحيث لا يمكن النظر إليه كلقاء رسمي للاعتراف بإسرائيل، لكن الزيارة السرية المسربة تخدم صورة نتنياهو وكذلك صورة بن سلمان".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات