الاثنين 7 ديسمبر 2020 10:52 م

أثار اغتيال مهندس البرنامج النووي الإيراني "محسن فخري زاده" شبح حدوث صراع كبير في الفترة التي تسبق تنصيب الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن" في يناير/كانون الثاني المقبل.

ويأتي هذا في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط غير مسبوقة في الداخل؛ مع مواجهة التداعيات الاقتصادية لحملة "أقصى ضغط" لإدارة "ترامب"، وفي المنطقة؛ حيث تكافح طهران لحماية نفوذها في دول رئيسية مثل العراق وسوريا.

كما تعرضت إيران مؤخرا لموجة من الضربات الجوية، بما في ذلك هجوم قبل نحو أسبوع يُزعم أنه قتل قائدًا بارزًا في فيلق القدس بالقرب من الحدود السورية العراقية.

وجاء ذلك في الوقت الذي فرضت فيه الولايات المتحدة عقوبات جديدة على مجموعة من الشركات الإيرانية يُزعم أنها غطاء لأعمال تخريبية.

ومن المرجح أن تنجو إيران من هذه الأحداث المزعزعة للاستقرار، بالرغم أن قادتها مقتنعون بأن الإدارة الأمريكية (أو البعض داخلها) ترى أن الشهرين المقبلين فرصتها الأخيرة لتصفية سلسلة من الحسابات القديمة مع إيران.

وحتى لو كانت طهران تتعرض لضغوط لدفعها إلى حافة الهاوية، فإنها ما تزال في وضع قوي يمكنها من استجماع نفسها بينما تشق إدارة "ترامب" طريقها نحو الرحيل.

معضلة إيران الحالية

على مدار عقود، ظلت إيران تعتقد أن الولايات المتحدة تسعى إلى زوال نظام الجمهورية الإسلامية الذي تأسس في عام 1979، لكن فكرة هجوم أمريكي كبير على الدولة أو حلفائها أصبحت أوضح فأوضح خلال العام الماضي.

ويُنظر إلى اغتيال "فخري زاده" على أنه مؤشر على النوايا الأمريكية، حيث يأتي بعد أيام فقط من اجتماع إسرائيلي - سعودي - أمريكي، أوردت الأنباء أنه تم في السعودية سرا.

 كما يأتي بعد 10 أيام من ورود تقارير تشير إلى أن "ترامب" كان على وشك مهاجمة إيران مباشرة قبل أن يبحث بدلاً من ذلك عن طرق لضرب أصول إيران وحلفائها في أماكن أخرى.

 وهكذا تواجه القيادة في إيران معضلة خطيرة في بيئة غير مستقرة.

اعتمدت طهران تاريخيًا على وجود القوات الأمريكية بالقرب منها كفرصة لردع واشنطن، لكن إدارة "ترامب" أشارت إلى أنها قد تسحب قواتها من العراق وأفغانستان، وهذا من شأنه أن يقلل من قدرة إيران على ضرب القوات الأمريكية، وبالتالي قدرتها على ردع أي هجوم.

ووفقًا لمصادر مقربة من القيادة العراقية، فإن عددًا من قادة الميليشيات في العراق، إلى جانب رعاتهم في طهران، مقتنعون بأن إدارة "ترامب" تبحث عن فرصة أخيرة لتصفية حساباتها مع إيران، وبأن هجومًا أمريكيا سيحدث في حال سحبت واشنطن قواتها.

كما أشارت هذه المصادر إلى أن بعض قادة الميليشيات إما قد اختبؤوا فعليًا أو قللوا انخراطهم العلني بشكل كبير تحسباً لحملة اغتيالات محتملة تستهدف الجماعات المتحالفة مع إيران في المنطقة.

ويمكن لإيران أن تختار امتصاص الضربات أو تنفيذ ضربات انتقامية رمزية في العراق، على سبيل المثال، قد يطلق وكلاؤها وابلًا من الصواريخ التي تسبب أضرارًا محدودة، لكن مثل هذه الخطوة تخاطر بتمهيد الطريق للولايات المتحدة وحلفائها لتصعيد ردهم، مع خلق عواقب يمكن أن تؤدي إلى اشتعال الوضع داخل العراق.

وبدلاً من ذلك، يمكن لإيران أن تبدأ هجومًا استباقيًا موسعًا ضد الولايات المتحدة أو حلفائها بدافع القلق من ضربة أمريكية، وفي هذه الحالة؛ ستستخدم طهران شبكتها التي تعمل بالوكالة لشن سلسلة من الهجمات المتتالية ضد مجموعة من الأهداف الإقليمية، بما في ذلك دول الخليج العربي، وستكون هذه الضربات كبيرة في نطاقها وحجمها، على أمل تجنب هجوم أمريكي كبير.

لكن المفارقة أن ذلك قد يسبب أيضا ضربة مضادة كبيرة من الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما يمثل خطرًا كبيرًا على طهران.

ولكن النظام في طهران قد يشعر بأنه مدفوع نحو هذا الخيار إذا حدثت هجمات أخرى على إيران أو حلفائها في الأيام والأسابيع المقبلة، أو تحقق انسحاب مفاجئ للقوات الأمريكية في العراق، أو موجة اغتيالات بارزة.

الأفضلية الاستراتيجية

لاتزال إيران تمتلك الأفضلية الاستراتيجية في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها بعض الخيارات الصعبة، ومن الصعب معرفة ما الذي تسعى إليه إدارة "ترامب" في نهاية المطاف، بصرف النظر عن سعيها إلى نسف إمكانية التقارب بين الولايات المتحدة وإيران في ظل إدارة "بايدن".

وحتى لو أضعفت واشنطن النظام الإيراني في الداخل وفي المنطقة، وقوضت البنية التحتية لوكلائه، فلا يزال بإمكان إيران الاعتماد على حقيقتين مهمتين:

أولاً، ليس لدى حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، لاسيما السعودية والإمارات، الرغبة في اندلاع صراع كبير، لأنهم في مرمى النار، وهكذا فإن خصوم إيران لا يملكون الجرأة للالتزام بجهد واسع النطاق يستهدف إسقاط النظام في طهران.

ثانيًا: تتمتع إيران بموقف فريد يمكنها من إصلاح وإعادة بناء شبكاتها الإقليمية من الوكلاء، حيث إن لديها روابط معقدة ومتعددة الطبقات بين الأفراد وبين المنظمات، ويدعمها مجموعة متنوعة من مراكز القوة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقد أنشأت إيران مؤسسات موازية قوية ومتجذرة في ظل مؤسسات الدولة الضعيفة والبيئات الأمنية المتقلبة.

كما أسست طهران ميليشيات قوية يمكنها الالتحام حول قيم وأهداف مشتركة تربطها في نهاية المطاف بالجمهورية الإسلامية.

وبرعت إيران في تنفيذ شكل من أشكال صيغة "دولة واحدة ونظامين اثنين" في الدول التي تمزقها الصراعات في المنطقة، حيث يتم إبقاء الدولة ضعيفة عمدا (مثل العراق)؛ ولا تسعى طهران إلى إعادة بناء المؤسسات وفقًا لقواعد ومبادئ بناء الدولة التقليدية.

بالنسبة للغرب مثلًا، قد يعني إصلاح قطاع الأمن إعادة بناء الجيوش الوطنية التقليدية التي تلتزم بالمعايير والقوانين الدولية، أما إيران فقد تختار نهجًا يتمحور حول مجموعة من الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول، دون أن يكون لديها ميل لمواءمة هذا النهج مع المعايير والقوانين الدولية أو تشجيع حلفائها على احترام حقوق الإنسان.

وتؤسس إيران شبكات ومؤسسات موازية للمؤسسات الوطنية، مما يبقي هذه الأخيرة ضعيفة، وهذا يفتح المجال لإيران لإخضاع الهياكل الحاكمة والأنظمة السياسية.

وعلى وجه التحديد، تنشئ إيران الميليشيات والسلطات غير الرسمية أو تتعاون معها، ما يسمح لها بسد واستغلال الفجوات التي تظهر في الدول الهشة، معتمدة على العقيدة الشيعية كحلقة وصل رئيسية؛ حيث تبني إيران شبكات اجتماعية ودينية تتمركز حول العقيدة الشيعية ودعم الثيوقراطية الإيرانية، ومع ذلك، فإن الأيديولوجيا ليست سوى جزء واحد من المعادلة.

استغلال الاضطرابات

لا تدعم إيران أو تنشر وكلاء بشكل انتهازي مبسط كما تفعل الدول الأخرى، وصحيح أنها تشبه خصومها والولايات المتحدة في كونها تتخلى عن الميليشيات وتتوقف عن دعمها إذا لزم الأمر؛ لكنها على عكس منافسيها، تمتلك مهارة فريدة في اختراع الوكلاء وإعادة اختراعهم.

كما أن لدى إيران قدرة ملحوظة على استغلال الانقسامات بين الحركات المحلية التي تتحدى مصالحها، وعلى سبيل المثال، انبثقت "عصائب أهل الحق" - إحدى أقوى الميليشيات الشيعية في العراق- من حركة الميليشيات الصدرية بقيادة "مقتدى الصدر"، وهي الحركة التي عارضت تاريخياً توسع إيران.

وبالمثل، ففي كردستان العراق، بعد استفتاء الاستقلال عام 2017، قسمت إيران القيادة الكردية وحشدت وكلاءها في كركوك ضد البشمركة الأكراد، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى صفقة أبرمتها مع الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يحكم كردستان العراق كجزء من حكومة ائتلافية بقيادة الحزب الكردستاني الديمقراطي.

وتمنح إيران الجماعات الراغبة أموالًا وسلاحًا وراعيًا يعمل كحليف أيديولوجي؛ أما حين لا يكون هناك تحالف أيديولوجي واضح، فإن الورقة الأخرى لإيران هي سجلها المثير للإعجاب في تحويل شركائها إلى قوى سياسية هائلة.

وحاليا، يزدهر شركاء إيران في حين يتعرض حلفاء الولايات المتحدة للهزيمة والإخضاع والإذلال بشكل متكرر من قبل وكلاء إيران، فقد خسرت الجماعات السنية العربية المدعومة من الولايات المتحدة في كل من سوريا والعراق، في كل صراع سياسي وعسكري كبير.

كما أن حلفاء الولايات المتحدة من الأكراد تعرضوا للهزيمة في أكتوبر/تشرين الأول 2017 على يد وكلاء إيران في مدينة كركوك العراقية، حتى مع تمركز القوات الأمريكية في المدينة.

انتصار على المدى البعيد

وهكذا؛ إذا كان هدف إدارة "ترامب" هو زعزعة استقرار إيران وإحداث صدوع في دروعها، فإن هذا النهج القاصر يتجاهل حقيقة أن إيران ماهرة بشكل استثنائي في إصلاح وإعادة بناء بنيتها التحتية الأمنية التي تعزل النظام عن الضرر قصير المدى الذي يلحقه خصومها بها.

ومع ذلك، فإن الجهود المتضافرة من جانب إسرائيل والإدارة المنتهية ولايتها في أمريكا لإحداث أكبر عدد ممكن من الأضرار في البنية التحتية الأمنية (الإقليمية والمحلية) لإيران في الفترة التي تسبق 20 يناير/كانون الثاني المقل يمكن أن تخلق وضعًا جديدًا يتكشف خلال الأربعة أعوام القادمة.

هناك شقان للمنطق الكامن وراء هذه التصرفات، وهما: ضمان ألا تمتلك إيران الرفاهية أو المساحة لاستعادة قدراتها، وتعقيد عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاقية النووية.

وتعتمد إيران على تقديرات مبالغ فيها لقوتها العسكرية مع هالة أو سحر يحيط ببعض وكلائها بأنهم لا يقهرون، لكن هذه التقديرات تتضاءل بعد كل عملية اغتيال، مع تداعيات خطيرة على السلطة والنفوذ الذي يمكن أن يمارسه وكلاؤها في البلدان المجاورة مثل سوريا والعراق التي تعتبر ضرورية لأمنها على المدى الطويل.

ومع ذلك، قد لا يؤدي النهج الأمريكي إلى النتائج التي تريدها واشنطن، حيث إنه لا يضع في الاعتبار التأثيرات اللاحقة للتأثيرات المباشرة الناجمة عن الضربات الإسرائيلية أو الأمريكية التي تساعد على استمرار بيئات القمع والاضطراب العنيف في الجوار الإيراني، وهي البيئات التي يتمتع الحرس الثوري الإيراني بسجل حافل في استغلالها، كما ترسم إيران من خلالها ملامح ديناميكيات الأمن الإقليمي.

وفي أسوأ الأحوال، سيتعين على إيران أن تتعامل مع احتمال أن يتمكن خصومها من تصفية قيادات برنامجها النووي ووكلائها، لكن القادة في طهران سيشعرون بالارتياح لمعرفة أن خصومهم لن يستطيعوا بسهولة القضاء على المؤسسات والشبكات التي تدعم الأمن القومي الإيراني، سواء في الداخل أو في المنطقة.

المصدر | رانج علاء الدين | معهد بروكينجز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد