الاثنين 15 مارس 2021 01:00 ص

خفت حدة التوترات بين السعودية وباكستان منذ الخلاف الذي نشب العام الماضي بينهما، والذي بلغ ذروته مع مطالبة الرياض بالسداد المبكر لقروض بقيمة 3 مليارات دولار كانت تهدف إلى دعم احتياطيات إسلام أباد من النقد الأجنبي.

ويبدو أن باكستان والسعودية دخلا في عملية إعادة ضبط للعلاقات؛ فبحسب ما ورد، اختارت الرياض عدم سحب الشريحة الأخيرة من قرضها البالغ 3 مليارات دولار، فيما سددت إسلام أباد 2 مليار دولار حتى الآن.

كما تجدد الحديث عن مصفاة نفط تابعة لشركة "أرامكو" ومجمع للبتروكيماويات في مدينة جوادر الساحلية الباكستانية.

وفي الشهر الماضي، أصدرت وزارة الخارجية الباكستانية بيان دعم للقيادة السعودية بعد نشر تقرير المخابرات الأمريكية الذي رفعت عنه السرية بشأن اغتيال الصحفي السعودي "جمال خاشقجي".

وبالرغم من المسار المتحسن للعلاقات السعودية الباكستانية، فإن إعادة الضبط الثنائي ستقتصر على التعاون الاقتصادي والعسكري المتواضع.

سيستمر الانجراف الاستراتيجي بين إسلام أباد و بعض دول مجلس التعاون الخليجي، مثل أبوظبي والرياض، مع نمو الشراكة الباكستانية التركية، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية بين السعودية والإمارات مع الهند عدو باكستان اللدود.

من عام 2018 حتى معظم عام 2019، بدا الأمر كما لو أن رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" وولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" تربطهما صداقة ناشئة.

ومع وصول "خان" إلى السلطة في صيف عام 2018، كانت حزمة المساعدات الاقتصادية السعودية قيد الإعداد جزئيًا نتيجة للدبلوماسية العسكرية للجيش الباكستاني.

وفي أكتوبر /تشرين الأول 2018، عاد "خان" إلى السعودية للمرة الثانية خلال أشهر بناءً على طلب شخصي من "محمد بن سلمان" لحضور مؤتمر مبادرة الاستثمار المستقبلي، ودعم قائمة الحضور رفيعة المستوى، حيث ألغى آخرون خططهم في أعقاب مقتل "خاشقجي".

تم تسليم أول شريحة بقيمة مليار دولار من حزمة القرض البالغة 3 مليارات دولار في الشهر التالي، تلتها مساعدات من أبوظبي، شريك الرياض في المنطقة.

وبحلول الوقت الذي زار فيه "بن سلمان" إسلام أباد، في فبراير/شباط 2019، مع العشرات من رجال الأعمال السعوديين كجزء من وفده، تحول النقاش نحو الاستثمارات.

وقد ترك ولي العهد تعهدًا بأكثر من 20 مليار دولار في استثمارات سعودية، بما في ذلك مشاريع الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى منشأة "أرامكو"، المذكورة أعلاه.

نهاية مفاجئة

لكن الجغرافيا السياسية أدت إلى نهاية مفاجئة لعلاقة "خان" و"بن سلمان". ففي أغسطس/آب 2019، ضمت الهند فعليًا منطقة جامو وكشمير المتنازع عليها الخاضعة لسيطرتها.

بالنظر إلى ضخامة هذه الخطوة، توقعت باكستان دعمًا من كل من السعودية والإمارات، اللتين يُنظر إليهما على أنهما شريكان منذ فترة طويلة ودول إسلامية شقيقة.

لكن دبلوماسيين كبار من كلا البلدين قاموا بزيارة مشتركة إلى إسلام أباد، في أيلول/سبتمبر؛ بهدف تخفيف توقعات باكستان أكثر من تقديم تضامن ملموس.

عندما نأت أبوظبي والرياض بأنفسهما عن القضية الكشميرية، أصبح القادة في أنقرة وكوالالمبور أكثر صراحة في الدفاع نيابة عن الكشميريين وبدأوا في التوافق مع الموقف الدبلوماسي الباكستاني بشأن النزاع. كما تغازل الثلاثي بفكرة الكتلة الإسلامية.

وكانت القمة الإسلامية التي تستضيفها ماليزيا في ديسمبر/كانون الأول 2019، أول حدث كبير لها.

وقد وصف رئيس الوزراء الماليزي آنذاك "مهاتير محمد" إندونيسيا وماليزيا وباكستان وقطر وتركيا بأنهم "رواد" القمة، مما يعطي الانطباع بأنها كانت بديلاً عن منظمة التعاون الإسلامي "الخاملة" التي تهيمن عليها السعودية.

وكان القادة في أبوظبي والرياض غاضبين من هذا الحدث، وقبل أيام من القمة، ذهب "خان" إلى السعودية كما زار الجنرال "قمر جاويد باجوا"، قائد الجيش الباكستاني القوي، الإمارات لتهدئة النيران.

وانسحبت باكستان من القمة، لكن هذا لم يكن كافياً لإرضاء دول مجلس التعاون الخليجي.

وبالنظر إلى التفاوت العسكري التقليدي مع الهند، ترى باكستان أن الدعم الدبلوماسي الدولي أمر حيوي لإحضار الهند إلى طاولة المفاوضات.

لذلك استمرت في الضغط على منظمة التعاون الإسلامي، التي تقودها السعودية؛ لعقد جلسة بشأن كشمير على مستوى وزراء الخارجية.

في الوقت نفسه، استمرت شراكة باكستان مع تركيا في النمو. وفي فبراير/شباط 2020، زار الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" إسلام أباد، حيث ألقى كلمة أمام جلسة للبرلمان الباكستاني.

كما واصلت باكستان الجهود لتعزيز التعاون الحدودي والتجارة مع إيران.

وبحلول منتصف عام 2020، غضبت الرياض بما يكفي. ففي يوليو /تموز، اضطرت باكستان إلى البدء في سداد القروض قصيرة الأجل التي قدمتها السعودية.

وأصبح الخلاف علنيًا عندما انتقد وزير الخارجية الباكستاني "شاه محمود قريشي" السعوديين على قناة إخبارية محلية.

تباعد قديم

كان من الواضح أن صداقة "خان" و"بن سلمان" قد انتهت. وفي الواقع، كانت باكستان والسعودية تتباعدان بالفعل منذ أكثر من عقد.

لم يكن السعوديون من المعجبين بالحكومة الائتلافية التي يقودها "حزب الشعب" الباكستاني والتي حكمت من 2008 إلى 2013.

عاد الصديق القديم للسعوديين، "نواز شريف"، كرئيس للوزراء للمرة الثالثة في عام 2013. وكان للسعوديين علاقة طويلة مع عائلة "شريف" وساعدوا في التوسط بصفقة المنفى بعد عزله وسجنه في عام 1999.

في عام 2014، قدمت الرياض قرضًا بقيمة 1.5 مليار دولار لحكومة "شريف". لكن في عام 2015، صدم "شريف" السعوديين برفضه الحكيم للانضمام إلى حرب اليمن.

كما وافق البرلمان الباكستاني بالإجماع على قرار يدعو إلى حياد حكومتهم في حرب اليمن.

في غضون ذلك، بدأ "شريف" في الانتقال إلى سماسرة نفوذ آخرين في المنطقة: قطر وتركيا.

أقام "نواز" وشقيقه "شهباز" - اللذان حكما إقليم البنجاب من عام 2008 إلى عام 2018 - علاقة مع "أردوغان" في تركيا؛ مما أدى إلى جذب العديد من المساعدات والاستثمارات.

في عام 2015، أبرمت شركة "المرقاب كابيتال" - المملوكة لرئيس الوزراء القطري السابق "حمد بن جاسم بن جابر آل ثاني" - صفقة مع شركة "سينوهيدرو" لبناء محطة طاقة تعمل بالفحم بتكلفة 1.9 مليار دولار في جنوب باكستان.

لعب "سيف الرحمن"، وهو مساعد قديم لعائلة "شريف"، ومقرها الآن في قطر، دور الوسيط.

في العام التالي، وقعت حكومة "شريف" صفقة طويلة الأجل في قطاع الغاز الطبيعي المسال مع قطر.

في الوقت نفسه، واصل السعوديون، وكذلك الإماراتيون، استمالة الهند، والتي بدأت بـ"إعلان دلهي" لعام 2006، الذي وقعه الملك "عبدالله" ورئيس الوزراء "مانموهان سينج".

ووقعت نيودلهي والرياض، منذ ذلك الحين، اتفاقية تعاون دفاعي وشكلتا مجلس شراكة استراتيجية.

نما التعاون الأمني ​​بشكل مضطرد، بما في ذلك في مجال مكافحة الإرهاب؛ حيث سلمت السعودية العديد من المسلحين من الجماعات المتمركزة في باكستان مثل "عسكر طيبة"، بمن فيهم "سيد ذبي الدين أنصاري" في عام 2012.

التوجه للهند

في السنوات التالية، لم يهتم الباكستانيون بالجهود التي تبذلها أبوظبي والرياض لتوسيع العلاقات مع نيودلهي.

وفي مارس/آذار 2019، حضرت وزيرة الشؤون الخارجية الهندية آنذاك، "سوشما سواراج"، اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في أبوظبي كضيف شرف - بعد أيام فقط من الاشتباكات الهندية الباكستانية التي أسقطت طائرة مقاتلة هندية واحدة على الأقل.

وقد قاطع وزير الخارجية الباكستاني "قريشي" قمة ذلك العام.

في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وصل قائد الجيش الهندي السعودية والإمارات - في أول زيارة من نوعها.

وترى كل من السعودية والإمارات أن الهند أكثر أهمية بكثير لسياستهما في الشرق. ويشرح الاقتصاد السبب.

في عام 2018، استوردت الهند بقيمة 21.2 مليار دولار من النفط الخام من السعودية؛ فيما استوردت باكستان ما قيمته 1.9 مليار دولار فقط.

لا تحرص الشركات السعودية فقط على استغلال احتياجات الهند المتزايدة من الطاقة، ولكنها استثمرت في مجموعة واسعة من القطاعات، بما في ذلك الزراعة والاتصالات.

الرد الباكستاني

من جانبها، لا تقف باكستان مكتوفة الأيدي، فإلى جانب علاقتها الناشئة مع تركيا، يبدو أن باكستان تبني علاقات مع قطر، التي عاشت حصارا من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر لمدة ثلاث سنوات ونصف (حتى يناير/كانون الثاني الماضي).

وأبرمت الدوحة وإسلام أباد مؤخرًا اتفاقًا معدلاً للغاز الطبيعي المسال توسط فيه جزئيًا قائد الجيش الباكستاني.

ووفقا لبرنامج "بيزنس ريكورد" الباكستاني فإن اتفاقية الغاز الطبيعي المسال هي جزء من "صفقة شاملة" مع اتفاقيات العمل والدفاع بين البلدين.

كما تقوم الدوحة وإسلام أباد بتنسيق عملية المصالحة الأفغانية.

وإذا بدأت الدوحة وإسلام أباد في بناء شراكة استراتيجية، فقد يرى المرء الوفاق الباكستاني التركي مدعومًا بالعاصمة القطرية.

دروس لباكستان

وبشكل عام، يجب أن توفر أزمة العلاقات مع السعودية العام الماضي سلسلة من الدروس لسماسرة النفوذ في باكستان.

أولاً: لا يهم التاريخ كثيرًا في العلاقات الثنائية اليوم.

وصف رئيس المخابرات السعودية السابق الأمير "تركي بن ​​فيصل" ذات مرة العلاقات بين باكستان والمملكة العربية السعودية بأنها "على الأرجح واحدة من أقرب العلاقات في العالم بين أي دولتين دون أي معاهدة رسمية".

لكن تلك الحقبة وصلت إلى نهايتها، فقد تم تهميش بعض أفراد العائلة المالكة المقربين من باكستان، مثل ولي العهد السابق الأمير "مقرن بن عبدالعزيز"، وأصبحت الرياض في عهد "بن سلمان"، تميل إلى التساؤل أكثر: "ماذا قدمتم لي مؤخرًا؟"

ثانيًا: من الأكثر أمانًا افتراض أن المساعدة السعودية - الآن - لها ثمن.

وإذا كانت باكستان غير مستعدة لدفع هذا الثمن - القتال في حروب السعودية والابتعاد عن منافسيها - فقد يكون من الأفضل تجنب السعي للحصول على مساعدة اقتصادية من السعوديين.

ثالثًا: يجب على باكستان المضي قدمًا في الإصلاحات التي تسهل الاستثمار الأجنبي المباشر، بما في ذلك الاستثمار القادم من السعودية.

كان السعوديون عازمين على القيام باستثمارات واسعة النطاق في باكستان في عام 2019؛ لكن حكومة إسلام أباد  - ببساطة - لم تكن مستعدة لتحقيق تلك المقترحات.

يحدد "هارون شريف"، الرئيس السابق لمجلس الاستثمار الباكستاني، عددًا من الأسباب التي أدت إلى فشل المشاريع السعودية المقترحة في البدء، بما في ذلك "ضعف القدرة التقنية الباكستانية على إجراء المعاملات التجارية".

أخيرًا، ولن يكون هذا مفاجئًا للعديد من القراء، فإن الجانب العسكري الباكستاني يهم السعوديين أكثر عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الثنائية.

وسيواصل البلدان التعاون الدفاعي، بما في ذلك التدريبات المشتركة والبعثات التدريبية.

لكن من غير المرجح أن تُترجم مثل هذه الارتباطات إلى تحالف استراتيجي متجدد بين الرياض وإسلام أباد.

إن النهج السليم لباكستان هو الاحتفاظ بحسن النية مع السعوديين، وإجراء الإصلاحات اللازمة لتصبح وجهة استثمارية جذابة، والعمل على شراكات استراتيجية أكثر قابلية للتطبيق في أماكن أخرى من المنطقة.

المصدر | عارف رفيق/ميدل إيست آي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد