السبت 9 أغسطس 2014 09:08 ص

أحمد عزم، المونيتور

شهدت الضفة الغربية اضطرابات متفرقة خلال حرب غزة، ولكن من غير المحتمل أن تتطور إلى انتفاضة شعبية كاملة بسبب معارضة السلطة الفلسطينية إلى احتجاجات واسعة النطاق.

إضافة إلى النّشاطات الإغاثيّة وجمع المساعدات والتبرّعات، تنقسم النّشاطات التضامنيّة في الضفّة الغربيّة مع قطاع غزّة إلى أربعة أنماط أساسيّة:

- مظاهرات ومسيرات احتجاج محليّة.

- مسيرات مركزيّة كبرى تسعى إلى حراكات جماهيريّة على غرار احتجاجات الرّبيع العربيّ.

- حملات مقاطعة للسلع الاسرائيليّة.

- مواجهات تتضمّن أعمال عنف ضد المستوطنين والجنود الإسرائيليّين.

والسؤال: هل يمكن لهذه النشاطات أن تطوّر لحركة جماهيريّة مستمرّة وواسعة؟ يعطي الاقتراب من كلّ نشاط من النشاطات الأربعة المذكورة فرصة لفهم أفضل للوضع.

وعلى صعيد الاحتجاجات الموقعيّة، رصدت "المونيتور" نشاطات عدّة، وإنّ إحدى الإشكاليّات التي يواجهها الشبّان المحتجون أنّ قوّات الاحتلال، وفق ترتيبات التّنسيق الأمنيّ مع الجانب الفلسطينيّ، لم تعد تظهر سوى في حالات محدّدة في قلب المدن وفي مناطق ذات كثافة سكانيّة، ممّا يجعل هذا النّوع من المواجهات متعذّراً، وهي التي كانت تميّز مرحلة ما قبل أسلو، وبالتّالي تفقد الوقفات الاحتجاجيّة والمسيرات البعيدة عن الاسرائيليّين جاذِبيّتها.

والملاحظ أنّ الشباب بدأوا يطوّرون نمطاً جديداً من المواجهات، في القرى قرب المستوطنات، أو عند الحواجز، إذ يقطعون الطرق ويمنعون سيّارات إسرائيليّة من المرور، وأحياناً يراقب الجيش عن بعد، وكما شاهدت "المونيتور" فذلك يحدث في قرية العيزرية، قرب مستوطنة معاليه أدوميم، قرب القدس. وأحياناً يقتحم الأماكن، كما فعل في بيت حينينا شعفاط. ويصبح التساؤل إلى أيّ مدى وكيف ستطوّر مواجهات كهذه؟.

إنّ تعذّر المواجهات التقليديّة مع الاحتلال أدّى إلى التّفكير في نوع ثان من النّشاطات، وذلك من خلال محاولة تنفيذ مسيرات جماهيريّة كبرى خارج مناطق نفوذ السلطة، كالاحتجاجات قرب سجن عوفر غرب رام الله، أو "مسيرة ليلة القدر" في نهاية شهر رمضان الفائت في اتّجاه حاجز قلنديا الاسرائيليّ. ولقد أشارت المسيرة التي سمّيت بـ"مسيرة 48 ألف" إلى الرغبة في جمع 48 ألف متظاهر، نسبة إلى عام النّكبة الفلسطينيّة 1948، وهو عدد غير مسبوق من المحتّجين.

وكان قد دعا إلى هذه المسيرة شباب ينتمي جزء منهم إلى حركة "فتح"، ولكنّهم تحرّكوا من دون قرار قياديّ، وهذا ما أوضحه أحدهم في خطبة على دوّار المنارة - الميدان الرئيسيّ في المدينة، حضرتها "المونيتور"، قبيل المسيرة بأيّام، إذ قال: "هذه مسيرة لا علاقة لها بالقيادات"، في إشارة إلى غياب دور هذه القيادات.

لقد غابت أجهزة الأمن الفلسطينيّة عن مشهد المسيرة، إذ يمنع على الشرطة الفلسطينيّة العمل في منطقة قلنديا، بموجب التنسيق الأمنيّ الفلسطينيّ – الإسرائيليّ. وإذ استقطبت المسيرة عدداً من قادة الفصائل لم يكن لهم دور في التّنظيم أو القيادة، واجه الاحتلال المسيرة بقسوة بالغة أدّت إلى استشهاد شخص وإصابة المئات بالرصاص الحيّ، ممّا دفع إلى التساؤل: هل يمكن المضي في مثل هذه النشاطات الجماهيريّة المقتبسة من الربيع العربيّ؟.

وقالت مصادر المنظّمين للمسيرة لـ"المونيتور": "لقد حاولنا دعوة الفصائل الفلسطينيّة للقيام بمهامها بعد المسيرة ومتابعة النشاط الجماهيريّ الذي جسّدته، على اعتبار أنّ هذا النشاط ومتطلّبات متابعته يتعدّيان قدرات مجموعات شبابيّة محدّدة وإمكاناتها.

وفي الأثناء، يبدو أنّ عناصر "حماس" تفضّل المشاركة في التّظاهرات والمسيرات، ولكن تبتعد عن قيادة حراك جماهيريّ علنيّ واضح، ربّما تفادياً لضربة أمنيّة اسرائيليّة، أو لأنّ أعداداً كبيرة من القيادات السياسيّة اعتقلها بالفعل الجيش الإسرائيليّ.

وحفّزت مسيرة قلنديا مجموعات في بيت لحم والخليل ومدن أخرى لتنظيم مسيرات شبيهة. وفي هذا المجال، قال النّاشط بديع دويك في جنوب الضفّة الغربيّة لـ"المونيتور": "يفتقد الشبّان المشاركون، خصوصاً من الجيل الجديد إلى تصوّر ورؤية بعيدة المدى لما يمكن أن تكون عليه تحرّكاتهم. وإنّ الفصائل وأعضاءها موجودان في التحرّكات، ولكن من دون قرارات مركزيّة وخطط واضحة الأهداف والسياسات".

من جانبه، قال عضو قياديّ في حركة "فتح": "إنّ الانتفاضة مستحيلة من دون صدام مع السلطة الفلسطينيّة، التي ترفض احتجاجات واسعة. وإنّ تجنب الصدام بين المواطنين والسلطة أمر حكيم وضروريّ، ولكنّه يطرح سؤال ما هو الحلّ؟ وما هو البديل؟".

ويتّفق مع هذا الطرح منسّق تجمّع "شباب ضد الاستيطان" في مدينة الخليل عيسى عمرو الذي قال: "هناك وضع متفجّر، ولكن اتّساع الانتفاضة واستمرارها متعذّران لأسباب أهمّها أنّ حركة فتح وقياداتها الضعيفة غير قادرة على اتّخاذ قرار بتبني مشروع مقاوم. كما أنّ السبب الثاني هو التنسيق الأمنيّ، إذ أنّ الأجهزة الأمنيّة تتابع وتعيق كلّ المجموعات الصغيرة التي تتشكل. أمّا السبب الثالث فهو أنّ مجموعة كبيرة من التّجار هم من المستفيدين من الاحتلال. وبالنّسبة إلى السبب الرّابع هو ردّة الفعل العنيفة من الاحتلال على النشاطات الشعبيّة".

ولفت إلى أنّ "الذي يقود الشارع حاليّاً، هي اللجان الشعبيّة ومجموعات شبابيّة غير محسوبة على فتح والسلطة، حتى إن كانت توجّهاتها فتحويّة". .

كذلك، عبّر أعضاء قياديون في "فتح"، عن "امتعاضهم من مستوى رد الفعل القيادي على الأحداث في غزّة.

وقال عضو اللجنة المركزيّة في "فتح" عبّاس زكي: "إنّ القيادة الفلسطينيّة لم تقرأ التحوّلات والخطر، ويعتقد أنّ أعضاء حركة "فتح" والشعب عموماً تجاوزوا القيادة في نشاطهم، وأنّ الحركة تأخرت كثيراً في بلورة ردّ فعلها.

أمّا النشاط الثالث فهو موضوع مقاطعة السلع الإسرائيلية، وينطبق عليه ما ينطبق على غيره من النشاطات، بأنّ فرضه بالقوّة كما كان يفعل شبان الانتفاضة عام 1987 يصطدم برفض السلطة الفلسطينيّة لذلك، ويفتقد لعمل فصائليّ منظّم ومستمرّ، وإن بدأ بعض الضغوط والحملات المدنيّة يؤدّي إلى نوع من المقاطعة من قبل بعض محلات السوبرماركت الكبرى.

وإنّ النشاط الرّابع الذي ظهر أخيراً هو محاولات فرديّة لعمليات عنيفة، من نوع طعن حارس أمن إسرائيلي، أو مهاجمة حافلة اسرائيليّة من قبل سائق جرافة فلسطينيّ وفي الواقع أنّ هذه النشاطات تبقى فردية، وهناك موقف واضح من القيادة الفلسطينيّة برفضها، وهو موقف تكاد تتبنّاه مختلف الفصائل. وفي هذا الإطار، قال قائد حركة "حماس" خالد مشعل في خطاب: "إنّ ضحايانا مدنيّون وقتلاهم جنود وعسكر"، ما قد يكون تلميحاً بتبني موقف يركّز على المواجهة مع الاحتلال العسكريّ.

في المحصّلة هناك استعداد جماهيريّ وظرف موضوعي لقيام حركة احتجاج واسعة على شكل انتفاضة ناضجة، مع استبعاد العمل العسكريّ عنها، ولكن حتّى الآن تبدو معضلة التزامات السلطة الأمنيّة والاقتصاديّة والسياسية هي الأكبر أمام حراك كهذا، ممّا يجعل الجدل المتوقّع في الأسابيع المقبلة حول "العلاقة بين السلطة والمواجهة"، بعد أن برهنت الأسابيع الماضية أنّهما لم تلتقيا.

فمن الواضح أن السلطة الفلسطينية لن تشجع أو تقبل بحركات جماهيرية أو احتجاجات. وبالتالي، فمن المتوقع أن الاضطرابات الحالية في الضفة الغربية سوف تتبدد إذا تم التوصل إلى وقف إطلاق النار على المدى الطويل للنزاع في غزة. يجب على الناشطين أن يبدأوا بالتفكير في استراتيجيات جديدة لتجاوز الرفض الرسمي للمقاومة الشعبية، مع الانتخابات القادمة - إذا تم إجراؤها - وبالاتحاد للتعبير عن استيائهم من القيادات الحالية لمنظمة التحرير الفلسطينية.