الخميس 31 ديسمبر 2020 08:32 ص

أزمة غير مسبوقة واجهها الملايين من الوافدين العاملين في دول الخليج العربية هذا العام جراء التأثير الاقتصادي الفادح لانخفاض أسعار النفط، وتداعيات وباء كورونا من جانب، وسياسات التوطين التي تتبناها دول إقامتهم من جانب آخر.

ودفعت العوامل الثلاثة أكثر من نصف مليون من العاملين الوافدين إلى مغادرة دول الخليج العربية بالفعل، وفقا لأرقام جمعها موقع "المونيتور" البريطاني.

وحسب تقدير منظمة العمل الدولية، فإن رحيل الوافدين هذا العام أكبر مما أعقب الأزمة المالية عامي 2008 و2009 وتراجع أسعار النفط عامي 2014 و2015.

أكثر المغادرين من الأجانب آسيويون، وأكثر المغادرين من العرب مصريون، وقدم كثير من هؤلاء وأولئك طلبات لإعادتهم إلى دولهم حسبما تفيد الأرقام لدى السفارات والسلطات في المنطقة التي شهدت تفشي فيروس "كورونا" بين العمال الأجانب من أصحاب الدخل المنخفض الذين يعيشون في مساكن مكتظة.

وإزاء ذلك، رصد البنك الدولي انحفاض التحويلات المالية للعاملين بدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هذا العام بنسبة 19.5% لتصل إلى 47 مليار دولار عام 2020.

فإلى أي مدى أثرت عوامل "الطرد" الثلاثة في تقليص أعداد العمالة الوافدة؟ وما هو الأفق المتوقع لاستمراره؟  

التوطين السريع

إجابة السؤال لا ترتبط بمبدأ التوطين، الذي أقره عديد الحكومات الخليجية سابقا، بل في وتيرة تنفيذه، التي شهدت تسارعا غير مسبوق.

فرئيس وزراء الكويت، الشيخ "صباح الخالد"، على سبيل المثال، أعلن في يونيو/حزيران ضرورة تخفيض عدد الوافدين من 70% من سكان البلاد في الوقت الحاضر إلى 30%، قائلا إن النسبة الحالية تمثل "خللا كبيرا"، وإن تصحيحها سيكون "تحديا في المستقبل".

وفي هذا الإطار، نفذت الحكومة الكويتية سلسلة إجراءات عام 2020 من شأنها تقليص أعداد العاملين بالقطاع الخاص بنسبة تبلغ 31.2%، وذلك بحلول 2021 واستبدالهم بمواطنين؛ وفقا لما نقله موقع "العربي الجديد" عن وثيقة رسمية.

وحسب الوثيقة، شجعت حكومة الكويت شركات القطاع الخاص على تعيين المواطنين، من خلال إعطائها الأولوية في المشاريع الحكومية التي تطرح ضمن خطة التنمية الكويتية 2035، إضافة إلى منحها تخفيضات ضريبية، وتخفيضات على الخدمات التي تقدمها الحكومة.

ومع حلول عام 2021، لن يكون بإمكان الوافدين الذين تزيد أعمارهم عن 60 عاما، ولا يحملون شهادة جامعية، تجديد تصاريح عملهم والبقاء في الكويت.

كما أوقفت وزارة الداخلية في الكويت منح إقامة للوافدين لأكثر من سنة واحدة؛ ليحتل هذا البلد بذلك المركز الأخير خليجيا وعربيا، وما قبل الأخير عالميا على مؤشر بيئة استدامة الوافدين في 2020 الذي تصدره مؤسسة "إنترنيشنز الدولية" سنويا، بعد أن كان يحتل المركز الأخير في مؤشر استقرار الوافدين عام 2019 من أصل 64 دولة.

وفي السياق، تسعى سلطنة عمان إلى معالجة الاختلال في تركيبتها السكانية، وخفض أعداد العمالة الوافدة بها، لا سيما أنها تعد من الدول القليلة التي يقترب عدد الوافدين فيها من نصف عدد سكانها.

وأمرت حكومة السلطنة في أبريل/نيسان الماضي الشركات الحكومية بإحلال العمانيين محل الموظفين الأجانب.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أعلنت وزارة العمل العمانية بدء فترة سماح للقوى العاملة الوافدة الراغبة في المغادرة والعودة إلى بلدانها مقابل وإعفاء أصحاب العمل والقوى العاملة الوافدة من كافة الرسوم والغرامات المترتبة.

وحددت الوزارة شرطا زمنيا بأن يكون ذلك شريطة مغادرتها السلطنة مُغادرة نهائية ابتداءً من 15 نوفمبر/تشرين الثاني وحتى نهاية ديسمبر/كانون الأول.

وإزاء ذلك، انخفض عدد العمالة الوافدة في سلطنة عمان، بنحو 17%، حسبما أورد المركز الوطني للإحصاء والمعلومات (حكومي) ليبلغ نحو مليون و435 ألفا و70 عاملا، مقارنة بمليون و712 ألفا و798 عاملا العام الماضي؛ ما يعني أن عدد الوافدين الذين غادروا السلطنة، بلغ نحو 278 ألف عامل.

وفي قطر، وقعت غرفة التجارة والصناعة اتفاقية تعاون مع وزارة التنمية الإدارية والعمل والشؤون الاجتماعية؛ لدعم آلية تطوير منصة إلكترونية تهدف لتدوير العمالة بدل الاستقدام من الخارج.

واستهدفت المنصة تدوير العمالة والاستفادة من العمالة الماهرة والتي تكيّفت مع طبيعة المجتمع في قطر، فضلا عن توفير البدائل لإجراءات الاستقدام الخارجي من خلال رابط إلكتروني بين الوزارة والغرفة.

وحسب تقرير صادر عن جهاز التخطيط والإحصاء بقطر، بلغ عدد سكان البلد حوالي 2.8 مليون، وبلغ عدد القوى العاملة حوالي 2.1 مليون نسمة، وتستحوذ العمالة الوافدة على 94.9% من إجمالي هذا العدد.

كما تراجعت أعداد العمالة الوافدة في البحرين بنسبة 4.4% العام الحالي مقارنة بالعام الماضي، وفق تقرير لهيئة التأمينات الاجتماعية في البلد الخليجي.

وذكر التقرير أن أعداد العمالة الوافدة بلغت 456 ألفا و840 في العام الحالي نزولا من 477 ألفا و741 في العام الماضي.

تداعيات كورونا

تمثل تداعيات جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط عاملي "التسريع" الطارئ على سياسة التوطين الخليجية.

وفي هذا الإطار، سجل إجمالي العمالة الوافدة في الكويت انخفاضا من 3.9 ملايين نسمة، إلى 2.8 ملايين نسمة؛ ما يمثل نسبة 20% من إجمالي عدد الوافدين في البلاد، وفق وثيقة حكومية.

وبينت الوثيقة أن نحو 500 ألف وافد غادروا البلاد طواعية، إضافة إلى ما يقرب من 600 ألف وافد انتهت إقامتهم، وهم خارج الكويت، وفقا لما أوردته صحيفة الراي (محلية).

وفي أبريل/نيسان، قرر الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية "هاشم هاشم"، "تخفيض العمالة غير الكويتية في العقود الدائمة والخاصة والعمالة في عقود المقاولين، بالتنسيق مع الشؤون الإدارية بالمؤسسة لتحديد نسبة التخفيض لكل شركة".

وفي 10 يونيو/حزيران، أعلن وزير النفط الكويتي "خالد الفاضل" وقف تعيين العمالة الوافدة في مؤسسة البترول وشركاتها التابعة، وتقنين عددهم في العقود الخاصة وعقود المقاولات، وفقا لما أوردته صحيفة "القبس" (محلية).

وقال "الفاضل" إن أزمة كورونا عالمية، وأصابت العالم أجمع وليست محلية كأزمة سوق المناخ أو الغزو أو غيرها.

وأقرت أغلب البنوك الكويتية إجراءات جديدة، تقضي بعدم منح الوافدين قروضا استهلاكية، في محاولة للحد من زيادة نسبة القروض المتعثرة لديها على خلفية أزمة كورونا.

وتقضي الإجراءات الجديدة بوقف الاقتراض للوافدين العاملين في بعض الهيئات الحكومية التي تشهد تسريح أعداد كبيرة من موظفيها، حسب صحيفة "الأنباء" الكويتية.

ووفق تلك الإجراءات، أصبحت فرصة الوافد في الحصول على قرض استهلاكي محصورة عمليا في بعض الوظائف الحكومية بوزارات الصحة والتربية والأوقاف فقط.

كما كشفت مصادر حكومية كويتية أن الدفع الأولى من جرعات لقاح كورونا، المتوقع وصولها مطلع 2021، ستكون مقصورة على "المواطنين" وفق شرائح محددة، وفقا لما أوردته صحيفة "القبس".

وتعد سلطنة عمان ضمن أكثر الدول الخليجية تضررا جراء أزمة "كورونا"؛ بسبب انكشافها الاقتصادي على الصين، وانهيار أسعار النفط، وتضع جميع وكالات التصنيف الائتماني الرئيسية ديونها في الفئة عالية المخاطر.

ووفق تقارير رقابية عمانية، فإن السلطنة تعاني من تمدد نفوذ الوافدين إلى شغل الوظائف القيادية والإشرافية في الشركات الحكومية.

ويعمل 53 ألف وافد في القطاع الحكومي في عمان، بينما يعمل قرابة مليون و322 ألفا في القطاع الخاص، فيما يعمل  287 ألف وافد في القطاع العائلي، ويقصد به الأفراد العاملون لدى الأسر والأفراد على نفقتهم الخاصة.

وفي هذا الصدد، فرضت السلطنة حظرا على شركات القطاع الخاص، يمنعها من تسريح الموظفين العمانيين جراء "كورونا"، بينما حثتهم على تسريح الموظفين غير العمانيين.

وتعول مسقط على سياسة "التعمين" بالتزامن مع استمرار أزمة "كورونا" في كبح جماح معدلات البطالة التي بلغت 17%، وترتفع لتصل إلى نسبة 49% بين الشباب، وفق منظمة العمل الدولية.

وعلى المنوال ذاته، فرضت الإمارات قيودا صارمة على توظيف العمال وهددت بـ"وقف اتفاقيات العمل" مع الدول المصدرة للعمالة غير الراغبة في إعادة مواطنيها الذين تم تسريحهم وتركهم عالقين جراء تداعيات "كورونا".

وفي السعودية، سمح قرار لوزارة العمل في مايو/أيار الماضي، بتخفيض الرواتب فى القطاع الخاص إلى 40% مع إمكانية إنهاء العقود.

وتساعد السعودية في ضمان 60% من رواتب الموظفين السعوديين في الشركات الخاصة لمدة 3 أشهر.

لكن الرياض لم تشر إلى أي خطط لتقديم مثل هذا الدعم لملايين العمال الأجانب العاملين في تلك الشركات نفسها.

وخلص التقرير الصادر عن "أكسفورد إيكونوميكس" إلى أن دول الخليج، التي تمر بحالة ركود نتيجة جائحة "كورونا" وتداعيات انخفاض أسعار النفط، يمكن أن تشهد انخفاضا في التوظيف قد يصل إلى 13%

ولفت إلى أن هذا الانخفاض قد يدفع الكثير من العمال الأجانب إلى فقدان وظائفهم، ومن ثم العودة إلى بلادهم.

وأورد التقرير تقديرا بأن يبلغ عدد العمالة الأجنبية التي ستغادر السعودية، نحو 1.7 مليون عامل و900 ألف عامل في الإمارات.

معايير السياسة

غير أن انحيازات سياسية بعينها قد تمثل استثناءات للخط الذي تتبناه دول الخليج، دون أن تؤثر على إجمالي توجهه الاستراتيجي.

في هذا الإطار يمكن قراءة زيادة العمالة الأردنية في قطر خلال العام، في وقت رصدت فيه منظمات العمل الدولية تقلصا لأعداد الباكستانيين في السعودية، تزامنا مع مؤشرات على توتر في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، على خلفية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين السعودية والهند وموقف الرياض من قضية إقليم كشمير.

وشهد مارس/آذار الماضي ذوبانا كبيرا في جليد علاقات الدوحة وعمان، بزيارة أجراها أمير قطر "تميم بن حمد" للأردن.

وكانت عمّان حريصة على إعادة الروابط الاقتصادية مع الدوحة، لا سيما أن أزمة الخليج أثرت سلبا على الاقتصاد الأردني؛ فمنذ ذلك الحين، انخفضت صادراتها إلى قطر بنسبة 75%.

علاوة على ذلك، تأخرت تعهدات السعودية بتقديم المساعدات والاستثمار إلى عمّان، في حين وعدت الدوحة بسهولة بتقديم حزم مساعدة مالية كبيرة.

وبات الأردنيون أكبر مجتمع للوافدين في قطر؛ حيث يبلغ ما يقارب 60 ألف عامل، حسب إحصاء أورده "جوناثان هارفي" بموقع "إنسايد أرابيا".

المصريون الضحية

يشكل المصريون نحو 5 ملايين من إجمالي عدد العاملين الوافدين بالخليج (11 مليون عامل تقريبا)، وتتأثر الدول المعتمدة على التحويلات من الخليج العربي (مثل مصر) بشكل سلبي ما يعيق قدرتها على إدارة الأزمات المالية المتصاعدة في الداخل.

ولم تصدق أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي الست على اتفاقية منظمة العمل الدولية لحماية الأجور، والتي تنص على أنه "يجب دفع الأجور بانتظام". علاوة على ذلك، تحرم معظم الأطر القانونية الخليجية العمال من حق التمثيل النقابي، وتمنع الشكاوى الجماعية، وتترك العمال وحدهم يتعاملون مع آليات العدالة.

وتبدو أعداد المرحلين والعائدين المصريين من دول الخليج من بين الأعلى. فقد زاد هذا العدد على نصف مليون خلال السنوات القليلة الماضية، نصفهم من الذين غادروا السعودية على ضوء خططها الرامية إلى "سعودة" سوق العمل.

ومع استمرار جائحة "كورونا"، يتوقع وصول هذا العدد إلى نحو 1.5 مليون مصري، خاصة أن الكويت وحدها تعد العدة قريبا للاستغناء عن 400 ألف وافد أجنبي، كثير منهم من المصريين الذين يعملون في التجارة والخدمات التي لا تتطلب كفاءات عالية.

وشهدت دول الخليج عموما، والكويت خصوصا، عام 2020، حملات مناهضة للوافدين بوجه عام، والمصريين بوجه خاص، شنها بعض البرلمانيين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

والإعلامي الكويتي "مشاري بويابس" هو أحد الذين شاركوا في هذه الحملات؛ إذ شن في مايو/أيار الماضي، هجوما لاذعا على الوافدين المصريين وصل إلى حد الشتائم والإهانة، الأمر الذي قوبل بموجة انتقادات لاذعة.

وفي مقطع مصور تناقله عدد من الحسابات على "إنستجرام"، قال "بويابس" إنه كان ليدفع القوات الخاصة إلى التعامل مع الوافدين المصريين لو كان وزيرا للداخلية.

وتعني عودة العاملين في الخليج بالنسبة لبلدانهم الأم تعرضها لمزيد من المشاكل والمخاطر الاقتصادية والاجتماعية بسبب ضعف مواردها وضعف قدرتها على مواجهة تبعات "كورونا:، فضلا عن استفحال أخطبوط الفساد المتفشي في مؤسسات دولها، وهو ما يعانيه المصريون بنسبة مضاعفة.

آثار جانبية

لكن ثمة آثارا جانبية يحذر منها عديد المحللين من سياسة التوطين السريعة في دول الخليج، بينها إبطاء السرعة التي يمكن أن تتعافى بها دول مجلس التعاون الخليجي من أزمة "كورونا"، إضافة إلى تمديد الجدول الزمني لتحقيق التنويع وأهداف الإصلاح الاقتصادي الأخرى، حسبما أورد مركز "ستراتفور".

فالوافدون يشكلون معظم سكان دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي جزء كبير من اقتصاداتهم والقوى العاملة. وبالتالي فإن خسارة الكثير من السكان في وقت واحد ستساهم في خسارة مفاجئة في الاستهلاك المحلي؛ مما يزيد من الضغوط على النمو الاقتصادي.

وقد عبر "روبرت موجيلنيكي"، الباحث المقيم لدى معهد دول الخليج العربية في واشنطن، عن الآثار الارتدادية للسياسات التي تتبناها الدول الخليجية حاليا بقوله: "الوافدون ليسوا مجرد ترس في آلة. إنهم يلعبون دورا مكملا في إعادة تدوير رأس المال محليا مما يساعد في دعم اقتصادات الخليج".

المصدر | الخليج الجديد