الاثنين 24 نوفمبر 2014 02:11 ص

تكتفي ذاكرتنا الحديثة احيانا عندما نبحث عن المعنى الدقيق لتعبير «الانتفاضة» في النضال الفلسطيني، بالعودة الى ما اصطلح على تسميته «الانتفاضة الاولى»، التي نشبت في العام 1987 في انحاء الضفة الغربية، ولم يوقفها الا سريان مفعول «مؤتمر مدريد». 

لكن تعبير «الانتفاضة»، الذي كان يختلط أحيانا بتعبير «الثورة»، هو مرافق في الحقيقة للنضال الفلسطيني منذ الربع الاول من القرن العشرين، عندما بدأت تتكشف شيئا فشيئا ابعاد المخطط الصهيوني - الاستعماري لتحويل مرحلة ما سمي بالانتداب البريطاني على فلسطين، الى مرحلة التأسيس الفعلي والعملي لدولة «إسرائيل»

وفي هذا المجال قد يكون ما سمي بـ«ثورة البراق» في العام 1929، من اوائل الانتفاضات الشعبية التي عرفها النضال الفلسطيني، ثم تلتها انتفاضة «عزالدين القسام» في النصف الاول من الثلاثينيات، ثم ثورة 1936 التي سميت الثورة الكبرى، لانها امتدت حتى العام 1939، ولم تتوقف الا بتدخل الملوك والرؤساء العرب، مع بعض القادة السياسيين المحليين في فلسطين. 

وإذا كان من الصعب أن نطلق على الانتفاضة تعبيرا علمياً موحداً، يصفها في حالاتها كلها، غير ان الاساس الموحد في كل الانتفاضات هو ان تكون المبادرة الشعبية الفلسطينية في مقدمة الاحداث، وقد يتبعها احيانا مبادرات لاحقة من القيادات السياسية المحلية، اما للتماشي معها او لوأدها. 

من هنا، فان ما يحدث حاليا في الضفة الغربية، وخصوصاً في مدينة القدس، يحمل مقدمات طبيعية لما يمكن ان نصفه بانتفاضة شعبية ثالثة، تستعد «إسرائيل لمواجهتها بكل ما أوتيت من قوة ومن اساليب متعددة.
لكننا اذا القينا نظرة سريعة الى الظروف الفلسطينية والعربية، التي تحيط بمقدمات هذه الانتفاضة الثالثة، فسرعان ما نكتشف ان هذه الانتفاضة، اذا ما قدر لها ان تواصل انطلاقتها، فانها قد تكون اصعب انتفاضة خاضها شعب فلسطين منذ ولادة القضية وحتى اليوم، وذلك لاسباب عديدة، أبرزها اثنان: 

أولاً: لا يبدو ان أي حدث في سخونة العدوان الاسرائيلي الاخير على غزة، قابل للتكرار في المستقبل القريب. فاذا كان هذا العدوان لم يستطع ان ينجز مصالحة بين القيادات الفلسطينية في الضفة وغزة، اكثر من الايام المعدودة التي استغرقها العدوان، فان الحالة الراهنة للانقسام الحاد بين القيادات الفلسطينية، تبدو غير قابلة لأي حل سعيد في المدى القريب او المنظور.

صحيح أن المبادرة في مقدمات الانتفاضة هي حتى الآن بأيدي الاوساط الشعبية، بعيداً عن حسابات قيادتي الضفة وغزة، غير ان السلطة في الموقعين قادرة على التدخل في اي وقت، فتضع حداً للانتفاضة، باسم اي اتفاق شكلي لا معنى له مع السلطة الإسرائيلية. 

نحن إذاً امام واقع فلسطيني شديد الهشاشة قابل لأي حاجز ينتصب فجأة في وجه انطلاق مقدمات الانتفاضة الثالثة الى غاياتها الوطنية المنشودة. واشد ما يبعث على الخوف في هذا المجال هو ان كلتا السلطتين الفلسطينيتين المتنازعتين، لا تقدر مدى الانعكاس السلبي لهذا الانقسام على معنويات القوى الشعبية، في كل من الضفة الغربية وغزة.

أما السبب الرئيسي الثاني: فيتصل بعدم بروز ملامح تغيير على دور مصر الاستراتيجي، كما قيدته وما زالت تقيده «اتفاقية كامب دافيد». وافدح ما في الغياب المستطيل لهذا الدور، ان الانظمة العربية بمجموعها بين المحيط والخليج، كمن أعطى لنفسه فرصة وجد مبرراتها واعذارها كلها في غياب القطر العربي الاكبر والاهم (مصر) عن الساحة الاستراتيجية للصراع، حتى بات العديد من الانظمة التي لم توقع معاهدات سلام مع «إسرائيل»، في حالة موازية تماما لحالة توقيع المعاهدة.
إن البرودة الرسمية والشعبية العربية التي قوبل بها وصول العدوان الاسرائيلي الى احتمال الاستيلاء الفعلي على «المسجد الأقصى» تمهيدا لهدمه، يخشى ان تتحول الى افدح العوامل السلبية التي تحيط بمقدمات الانتفاضة الثالثة، التي دفعت «إسرائيل» حتى الان الى التراجع. احتمالات تطور الانتفاضة ليست قليلة، لكن احتمالات احباطها واجهاضها ليست قليلة ايضا. لذلك نرى اننا امام احتمال ولادة انتفاضة ثالثة، لكن وسط اصعب ظروف واجهها نضال الشعب الفلسطيني، منذ مطلع القرن العشرين حتى اليوم.

المصدر | السفير