الثلاثاء 22 ديسمبر 2020 08:36 م

أعادت باكستان، الأسبوع الماضي، مليار دولار إلى السعودية كدفعة ثانية من قرض بقيمة 3 مليارات دولار حصلت عليه عام 2018؛ للمساعدة في تجنب أزمة الحساب الجاري. وحسب ما ورد، يتعين على إسلام أباد سداد المليار دولار المتبقي للرياض الشهر المقبل.

وبالنظر إلى التاريخ الطويل للعلاقات الودية بين باكستان والسعودية، فإن عودة مثل هذا القرض الكبير في خضم جائحة وأزمة اقتصادية كبيرة في إسلام آباد تشير فقط إلى أزمة خطيرة في العلاقة.

يشرح التحالف الناشئ حديثا في العالم الإسلامي سبب مطالبة السعودية باكستان بسداد القرض. ويظهر الالتزام الصامت من باكستان في هذا الصدد أن إسلام آباد قد لا تكون مستعدة لتضييع مزيد من الوقت من خلال تقديم تنازلات قد تضر بسياستها الخارجية الجديدة.

منذ بعض الوقت، تبذل إسلام آباد جهودا للانضمام إلى التحالف التركي الماليزي الإيراني في العالم الإسلامي، الذي تعتبره السعودية تحديا لمزاعمها بأنها زعيمة العالم الإسلامي. إن أحد الأسباب الرئيسية جعلت باكستان تقرر أخيرا اتخاذ هذا الطريق الصعب هو موقف الرياض الطويل الأمد تجاه تجاهل المصالح الأمنية الوطنية الأساسية لإسلام آباد في المنتديات التي تمثل السعودية دور "المهيمن" فيها على العالم الإسلامي

أصبح تدهور العلاقات الثنائية علنيا عندما انسحبت باكستان تحت ضغط سعودي من قمة كوالالمبور في ماليزيا العام الماضي. وحسب الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، هددت السعودية باكستان بعقوبات اقتصادية إذا حضر رئيس الوزراء "عمران خان" الاجتماع.

وقد نظم القمة رئيس الوزراء الماليزي آنذاك "مهاتير محمد" لمناقشة قضايا العالم الإسلامي. بعد القمة، انتقدت منظمة التعاون الإسلامي، التي تهيمن عليها السعودية القمة، بقولها إن مثل هذه التجمعات من شأنها إضعاف العالم الإسلامي.

وفي حين أن باكستان لم تحضر القمة، فقد كثفت إسلام آباد جهودها لتعميق العلاقات مع الكتلة التركية الإيرانية والماليزية. ويمكن تمييز الكثير من ذلك من خلال ديناميكيات القوة الناعمة المتغيرة.

أوصى "خان" مؤخرا ببث مسلسل الدراما التركي "يونس إمري" على التلفزيون الحكومي الباكستاني من أجل توعية الجمهور بالصوفية. وتم عرض مسلسل درامي تركي آخر بعنوان "قيامة أرطغرل" في باكستان لأكثر من عام حتى الآن، وحظى بعدد قياسي من المشاهدين في البلاد.

في الأسبوع الماضي، أعربت باكستان عن معارضتها لعقوبات الولايات المتحدة على تركيا لقرارها شراء نظام صواريخ الدفاع الجوي "إس-400" من روسيا. وفي بيان مثير للاهتمام، قالت وزارة الخارجية الباكستانية إن "شعب وحكومة باكستان يكرران دعمهما القوي لحكومة وشعب تركيا في سعيهما لتحقيق الأمن القومي والسلام والازدهار، وكالعادة، سيواصلان الوقوف إلى جانب منهم نحو تحقيق هذه الأهداف المشتركة".

وفي عام 2018، وقعت تركيا أيضا صفقة مع باكستان لبيع مجموعة من 30 مروحية هجومية من طراز "تي-129" إلى باكستان. وأعلنت الحكومة التركية بالفعل أن العقوبات الأمريكية لن تؤثر على صفقة طائرات الهليكوبتر مع باكستان؛ مما يشير إلى تزايد الود بين البلدين.

كما تحسنت العلاقات بين باكستان وإيران خلال السنوات القليلة الماضية. قبل أيام قليلة، فتحت باكستان وإيران معبرا حدوديا جديدا باسم "رمدان-جبد". ومن المرجح أن يعزز المعبر الجديد، وهو الثاني بين البلدين، الأعمال والتجارة بينهما. وقد وصف سفير إيران في باكستان، "سيد محمد علي حسيني"، افتتاح المعبر بأنه "يوم تاريخي" لكلا البلدين. ومن المهم ملاحظة أن فتح الحدود يأتي في خضم التوترات المتزايدة في باكستان والسعودية.

علاوة على ذلك، أعلنت باكستان وإيران أيضا عن قرارهما بتشكيل قوة رد سريع مشتركة لمحاربة الجماعات المسلحة على طول حدودهما. علاوة على ذلك، ستتوسع العلاقات بين باكستان وإيران إلى أبعد من ذلك مع أنباء انضمام إيران إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية بموجب اتفاقية بقيمة 400 مليار دولار. ستزداد حصص باكستان وإيران مع امتداد مبادرة الحزام والطريق الصينية إلى باكستان وخارجها عبر الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني في الأشهر والسنوات المقبلة.

في الوقت الحالي، قد تكون ماليزيا لاعبا أصغر في عملية إعادة الاصطفاف الجيوسياسي هذه بالكامل. لكن وجود البلاد محسوس في باكستان؛ حيث قامت شركة "بروتون" الوطنية لصناعة السيارات في ماليزيا ببناء مصنع تجميع في باكستان، وأطلقت مؤخرا مركبة رياضية في البلاد. وتهدف الشركة إلى بيع 400 ألف سيارة في باكستان بحلول عام 2027، وستخلق 2000 وظيفة محلية مباشرة في أول 3 سنوات من عملياتها.

كل هذا لا يبشر بالخير بالنسبة لنفوذ السعودية ومصالحها في باكستان. علاوة على ذلك، لن ينجح مع باكستان سياسة الضغط والتهديد؛ لأن إسلام آباد تجد المزيد من السبل لتلبية احتياجاتها المالية والدبلوماسية.

قد يكون لدى الرياض وحلفائها في منطقة الخليج المزيد من أوراق الضغط، مثل قطع تدفقات التحويلات المالية لباكستان. ومع ذلك، لا يزال النقاش مفتوحا حول ما إذا كانت السعودية قادرة على إبعاد بلد مثل باكستان وإلى أي مدى يمكن أن تذهب الرياض في التنمر على إسلام آباد. ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي ترفض فيها إسلام آباد فعليا الخضوع للسعوديين، وتمضي قدما في رؤيتها لإقامة تحالف بديل في العالم الإسلامي.

المصدر | عمير جمال/ ذ ديبلومات – ترجمة وتحرير الخليج الجديد