الاثنين 4 يناير 2021 10:20 م

ربما يكون التحدي الأصعب من بين التحديات العديدة التي ستواجهها إدارة "بايدن" هو إعادة بث الروح في الدبلوماسية متعددة الأطراف في المناطق التي تعلم فيها القادة السعي وراء مصالحهم الخاصة دون الالتفات إلى المصلحة أو الرغبات الأمريكية. ويعتبر الشرق الأوسط مثالا على ذلك.

ومن المرجح جدا أن رجال أقوياء طموحين مثل ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، والرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، وولي عهد الإمارات "محمد بن زايد"، والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، سيستمرون في ترتيب رقعة الشطرنج الجيواستراتيجية بطرق من شأنها أن تعرقل جهود الولايات المتحدة وأوروبا لصياغة حلول للمشاكل الإقليمية.

وفي حين أن الدافع لإحياء التعددية قد لا يتعارض مع الحقائق في الشرق الأوسط، إلا أنه سيتعين على الإدارة الجديدة بالتأكيد التكيف مع هذه الحقائق الجديدة.

من "أوباما" إلى "ترامب".. قليل من التغيير

وفي حين أن العديد من القادة العرب قلقون من أن البيت الأبيض في ظل إدارة "بايدن" سيحاول تخفيف العلاقات مع رجال المنطقة الأقوياء، فمن المرجح أن الإدارة الجديدة ستكيف سياساتها مع الحقائق الإقليمية بطرق لن تنفصل بشكل حاسم عن مقاربات كل من "أوباما" و"ترامب".

فبعد كل شيء، كان "باراك أوباما"، المخلص للتعددية، واقعيا أيضا. ويبدو أن قراره بعدم معاقبة رئيس النظام السوري "بشار الأسد" عام 2013 لاستخدامه الأسلحة الكيماوية، وبالتالي عدم احترام "الخط الأحمر" الذي رسمه بنفسه قبل عام، يشير إلى حدود القوة الأمريكية في المنطقة.

وهكذا، في حين أن موقف "دونالد ترامب"، المنبثق عن حملته "أمريكا أولا"، أظهر توبيخا واضحا لـ"أوباما"، فإنه لم يبتعد كثيرا عن سياسته في الشرق الأوسط. وأوضح "ترامب" في تغريداته الشوفينية ما رفض "أوباما" قوله صراحة عندما كان في منصبه؛ أي أن الاهتمامات والمصالح الداخلية للولايات المتحدة ستكون لها الأولوية قبل أي أعمال دبلوماسية أو عسكرية أمريكية في الخارج.

وبذلك، أهدر "ترامب" التعددية، ليس فقط لأنه كان يعتقد أن هذه كانت فكرة للضعفاء، ولكن لأن التعددية غالبا ما تتطلب قيادة قوية لتكون فعالة. كما تتطلب أيضا استعدادا موثوقا به من الدولة لاستخدام قدر من القوة أو الإكراه لحشد حلفائها في أي مسعى جماعي. وبدلا من القيادة من الأمام أو من الخلف، وعد "ترامب" بتقليص البصمة العسكرية الأمريكية في المنطقة.

وفي هذا السياق جاءت صفقات التطبيع الأخيرة التي توسط فيها "ترامب" بين إسرائيل من جهة والإمارات والبحرين والسودان والمغرب من جهة أخرى. ولكن لا يزال يتعين علينا رؤية ما إذا كانت هذه الاتفاقيات ستحفز صنع السلام أم ستفاقم الصراعات القائمة. لكن ما هو واضح حتى الآن هو أن النزاعات المتقاطعة في المنطقة لن تخضع بسهولة لفكرة التعددية الجديدة بقيادة الولايات المتحدة.

تشابك الوضع في سوريا

لا يوجد مسار واحد رسمي متعدد الأطراف يمكن من خلاله جمع مختلف الأطراف والمقاتلين المتناحرين لتشكيل معالم سوريا ما بعد الصراع. وبدلا من ذلك، هناك قنوات وساحات متعددة، تمت إدارتها جميعا من قبل مزيج من اللاعبين الإقليميين والدوليين، أقواهم روسيا. وقد رعت الأخيرة ما يسمى بمحادثات السلام التي تم تنظيمها لحماية مصالح "الأسد" وإيران.

ومنح إدراج تركيا في عملية أستانا الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" فوائد متعددة، ليس أقلها خلق مساحة لعضو في الناتو للحفاظ على التواصل الاستراتيجي مع موسكو، وهو ما استمر بالرغم من التوترات العميقة للغاية بين روسيا وتركيا فيما يتعلق بمصير "الأسد" وكذلك وقف إطلاق النار الهش بين البلدين في محافظة إدلب شمال غربي سوريا. وفي حين أن هناك خطوط صدع كبيرة في عملية أستانا، إلا أنها نتيجة ثانوية لاستراتيجية روسية متماسكة دعمتها موسكو من الجو وعلى الأرض.

على النقيض من ذلك، لا تعتمد محادثات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة على نفوذ أي لاعب إقليمي أو دولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي أشارت منذ فترة طويلة إلى أنها لن تقف في طريق روسيا. وبالتالي، في حين أنه قد يكون صحيحا أن الآمال في خفض التصعيد في سوريا ستتطلب بناء جسر بين جنيف وأستانا، فإن هذين الطريقين سيستمران بشكل متوازي ما لم تقرر واشنطن التدخل في اللعبة.

ولا يعني هذا أن روسيا ستجد من السهل إدارة سوريا المقسمة فعليا وظاهريا. كما أنه لا يمكنها أن تستمر في موقف المتفرج في ضوء الأزمة الإنسانية المستمرة في ذلك البلد وفي الدول المجاورة، حيث يعاني ما يقرب من 9 ملايين لاجئ سوري. ولم يوفر المؤتمر الدولي بشأن عودة اللاجئين والذي انعقد في 11 و12 نوفمبر/تشرين الثاني بدعم من روسيا أي طريق للمضي قدما.

وعُقد الاجتماع في دمشق، ومنح موسكو و"الأسد" فرصة للتظاهر بالقلق بشأن الكارثة الإنسانية وإلقاء اللوم على الولايات المتحدة في الوضع الذي تسببوا هم فيه. لكن الدعوة إلى المؤتمر لا يمكن أن تحجب الجهود المستمرة للميليشيات المدعومة من إيران لترسيخ الوجود العسكري والثقافي والديني لإيران في جنوب شرق سوريا. وهذا الوضع، الذي لا يروق بالتأكيد لتركيا، يمنع عودة اللاجئين إلى هذه المنطقة.

وإلى جانب التحديات التي تواجهها موسكو في إدارة المشكلات العسكرية والإنسانية والسياسية التي تنبع من عملية أستانا، هناك حقيقة بسيطة مفادها أن نهج روسيا في التعامل مع أزمة اللاجئين يختلف اختلافا عميقا عن نهج الغرب الذي يريد ربط تمويل إعادة الإعمار بعملية إصلاحات سياسية في سوريا يُطلق خلالها سراح السجناء السياسيين ويتم ضمان السلامة للجميع، بما في ذلك المعارضة. وفي المقابل، تريد موسكو من الدول الغربية أن تدفع تكاليف إعادة الإعمار وترفض ربط ذلك بأي مشروع سياسي.

وفي حين رفض المشاركون في مؤتمر اللاجئين في نوفمبر/تشرين الثاني، الذي ضم الصين والهند والإمارات، هذا الموقف، فإن حقيقة أن الاتحاد الأوروبي وتركيا لم تتم دعوتهم، وأن الولايات المتحدة رفضت الحضور، تؤكد وجود مأزق عالمي بشأن مستقبل سوريا، ومن غير المرجح أن يتغير الوضع في أي وقت قريب.

وسوف تكون قدرة واشنطن على لعب دور في الصراع الدبلوماسي حول سوريا مقيدة بأمرين على الأقل. أولا، المنطقة الوحيدة في سوريا التي لا تزال الولايات المتحدة تتمتع ببعض النفوذ فيها وهي المنطقة الشمالية الشرقية، حيث تساعد واشنطن في ترتيب لتقاسم السلطة بين "المجلس الوطني الكردي" و"حزب الاتحاد الديمقراطي". وينبع عدم نجاح هذا الجهد حتى الآن جزئيا من انعدام الثقة بين الطرفين والذي تعمق عندما وقع مجلس "سوريا الديمقراطية" المرتبط بحزب الاتحاد الديمقراطي مذكرة تفاهم مع حزب سياسي سوري مقرب من "الأسد" ومرتبط بروسيا.

وأبرز لعب روسيا دور المفسد في هذه القصة الغامضة حقيقة أساسية ثانية، وهي أنه ما لم تخلق الولايات المتحدة وأوروبا نهجا متعدد الأطراف له أنياب حقيقية، فإن محادثات جنيف ستستمر في لعب دور ثانوي إلى جوار عملية أستانا. وبما أن إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني سيكون البند الأول في القائمة لأي مبادرة أمريكية أوروبية جديدة، فليس لدى موسكو سبب يدعو للقلق من أي تهديد لدورها كحكم نهائي في الساحة السورية، حتى من قبل إدارة أمريكية جديدة تعد باتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه روسيا.

الحلقة المفقودة في عملية السلام في ليبيا

لا يمكن لأي قوة أجنبية أن تلعب هذا النوع من الدور المهيمن في ليبيا. وفي الواقع، جاء وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 23 أكتوبر/تشرين الأول من خلال وساطة الأمم المتحدة بين حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في طرابلس، برئاسة رئيس الوزراء الليبي "فايز السراج"، والجيش الوطني الليبي بقيادة "خليفة حفتر"، نتيجة للجمود بين هذين الطرفين المدعومين من قبل القوى الإقليمية.

وأدى انعقاد منتدى الحوار السياسي الليبي في تونس، في الفترة من 7 إلى 19 نوفمبر/تشرين الثاني، إلى وضع خارطة طريق للانتخابات وآلية لمواصلة المحادثات. لكن كما لاحظ الخبراء في الشأن الليبي، أخفق المنتدى في توفير آلية رسمية لمحاسبة القوات الأجنبية على دعمها لطرفي النزاع الرئيسيين.

ويمكن للولايات المتحدة، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، قيادة مثل هذا الجهد متعدد الأطراف. لكن ذلك سيتطلب من واشنطن حشد الإرادة السياسية والضغط لضمان دعم مصر وتركيا والإمارات وقطر والسعودية للمفاوضات بدلا من تقويضها.

وسيكون ذلك صعبا لأنه على مدار الأعوام القليلة الماضية سعت هذه الدول إلى تحقيق مصالحها في ليبيا دون إيلاء الكثير من الاهتمام لواشنطن. وبالفعل، فإن وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول كان مدفوعا جزئيا بتهديد مصر بالتدخل عسكريا لدعم "حفتر"، الذي تلقت قواته ضربات من قوات حكومة الوفاق الوطني المدعومة بطائرات تركية بدون طيار.

ومن خلال التهديد بإرسال قوات، وبالتالي رفع احتمالية نشوب حرب فعلية بين مصر وتركيا، دفع "السيسي"، أو "الديكتاتور المفضل لترامب"، البيت الأبيض في النهاية للعمل مع مصر لتمهيد الطريق لمحادثات جديدة. وفي النهاية، كانت القاهرة هي صاحبة القرار بكل معنى الكلمة.

وفي ضوء هذه الأحداث، سيتعين على إدارة "بايدن" القادمة صياغة دبلوماسية ذكية وهي تتواصل مع المنافسين الإقليميين الذين لديهم أسبابهم الخاصة للتمسك باستقلالهم عن واشنطن. وأعطى وعد "بايدن" بالتوقف عن منح الحكام المستبدين "شيكا على بياض" سببا للقلق لدى "السيسي"، لكن يمكن للرئيس المصري أيضا أن يتصدى لضغوط الإدارة الجديدة لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في مصر من خلال تقليل دعمه لمحادثات ليبيا. وقد تدعمه روسيا وفرنسا، لأنهما قدمتا دعما عسكريا لـ"حفتر"، ولأنهما يشتركان في عداء القاهرة لحكومة الوفاق الوطني وحليفها الإقليمي الأقوى، تركيا.

وبالتالي، فإن صياغة نهج أمريكي أوروبي مشترك سيكون أمرا صعبا، لا سيما إذا اتخذ "بايدن" موقفا أكثر صرامة تجاه روسيا، كما وعد فريقه للسياسة الخارجية.

ولدى تركيا أيضا أسبابها الخاصة لعدم التجاوب. وفرضت إدارة "ترامب" للتو عقوبات على أنقرة لشرائها نظام الصواريخ الروسي "إس-400". وسوف يعقد تصريح وزير الخارجية "مايك بومبيو" بأن "الولايات المتحدة لن تتسامح مع أي معاملات مهمة مع قطاعي الدفاع والاستخبارات في روسيا" أي جهد من جانب إدارة "بايدن" لتقليل التوترات مع تركيا، خاصة إذا رد "أردوغان" بتأكيد عزمه على العمل مع روسيا.

وليس لدى موسكو وأنقرة نفس الأهداف النهائية في ليبيا أو سوريا، لكن لديهما أسباب لجعل الحياة صعبة على "بايدن". وبالفعل، فإن توقيع الاتفاق العسكري في 13 نوفمبر/تشرين الثاني بين حكومة الوفاق الوطني وقطر، والذي أدانته مصر، يؤكد مدى صعوبة قيام واشنطن بمنع حليف عربي خليجي مهم من اتخاذ خطوات يمكن أن تزيد من حدة الصراعات في منطقة تحاول فيها الولايات المتحدة دعم قيادة متعدد الأطراف.

طريق صعب معبد بالنوايا الحسنة

وسوف يصيب صداع مماثل فريق السياسة الخارجية لـ"بايدن" حيث يحاول تحقيق وعده بالدفع باتجاه حل تفاوضي للحرب الأهلية اليمنية. واتخذت إدارة "ترامب" خطوات لتشجيع السعودية على متابعة مقترحات السلام، التي قدمتها الرياض الصيف الماضي. لكن البيت الأبيض في ظل إدارة "بايدن" سيواجه عملية موازنة صعبة. وبينما يحاول إحياء الاتفاق النووي الإيراني، فإنه سيتواصل أيضا مع الحكومة السعودية التي انتقدها "بايدن" بشدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

علاوة على ذلك، إذا قرر البيت الأبيض في عهد "ترامب" وضع ميليشيا الحوثي على قائمة الإرهاب الأمريكية الرسمية، وهو ما يبدو مرجحا للغاية، فسيكون لدى "بايدن" مساحة أقل للمناورة.

ولا يعني أي من هذا أنه يجب على الولايات المتحدة ألا تتبع دبلوماسية متعددة الأطراف. ويمكن، كما تم اقتراحه من قبل، محاولة استخدام تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسودان والمغرب لدفع المحادثات التي تركز على التحديات الاقتصادية والبيئية الإقليمية، أو بشكل أكثر طموحا لإحياء محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية.

لكن الجهات الفاعلة في المنطقة لها أجنداتها الخاصة التي لن تتوافق مع أجندة إدارة "بايدن" الجديدة. وتقدم التقارير التي تفيد بأن مصر تسعى إلى "جبهة ثلاثية" مع إسرائيل والسودان لمواجهة النفوذ التركي في مسرح البحر الأحمر، وانضمام الإمارات لمنتدى غاز شرق المتوسط ​​كمراقب، تذكيرا قويا بأن الصراعات المتداخلة في المنطقة ستخلق حواجز مهمة على طول مسار شائك.

المصدر | دانييل برومبرج - المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد