الثلاثاء 15 ديسمبر 2020 01:20 ص

لا تعد الخلافات البحرية بين اليونان وتركيا شيئا جديدا، بل تعود نشأتها إلى فترات تأسيس الدولتين.

وتتركز هذه الخلافات في جوهرها على 3 قضايا: الخلاف حول عرض المياه الإقليمية اليونانية، إلى جانب ملكية بعض الجزر في بحر إيجه، ومسألة المناطق الاقتصادية الخالصة للبلدين في شرق البحر الأبيض المتوسط، وأزمة قبرص التي لم يتم حلها.

وبالإضافة إلى هذه الأمور، تتحدث تركيا أيضا عن عدد من القضايا الأخرى، مثل السيادة أو نزع السلاح عن بعض الجزر اليونانية، لا تزال أيضا بدون حل وتحتاج إلى معالجة.

ومن جانبها، ترفض اليونان هذه المطالب بشكل قاطع باعتبارها انتهاكا لسيادتها.

ونظرا لأن هذه النزاعات مرتبطة بالقضايا الأساسية لكلا البلدين، فإن التنازلات والتسويات صعبة بطبيعتها ومكلفة سياسيا، ما يجعل حلها صعبا للغاية.

بالإضافة إلى ذلك، لا يبدو أن الجانبين يتفقان على إطار عمل لمعالجة نزاعاتهما؛ حيث تفضل اليونان التحكيم الدولي، بينما تفضل تركيا المفاوضات الثنائية.

لكن حتى لو وافقت أنقرة على طريق التحكيم الدولي، فإن أول الخلافات فقط هو ما سيُرفع إلى المحكمة الدولية.

وبالرغم من أهمية هذه التفاصيل، لا يوجد شيء جديد في قصة الخلافات البحرية اليونانية التركية، ولا في خلافاتهما حول أطر العمل على حل هذه الخلافات.

وبالرغم من تصاعد التوترات بشكل متقطع، اتخذت هذه النزاعات تقليديا شكل صراع مشتعل ولكنه مجمّد إلى حد كبير.

ولكن يبدو أن هناك فرصة لحل التوترات الحالية، التي تبدو أنها أطول أزمة في العلاقات بين أثينا وأنقرة منذ التدخل العسكري التركي في قبرص عام 1974.

وهنا، يمكن اعتبار تطورين جيوسياسيين رئيسيين، ومجموعتين من التغييرات المنهجية، الدوافع الرئيسية لهذا التوتر الأخير.

العوامل المسببة للأزمة

تتداخل الأسباب التقليدية للتوتر بين تركيا واليونان وقبرص الآن مع مجموعة أخرى من التوترات الجيوسياسية المتشابكة ونزاعات الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط.

وتدور هذه الاشتباكات بين تركيا ومجموعة من الدول، بما في ذلك فرنسا ومصر والإمارات، فقد أدت اكتشافات الطاقة في شرق المتوسط والوضع الليبي إلى تفاقم التوترات طويلة الأمد.

وفي هذه المرحلة، لم يزد عدد الدول المشاركة في أزمة شرق المتوسط ​​فحسب، بل اتسع نطاق الخلافات ليشمل قضايا جديدة، مثل التنقيب عن الغاز والأزمة الليبية.

وفي أعقاب اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، من قبل إسرائيل في عامي 2009 و2010، وقبرص في عام 2011، ومصر في عام 2015، أصبحت مسألة كيفية بيع الغاز إلى أوروبا ملحة، واستند مشروع خط أنابيب شرق المتوسط ​​إلى تعاون أوثق بين اليونان وقبرص وإسرائيل.

وفي يناير/كانون الثاني 2020، تم إضفاء الطابع الرسمي على هذا التعاون الثلاثي في ​​القاهرة مع إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط.

وبالإضافة إلى اليونان وقبرص وإسرائيل، يضم المنتدى أيضا مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وإيطاليا، وأدى مشروع خط الأنابيب المتصور والمنتدى إلى إحساس تركيا بالتهميش، وردت تركيا بتحركات لعرقلة التكتل المناهض لها في شرق البحر المتوسط.

وبالمثل، أدى الصراع الليبي إلى تفاقم الوضع؛ أولا، أصبحت ليبيا ساحة مواجهة بين تركيا ومجموعة من الدول، من بينها مصر والإمارات وفرنسا.

وانحازت كل هذه الدول لليونان في نزاعها مع تركيا، وأصبحت فرنسا القوة الأوروبية الأعلى صوتا في دعم اليونان وقبرص، حتى إنها قامت بعمليات تنقيب عسكرية مع اليونان، وأرسلت حاملة طائرات "شارل ديجول" إلى شرق المتوسط ​​تضامنا مع اليونان، وبالمثل، وقعت الإمارات اتفاقية دفاع مع اليونان.

وفي المقابل، وقعت تركيا مذكرتي تفاهم مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، لتعيين حدود مناطق الاختصاص البحري في البحر الأبيض المتوسط، فضلا عن اتفاقية تعاون أمني ​​وعسكري.

ومن خلال الاتفاقية الأولى، استهدفت تركيا تعطيل نظام الطاقة والأمن الإقليمي الناشئ؛ حيث سيمر خط أنابيب الغاز المتوقع عبر المناطق البحرية التي تطالب بها تركيا.

 وترسل الاتفاقية برسالة حول نية تركيا تعطيل أي مشاريع خطوط أنابيب غاز من شأنها الالتفاف عليها، وتعكس الاتفاقية أيضا وجهات نظر تركيا حول حدودها البحرية في شرق البحر المتوسط، لكنها تتجاهل الجزر اليونانية الكبيرة مثل كريت ورودس، ما يجعلها ضعيفة من منظور القانون الدولي.

وفي الاتفاقية الثانية، التزمت تركيا بحماية حكومة الوفاق الوطني في مواجهة هجوم الجنرال "خليفة حفتر"، بمعنى آخر، بالنسبة لحكومة الوفاق الوطني، كانت الاتفاقية البحرية هي الثمن الذي يجب دفعه من أجل الحصول على اتفاقية التعاون العسكري مع تركيا في المقابل.

وزاد الاتفاق البحري التركي - الليبي من التوترات مع اليونان، ومهد الطريق أيضا لتوقيع اليونان اتفاقا مماثلا مع مصر في أغسطس/آب، والذي حدد السلطات البحرية لكل منهما.

وتماما كما يتعارض الاتفاق التركي - الليبي مع رؤية اليونان لحدودها البحرية، فإن الاتفاق اليوناني - المصري يتعارض مع وجهة نظر تركيا بشأن حدودها البحرية.

تغييرات منهجية..

سياسة تركيا الخارجية بعد تجاوز انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي وعالم "ترامب"

علاوة على اكتشافات الغاز واستكشافاته، فضلا عن الصراع الليبي، أدى تغييران منهجيان إلى توفير خلفية أكبر للأزمة الحالية وجعلها أكثر خطورة.

أولا، في المواجهات السابقة بين اليونان وتركيا، كانت الولايات المتحدة تتدخل عادة؛ حيث تخاطر مثل هذه الخلافات بمواجهة عسكرية بين عضوين في الناتو.

على سبيل المثال، تدخلت أمريكا أثناء التوترات حول جزر إيميا الصغيرة المتنازع عليها، أو كارداك باللغة التركية، في عام 1996، والتي كادت أن تدفع تركيا واليونان إلى شفا الحرب.

ومع ذلك، في الأعوام الأخيرة، ظهر اتجاهان واضحان: أولا، قلصت الولايات المتحدة من وجودها في المنطقة، ولم يبدأ هذا التراجع الجزئي مع "ترامب"، بل بدأ في ظل إدارة "أوباما".

وضاعف "ترامب" هذا الاتجاه بعامل آخر، حيث أرسل رسالة مفادها أن هذا عالم الجميع، وأدى نهجه إلى تسريع تدهور المؤسسات والمعايير والمبادئ الدولية، وعدلت العديد من القوى نهجها وفقا لذلك، بما في ذلك تركيا.

وأدى تراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة، إلى جانب رؤية "ترامب" للشؤون الدولية، إلى اندلاع اشتباكات بين مختلف اللاعبين الإقليميين للحصول على مزيد من النفوذ والسلطة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتأتي التوترات في العلاقات التركية - اليونانية على خلفية أوروبية أوسع، وكانت فترة شهر العسل بين أنقرة وأثينا خلال أواخر التسعينات والعقد الأول من القرن الـ 21 نتيجة طبيعية لمساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت.

وكان هذا هو السبب الرئيسي لدعم الحكومة التركية القوي لخطة الأمم المتحدة بشأن توحيد الجزيرة والتي تم طرحها للاستفتاء في قبرص في عام 2004، وصوت القبارصة الأتراك بنسبة 64.9% لصالح التوحيد، بينما صوت القبارصة اليونانيون بنسبة 75.83% ضدها، ومع ذلك، فقد توقفت عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة، الأمر الذي أضر بدوره بعلاقات اليونان مع تركيا وقبرص.

ماذا بعد؟

وأدى فوز الرئيس المنتخب "جو بايدن" بالانتخابات الأمريكية إلى الشعور بالنشوة في أوروبا، لكن من غير المرجح أن يستأنف "بايدن" دور أمريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية كشرطي في الجوار الأوروبي والعالم بأسره.

ومن غير المرجح أيضا أن يتزايد التزام الولايات المتحدة الأمني ​​تجاه المنطقة، وكما قال الخبير الأوروبي "دانييل هاميلتون"، فإن "بايدن سيطالب أوروبا ببذل المزيد في السياسة الخارجية والأمنية".

ويعني هذا أنه يقع على عاتق الأوروبيين بشكل مباشر منع أزمة شرق المتوسط ​​من الخروج عن السيطرة.

وحتى الآن، لا يزال انجراف الصراع غير محتمل، ولكنه ليس مستبعدا، وفي النهاية، هذه ليست أزمة في الجوار الأوروبي فحسب، بل هي أيضا أزمة داخل أوروبا، نظرا للتورط العميق لـ3 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهي اليونان وقبرص وفرنسا.

وفي هذا الصدد، تعد الجهود الدبلوماسية الأوروبية التي تقودها ألمانيا لتهدئة الأزمة خطوة في الاتجاه الصحيح، ومع ذلك، فإن الآفاق المستقبلية لهذه الجهود ستتوقف على التشخيص الدقيق للأزمة، فضلا عن الصبر والالتزام والاستجابات السياسية المبتكرة.

وبالرغم من وجود العديد من الملفات والجهات الفاعلة في هذه الأزمة، لكن جوهرها لا يزال يتركز على النزاعات البحرية متعددة الطبقات بين تركيا واليونان وقبرص، ويجب أن تبدأ جهود تهدئة التوتر أيضا بالتركيز على إعادة بدء المحادثات بين اليونان وتركيا، لكن يجب أن تبقى التوقعات متواضعة.

وبدلا من محاولة حل النزاع بشكل كامل، تسمح الظروف الحالية في أحسن الأحوال بإدارة الصراع فقط، وفي الخلافات اليونانية التركية، عادة ما تكون المحادثات حول وقف التصعيد، بمعنى التحول من الدبلوماسية القسرية والمواقف العسكرية نحو الحوار والمفاوضات.

ومع ذلك، لبدء المحادثات، من المهم بنفس القدر أن يكون هناك شكل من أشكال وقف استكشاف الطاقة في المياه المتنازع عليها في شرق المتوسط.

وبالنظر إلى ما يحدث الآن، نجد أن تركيا هي الوحيدة التي تقوم بهذه الأنشطة تقريبا، ولإقناعها بالتخلي عن هذه العملية، يجب على أوروبا أن تدفع باتجاه إدراج تركيا في منتدى غاز شرق المتوسط.

ويبدو أن توجه أنقرة مؤخرا للتوصل إلى تسوية مؤقتة مع مصر والتواصل المعلن مع إسرائيل لإصلاح العلاقات يساعد في هذه العملية.

وإذا لم يكن هذا المسار قابلا للتطبيق، فيجب على أوروبا حينئذ أن تدفع باتجاه إطار ثلاثي بين تركيا ودول منتدى غاز شرق المتوسط ​​والاتحاد الأوروبي من أجل مناقشة ومعالجة الأزمة في شرق البحر المتوسط.

وبالرغم أن اكتشافات الغاز أدت إلى التوتر الأخير، لكن هذه الأزمة سياسية في الأساس، وبالإضافة إلى ذلك، بالرغم من التفاؤل المبكر بشأن حجم احتياطيات الغاز وإمكانية تسييله، يبدو الآن أن احتياطيات الغاز أصغر وأقل ربحا، ما يجعل مشروع خط أنابيب غاز شرق المتوسط ​​المتوقع إلى أوروبا غير مجدٍ للغاية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن أهداف التحول في الطاقة الأوروبية وإزالة الكربون تعني أن القيمة التجارية لثروات الغاز سوف تتضاءل بشكل أكبر في المستقبل.

وفي الوقت الحالي، نظرا للانقسام داخل أوروبا، والخلاف بين دول الشرق الأوسط حول طبيعة النظام الإقليمي، قد لا يتردد صدى مثل هذه الخطة الكبرى على نطاق واسع.

ولكن حتى الاستكشاف والمحادثة على المستوى الرسمي حول هذا الموضوع يمكن أن يوجه طبيعة النقاش حول شرق المتوسط  نحو وضع تعاوني ​​بشكل أكبر، ويمكن أن يساعد هذا في حد ذاته في تقليل التوتر.

وأخيرا، من المرجح أن تتجه أنقرة لتهدئة الأوضاع مع تفاقم مشاكلها الاقتصادية إلى جانب التقارب المحتمل عبر المحيط الأطلسي بين الاتحاد الأوروبي وإدارة "بايدن" في شرق المتوسط.

ويجب على أوروبا والولايات المتحدة اغتنام هذه الفرصة التي قد لا تظهر مرة أخرى لفترة طويلة قادمة.

المصدر | جاليب دالاي | بروكينجز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد