الجمعة 4 ديسمبر 2020 10:22 م

سيتعين على الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن" التعامل بشكل مختلف مع ملف ليبيا التي لا تزال تعاني من الفوضى بالرغم من المناورات السياسية العديدة الجارية بين الليبيين والداعمين الخارجيين للأطراف المختلفة.

ومن العمليات الدبلوماسية الواعدة "منتدى الحوار السياسي الليبي"، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، والذي عُقد في العاصمة التونسية تونس.

وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أشادت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بالتقدم في عملية السلام الوليدة وأعلنت أن المشاركين الليبيين الـ 75 الذين اجتمعوا في تونس وافقوا مبدئيا على خارطة طريق نحو الانتخابات بحلول 24 ديسمبر/كانون الأول 2021، عيد الاستقلال.

ومع ذلك، غطى هذا الوصف الاحتفالي على الخلافات التي شهدتها مداولات الأطراف الليبية، وهشاشة أسس المحادثات، والأهم من ذلك، التأثير بعيد المدى لذلك والذي قد يؤدي لانهيارها.

وفي تعليق بعد الحوار، شبّهت "ستيفاني ويليامز"، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، بعض الفصائل التي لا يهمها سوى مصالحها الذاتية من النخبة السياسية الليبية بـ "الديناصورات السياسية" التي تخاطر بالانقراض إذ تنأى بنفسها عن المفاوضات الجارية.

ويشترك الكثيرون في الشعور بأن النخبة الليبية أصبحت بالفعل عبئا سياسيا، وتشير العديد من السوابق بالفعل إلى أن الاعتماد عليها لتحقيق التوافق يعتبر استراتيجية مدمرة.

ومع ذلك، فإن المنطق وراء إجراء المحادثات والتخطيط للانتخابات واضح.

فقد أنتجت الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2014 مؤسسات سياسية واقتصادية موازية، وأدخلت البلاد في حالة من الاستقطاب الاجتماعي الشديد، وأدت بحكم الأمر الواقع إلى كسر مفهوم الشرعية في ليبيا.

وكان الفراغ الذي طال أمده بسبب التدخل المستمر من اللاعبين الإقليميين، مفيدا لمجموعة ضيقة من النخب الليبية التي تسعى لتحقيق مصالح شخصية.

وما كان بالفعل واقعا غير مستدام أصبح وضعا راهنا مربحا وافقت هذه النخبة بشكل غير رسمي على الحفاظ عليه، حتى إذا كان الثمن عدم الاستقرار والجريمة والعنف.

فقبل انتشار جائحة "كوفيد-19" كانت هذه النخبة تركز بشكل أساسي على إفساد وإعاقة محاولات الوساطة أو إعادة التوحيد السياسي لصالح أجنداتها الخاصة.

  • ملحمة هجوم طرابلس

وربما كان إطلاق الجنرال "خليفة حفتر" هجوما مفاجئا في 4 أبريل/نيسان 2019 للاستيلاء على العاصمة الليبية طرابلس هو أعلى مراحل العنف والأنانية، وهو مثال على مدى إفلاس النخبة أخلاقيا.

وبقيامه بذلك، لم يدمر الجنرال أعواما من الدبلوماسية فحسب؛ بل أفسد مؤتمرا وطنيا للأمم المتحدة تم التخطيط له بعد أيام من هجومه، فضلا عن إلحاقه الضرر عمدا بما يقرب من نصف سكان ليبيا الذين يقيمون في العاصمة.

وكان "حفتر" قد تلقى الضوء الأخضر من قبل "جون بولتون"، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في إدارة "ترامب".

وعسكريا، تلقى "حفتر" الدعم من الإمارات بأسلحة ثقيلة وطائرات بدون طيار صينية الصنع.

وقدمت السعودية الأموال اللازمة لاستمالة القوات التي نشرها "حفتر" باتجاه طرابلس تحت مسمى الجيش الوطني الليبي، بينما كانت فرنسا تحمي الجنرال المارق من أي تداعيات سياسية لمحاولته الاستيلاء على السلطة.

وكان "حفتر" قد خدع الدبلوماسيين الذين قاموا بتسويقه باعتباره الحل السحري وحاولوا دمجه في ترتيب لتقاسم السلطة لم يكن يريده أبدا.

ومع ذلك، فإن تواطؤ المجتمع الدولي في هجوم"حفتر" على طرابلس، قوبل برفض الشعب الليبي العودة إلى الاستبداد؛ حيث احتشد المدنيون في غرب ليبيا وانضموا إلى الجماعات المسلحة لمواجهة الهجوم بسرعة. 

وبعد أشهر، تطور القتال من حرب بالوكالة خاضها الليبيون بدعم دولي إلى حرب كانت الدول الأجنبية هي المحرك الرئيسي فيها.

وبعد انتشار المرتزقة الروس التابعين لـ"فاجنر" في ضواحي طرابلس في سبتمبر/أيلول 2019، عززت تركيا تدريجيا تدخلها الحاسم.

وتفاوضت أنقرة على انسحاب مرتزقة "فاجنر" من طرابلس مباشرة مع "بوتين"، وهو تطور مكّن القوات المناهضة لـ"حفتر" من طرد فلول الجيش الوطني الليبي من غرب ليبيا تماما.

وأدى الهجوم المضاد الناجح إلى إنهاء الحرب على طرابلس، لكنه أدى إلى وضع سياسي وعسكري أكثر خطورة في ليبيا.

وتراجعت الوحدات المتحالفة مع الجيش الوطني الليبي باتجاه مدينة سرت الساحلية وقاعدة الجفرة الجوية العسكرية في وسط ليبيا.

وفي كلا المكانين، استغل المرتزقة الروس ضعف موقف "حفتر" واعتماده على الدعم الأجنبي لتوسيع نطاق وجودهم بشكل كبير.

وقامت مجموعة "فاجنر"، إلى جانب مرتزقة سوريين تم نقلهم من مناطق يسيطر عليها نظام "بشار الأسد"، بترسيخ أنفسهم من خلال بناء وتحصين هياكل دفاعية في سرت والجفرة.

كما ضاعف الداعمون التقليديون لـ "حفتر"، الإمارات ومصر، دعمهم لـ"الجيش الوطني الليبي".

وعملت القاهرة مع موسكو على تدريب وإعادة تنظيم الوحدات الأساسية في قوات "حفتر".

وفي المقابل، ضاعفت تركيا أيضا من وضعها في غرب ليبيا، حيث تحتفظ القوات الموالبة لها بوجودها في الواطية ومصراتة وفي القواعد العسكرية في ضواحي طرابلس.

وتعمل أنقرة على توسيع نطاق تعاونها مع وزارتي الداخلية والدفاع التابعتين لحكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس من خلال تدريب القوات الليبية، وهو مسعى تكمله الجهود الدبلوماسية للتوسط في الاتفاقات التي ستشهد قيام الشركات التركية بتوسيع عملياتها في ليبيا.

وفي ظل هذه الخلفية، التي لا يمكن وصفها إلا على أنها صراع محتدم، استضاف منتدى الحوار السياسي الليبي دورته الأولى.

وكانت القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تقف موقف المتفرج على مدى أكثر من 16 شهرا تسببت فيها القوى الإقليمية في إحداث اضطرابات على أعتاب أوروبا نتيجة لرغبة قصيرة النظر في استيعاب ديكتاتور طموح وعصابة من المستبدين الداعمين له.

  • إنقاذ المحادثات السياسية الليبية ومستقبل البلاد

وبنظرة واقعية، لن تنجح المحادثات الليبية الحالية بتجنب التصعيد في المدن الليبية مثل طرابلس أو بنغازي أو سبها أو غدامس أو سرت فقط، بل لابد أن يشمل ذلك أبوظبي وأنقرة والقاهرة وموسكو وبروكسل وواشنطن.

ولا يجوز التأكيد على أهمية الحل الليبي دون ذكر الانتهاكات المتسلسلة المستمرة لحظر الأسلحة من قبل القوى الإقليمية والعالمية وهو الأمر الذي ساعد الفاعلين الأجانب على تقسيم ليبيا ودفعها إلى الخراب.

ويبقى الفاعل الدولي الوحيد الذي يمكنه أن يمارس ضغطا دبلوماسيا على اللاعبين المحليين والإقليميين بشكل هادف وحاسم هو الولايات المتحدة.

وبهذا المعنى، فإن إدارة "بايدن" القادمة لديها فرصة لتصحيح أخطاء سابقتها، ولو من خلال تبني نهج أكثر براجماتية في سياستها تجاه ليبيا.

وفي حين أن هناك فرصة ضئيلة أو معدومة لأن تصبح ليبيا أولوية في السياسة الخارجية للإدارة الجديدة، فإن مجرد إلزام الدول الأجنبية بالتزاماتها المتفق عليها مسبقا في ليبيا سيكون بالفعل تقدما في مسار عمل السياسة الأمريكية.

وفي الوقت الحاضر، وصلت الأطراف المحلية والمتدخلون من الدول الأجنبية إلى طريق مسدود، وهو ما تسعى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى استغلاله وتحويله إلى حل سياسي لكن ذلك يستخدم في التعتيم عن عمد على حقيقة أن الدول الأجنبية تواصل رعاية الأطراف الليبية سياسيا وعسكريا في نفس الوقت لتدمير أي اتفاقية لا تتوافق مع مصالحهم.

لذلك يجب أيضا كسر هذه الدائرة من قبل واشنطن إذا كانت لديها الرغبة في حماية المفاوضات.

وسيتطلب التعامل مع هذه المخاطر مستوى متزايدا من التنسيق بين واشنطن وبروكسل، وهو ما تتمتع به إدارة "بايدن".

وفي الواقع، سيكون للإدارة الأمريكية القادمة مصلحة في توحيد آفاق السياسة الخارجية للكتلة الأوروبية وكبح الأفكار المتباينة.

ويمكن استغلال وجود العديد من المتحدثين الفرانكفونيين داخل مجلس الوزراء الذي أعلنه "بايدن"، وأبرزهم وزير الخارجية الجديد "أنتوني بلينكين"، كجزء من محاولة لتصحيح مسار السياسة الخارجية الفرنسية المقلقة تجاه ليبيا.

وفي الواقع، تركت باريس لسبب غير مفهوم صواريخ مضادة للدبابات متطورة أمريكية الصنع في إحدى القواعد الأمامية الرئيسية لـ "حفتر" في يوليو/تموز 2019.

وقوّض قصر الإليزيه باستمرار محاولات أوروبا لتطوير سياسة جماعية تجاه ليبيا.

ومن الأفضل لواشنطن أن تحد من نزعات باريس الأحادية.

وسوف يسمح مثل هذا الجهد الدبلوماسي لسياسة أوروبية أكثر عقلانية بالتبلور تجاه كل من ليبيا والمسارح الجيوسياسية الأخرى، مثل شرق البحر المتوسط.

وبالنظر إلى الوضع المتقلب في ليبيا، إلى جانب الخطر المتزايد من تجدد المواجهة المسلحة بين "حفتر" وحكومة الوفاق الوطني، سيتعين على الإدارة الأمريكية القادمة أن تتدخل بشكل فعال.

ويجب على "بايدن" زيادة مستوى المشاركة في دعم الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة.

ويمكن تحقيق ذلك بشكل أفضل من خلال تعيين مبعوث رفيع المستوى للمساعدة في إنشاء عملية جديدة تعالج المطالب الحقيقية للأطراف المحلية وخلق مناخ بناء من شأنه أن يدعم إجراء الانتخابات الوطنية.

وقد انتهت الجولة الأولى من محادثات منتدى الحوار في تونس دون التوصل إلى اتفاق شامل يقود إلى تعديل في السلطة التنفيذية، الأمر الذي كانت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا تأمل أن تتمكن من التوصل إليه.

ولا ينبئنا هذا فقط بمدى انفصال النخبة الليبية عن الجماهير التي تتوق إلى التغيير، ولكن أيضا يشير إلى حقيقة أن الانقسام وعدم النزاهة على المستوى الدولي ينعكسان على مستوى المحادثات السياسية.

وقد يساعد وجود مبعوث أمريكي فعال في استعادة مصداقية العملية بين المواطنين الليبيين، الذين فقد الكثير منهم الثقة في المجتمع الدولي وآفاق الديمقراطية.

وبمجهود بسيط، تستطيع الولايات المتحدة فعليا إخضاع النخبة السياسية في ليبيا لضغط شعبي قوي مما يضع ضغوطا عليهم وعلى داعميهم الأجانب، ويؤدي بدوره إلى خلق سبيل للتغيير المطلوب بشدة.

وتظل كل من روسيا وتركيا ذات تأثير كبير في أي نتيجة تفاوضية من شأنها أن تكسب الجهات الفاعلة الدولية الأخرى نفوذا أو يمنحها دورا من شأنه أن يقلل من النفوذ الحاسم الذي يتمتعان به اليوم.

وهذا هو السبب الأساسي وراء استثمار أنقرة وموسكو في ترسيخ نفوذهما في قطاع الأمن من خلال تدريب القوات الليبية وتجهيزها.

ولموازنة اعتماد الفاعلين الليبيين على مخططات "إصلاح قطاع الأمن والقوات المسلحة"، ستتجه إدارة "بايدن" للترويج لمخطط فني لتوحيد الجيش الليبي في إطار التحضير للانتخابات.

وقد يتزامن ذلك مع ضغوط على كل من تركيا والإمارات لإعادة المرتزقة السوريين إلى الوطن ووقف تحويل الأموال ونقل السلاح.

وهناك طريقة أخرى للضغط على موسكو قد تقوم بها إدارة "بايدن" من خلال "قانون استقرار ليبيا" الذي أقره مجلس النواب الأمريكي لفرض عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية على الجهات الفاعلة الليبية والإقليمية التي ثبت تورطها في تمكين وترسيخ "فاجنر" في شرق ووسط ليبيا.

ومن شأن هذا أن يقطع شوطا طويلا نحو تجنب انهيار المنتدى أو الحوار الأمني ​​الذي تقوم عليه فرضية المحادثات السياسية.

  • منتدى الحوار السياسي

ويعتبر منتدى الحوار السياسي الليبي فرصة نادرة للغاية لوضع إطار حقيقي لتسوية المنازعات وطاولة تفاوض لخطوط العملية الليبية التي تؤدي إلى الإصلاح السياسي الحقيقي وإعادة توحيد المؤسسات.

ومع إصلاح هذه الانقسامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تدريجيا، ربما تتوج العملية بانتخابات من شأنها أن تعيد الشرعية.

ومع ذلك، لا ينبغي للجهات الفاعلة الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة، أن تتوقع أن تعديل السلطات التنفيذية سيكون تكتيكا كافيا لجعل هذه الخطة تؤتي ثمارها.

ويعد التعلم من أخطاء الماضي أثناء التكيف مع الوضع الاجتماعي والسياسي والعسكري المعاصر أمرا أساسيا إذا كانت العملية ستمضي قدما.

وبشكل عام، بالإضافة إلى المشاكل الداخلية التي لا حصر لها التي سترثها إدارة "بايدن"، والتي يتعين إدارتها بشكل خلاق، فإن السياق الدبلوماسي المحيط بليبيا في يناير/كانون الثاني 2021 هو السياق الذي سيتعين على البيت الأبيض التكيف معه أيضا.

المصدر | عماد بادي وكريم مزران/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد