الجمعة 4 ديسمبر 2020 01:31 ص

كان أحد القرارات الأولى في السياسة الخارجية لـ"دونالد ترامب" كرئيس هو إعطاء الضوء الأخضر لغارة أمريكية في اليمن. وكانت تلك العملية، التي وقّع عليها على العشاء، خطيرة ومتهورة وسيئة التخطيط، حيث أدت إلى مقتل مدنيين يمنيين بينهم 10 أطفال وجندي أمريكي.

والآن، بينما يستعد "ترامب" لترك منصبه، يبدو أنه مستعد لارتكاب خطأ آخر غير ضروري في اليمن حيث تسعى إدارته هذه المرة إلى تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية. وستؤدي هذه الخطوة إلى أضرار للمدنيين اليمنيين ومحادثات السلام، وفي النهاية للأمن القومي الأمريكي. كما سيؤدي هذا التصنيف إلى عرقلة سياسة الرئيس المنتخب "جو بايدن" وربما يكون ذلك هو أحد الدوافع الرئيسية لجزء من فريق "ترامب".

كانت الولايات المتحدة خلال معظم السنوات الست الماضية - في ظل كل من إدارتي "أوباما" و"ترامب" - متواطئة في حرب السعودية الوحشية والدموية في اليمن. ودربت الولايات المتحدة الطيارين السعوديين، وباعت للمملكة أسلحة بمليارات الدولارات، وقامت بإعادة التزويد بالوقود في الجو للطائرات السعودية أثناء رحلات القصف إلى اليمن، مما أدى إلى سقوط عدد صادم من الضحايا المدنيين. وتتحمل الولايات المتحدة على الأقل بعض المسؤولية عن تلك الوفيات.

وعندما أعلنت السعودية عن بدء الحرب - التي أسمتها "عاصفة الحزم" - لم يكن ذلك من الرياض، بل من واشنطن، مما يشير إلى أهمية الدعم الأمريكي. وردت الولايات المتحدة في ذلك المساء بالإعلان عن تشكيل خلية استخبارات مشتركة في الرياض. وأخبر مسؤولون سعوديون إدارة "أوباما" أن الحرب ستستغرق حوالي 6 أسابيع، ولكنها الآن في عامها السادس. وخلال هذه السنوات، تراكمت أعداد القتلى بشكل أسرع مما يمكن للمنظمات الدولية أن تحصيها. وتصف الأمم المتحدة أزمة اليمن بأنها "أسوأ أزمة إنسانية في العالم". 

ومثل السعوديين، فإن أيدي الحوثيين ملطخة بالدماء في اليمن. لقد أخفوا المعارضين، وعذبوا السجناء، واستخدموا العنف الجنسي كسلاح للترهيب والسيطرة. كما أن الحوثيين مدعومون من إيران، التي قدمت لهم الصواريخ في انتهاك لقرارات الأمم المتحدة. وفي الشهر الماضي فقط، أرسلت إيران سفيراً إلى الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون، كاعتراف فعلي بالحوثيين كدولة قومية.

وتعد علاقات الحوثيين بإيران هي السبب وراء مسعى إدارة "ترامب" في اللحظة الأخيرة لتصنيف الجماعة على أنها منظمة إرهابية أجنبية، حيث يعتقد "ترامب" ووزير الخارجية "مايك بومبيو" - بتشجيع قوي من ولي العهد "محمد بن سلمان" - أن النهج المتشدد من قبل الولايات المتحدة سيجبر الحوثيين على التنازل أو الاستسلام. ولكن هناك العديد من المشاكل مع هذا النهج تحول دون نجاحه.

وسيؤدي تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية إلى منع أعضائها من السفر إلى الولايات المتحدة وتجميد الأصول المالية للجماعة. لكن 3 من كبار قادة الحوثيين، بمن فيهم زعيم الجماعة "عبدالملك الحوثي"، يخضعون بالفعل لعقوبات الأمم المتحدة، والتي تشمل حظر السفر وتجميد الأصول. لقد عملت لمدة عامين - من 2016 إلى 2018 - في لجنة الأمم المتحدة التي راقبت هذه العقوبات في اليمن. ومما وجدناه أن قيادة الحوثيين لا تسافر إلى الخارج وليس لدى الجماعة أصول دولية لتجميدها. وبالعكس، فإن العقوبات التي استهدفت الحوثيين والرئيس الراحل "علي عبدالله صالح"، كان لها نتائج غير مقصودة في تعزيز دور الحوثيين.

لقد أضعفت العقوبات "صالح"، الذي كان لديه بالفعل أصول دولية لتجميدها، وحرمته وشبكاته من الأموال التي تشتد الحاجة إليها، وقوضته في نهاية المطاف لدرجة أن الحوثيين استطاعوا أن يقتلوه ويعززوا سيطرتهم في الشمال. ويمكن القول إن العقوبات تضر بالأشخاص الخطأ في اليمن.فالحوثيون لا يتأثرون بشكل كبير بنقص الغذاء والدواء، بينما يعاني المدنيين اليمنيين.

وسيؤدي وضع الحوثيين على قائمة الإرهابيين إلى قطع المساعدات الإنسانية عن حوالي 16 مليون شخص يعيشون تحت سيطرة الحوثيين. ويعتمد الكثير من هؤلاء على المساعدات الخارجية للبقاء على قيد الحياة. (كتبت عدة منظمات إنسانية رسالة إلى بومبيو في 16 نوفمبر/تشرين الثاني، تحثه على إعادة النظر في التصنيف). وإذا ضغط "بومبيو" باتجاه التصنيف على أي حال، فستكون الولايات المتحدة مسؤولة بشكل مباشر عن الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

كما أن التصنيف سيعرقل محادثات السلام. لم تنجح الأمم المتحدة – وهذا ثالث مبعوث خاص لها خلال 6 سنوات - في إقناع الأطراف المتصارعة بالتوصل إلى اتفاق. لكن ليس من المفيد لأي محادثات سلام وصف الجانب الذي يربح حاليًا على الأرض بأنه جماعة إرهابية.

وفضلا عن ذلك، فإن هذه الخطوة في نهاية المطاف تحمل أضرارا للأمن القومي الأمريكي. ففي الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بسحب قواتها في العراق وأفغانستان، في محاولة لإنهاء الحروب، يجب ألا تغامر بحثًا عن أعداء جدد.

ويعتبر الحوثيون ميليشيا نفذت تمردا داخليا وليسوا منظمة إرهابية عالمية، ولا ينبغي لأحد - ولا سيما وزير الخارجية - أن يخلط بين الاثنين. ويجب أن نتعلم من دروس الماضي فقد خاضت السعودية حرب اليمن لأنها كانت تخشى تحول الحوثيين إلى وكيل لإيران. لم يكونوا كذلك في السابق، لكن بعد ما يقرب من 6 سنوات من الحرب، أصبح الحوثيون وإيران أقرب من أي وقت مضى، حيث يتبادلون السفراء والتدريب في ساحة المعركة.

لم يستهدف الحوثيون الأمريكيين في هجمات إرهابية، لكن ذلك قد يتغير بعد تصنيف الولايات المتحدة. وبالفعل، فقد سحبت الأمم المتحدة ومنظمات إغاثة أخرى هذا الأسبوع، أكثر من 10 موظفين أمريكيين من الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون.

لا تزال الولايات المتحدة ترتكب نفس الخطأ وهو تحويل الخصم إلى عدو. وبعد ما يقرب من عقدين من مكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم، ينبغي على الولايات المتحدة أن تتطلع إلى تضييق نطاق الجماعات التي تستهدفها، لا أن تعمل على  توسيعها.

وفي النهاية، فإن اليمن ليس بحاجة إلى تصنيف إرهابي آخر، ولكنه بحاجة إلى نوع من الدبلوماسية الإبداعية والاستباقية التي غابت في عهد إدارة "ترامب".

المصدر | جريجوري جونسن/ لوفير بلوج - ترجمة وتحرير الخليج الجديد