السبت 28 نوفمبر 2020 07:14 ص

رحيل الصادق المهدي: نهاية مرحلة؟

سيستمر إرث الصادق كما إرث جدّه المقاتل ضد الاستعمار الإنكليزي في أشكال من الصراع مع أنظمة استبداد تناهبت مصير السودان.

لم تستطع أنظمة الاستبداد كسر جذوة الثورة وإرادة السودانيين في نظام يعبّر عن تنوعهم ويحافظ على حرياتهم السياسية وحقوقهم.

*     *     *

يصعب أن يتمثّل التاريخ السوداني الحديث في شخص أكثر من تمثّله في الصادق المهدي، رئيس الوزراء السوداني الأسبق، رئيس حزب الأمة القومي، الذي توفّي عن 85 عاما الأربعاء الماضي، بعد جنازة رسمية في مطار الخرطوم حضرها كبار المسؤولين، وتشييع آلاف المواطنين لجثمانه، أمس الجمعة، إلى مثواه الأخير في مدينة أم درمان، ليدفن وسط إجراءات أمنية وحضور جماهيري كبير.

ينتمي المهدي إلى عائلة جمعت بين التصوّف والانخراط المباشر في السياسة، فجدّه الأكبر محمد أحمد المهدي علم بارز فيها، كونه الزعيم الذي أسس للدعوة، التي تحوّلت إلى طائفة.

وقاد الثورة المهدية التي قامت ضد مظالم الحكم المصري تحت الوصاية الإنكليزية في السودان، والذي تمكن من هزيمة القوات الحكومية والسيطرة على السودان، وقام خلفه، عبد الله التعايشي، بعدها بمحاولة غزو مصر، وهو ما ردت عليه الإمبراطورية البريطانية بغزو السودان مجددا وهزيمة المهديين.

يمكن تتبع آثار هذه الأحداث القديمة نسبياً على سيرة الصادق، بجمعه بين الزعامة التقليدية الموروثة من أجداده، مع النشاط السياسيّ المستمر، والصراع الطويل مع أنظمة الحكم المستبدة، بدءا من معارضته لنظام الفريق إبراهيم عبود، الذي قاد الانقلاب العسكري الأول في البلاد عام 1958، ثم مع نظام جعفر نميري عام 1969، ثم مع نظام عمر البشير منذ عام 1989.

تشكّلت حياة المهدي، ضمن سياق من الانقلابات ومحاولات الحكم المدني الديمقراطي وأعوام السجن والنفي، فقد رأس الجبهة القومية المتحدة، وهو في عمر 25 عاما، وانتخب رئيسا لحزب الأمة بعد 3 أعوام إثر وفاة والده.

ولعب دورا مهما في توحيد الاتجاهات السياسية مما ساهم في سقوط الحكم العسكري وقيام حكومة انتقالية كان رئيسا لها (بين 25 تموز/يوليو 1966 وأيار/مايو 1967) كما كان ممن واجهوا الانقلاب الثاني عام 1969 فاعتقل ونفي لمصر ثم اعتقل مجددا وتعرّض أنصاره لمجزرة استشهد فيها عمّه الهادي، الذي كان إمام الأنصار.

كما أعيد اعتقاله بعد إطلاقه لأشهر، ثم غادر البلاد ليقود جبهة معارضة في المهجر، ليعود مجددا بعد ثورة شعبية عام 1985، ليحكم مجددا كرئيس وزراء بعد انتخابات عامة، قبل أن يتعرّض الحكم المدني والديمقراطية لنكسة جديدة مع الدكتاتورية الثالثة عام 1989، واعتقاله والتنكيل به.

ليعود للالتحاق بالمعارضة السودانية في الخارج، وإلى تأييده الثورة الشعبية ضد حكم البشير وتمثيل حزبه في قوى الحرية والتغيير التي قادت الانتفاضة وشكلت الحكومة، كانت آخر مواقفه السياسية معارضته للتطبيع مع إسرائيل.

يصعب تلخيص سيرة الصادق المهدي، فهي تجمع بشكل فريد بين التقليديّ والحديث، فهناك، على الجانب التقليدي، علاقة وثيقة بين إمامة الطائفة وزعامة الحزب، ويجري توريث هذه الإمامة والزعامة ضمن العائلة نفسها (يجري الكلام حاليا عن وجود وصيّة له بهذا الخصوص وعن إمكانية توريث الزعامة لابنه عبد الرحمن، أو لابنته مريم، كما ورث هو الزعامة عن أبيه).

وهناك، على الجانب الحديث، النضال المستمر عبر عقود طويلة لتكريس الحكم المدني القائم على الديمقراطية والانتخابات، ومساهمة دائمة في الصراع مع النظم العسكرية، على اختلاف أيديولوجياتها.

بهذا المعنى، فإن إرث الصادق، عبر سيرته ونضاله السياسي وكتبه، وكذلك عبر من سيرثون دوره، سيستمر، كما استمر إرث جدّه المقاتل ضد الحكم المصري والاستعمار الإنكليزي، بالتعبير عن نفسه في أشكال مماثلة من الصراع مع أنظمة الاستبداد التي تناهبت مصير السودان!

لكنها لم تستطع كسر جذوة الثورة وإرادة السودانيين في نظام يعبّر عن تنوعهم ويحافظ على حرياتهم السياسية وعلى حقوقهم كبشر.

المصدر | القدس العربي