الخميس 7 يناير 2021 06:59 ص

الانتخابات العراقية وتدوير الزوايا

هل ستحقق الانتخابات أهداف حركة الاحتجاج الواسعة التي قدّمت 600 شهيد و20 ألف جريح ومعوّق؟ أم ستعمّق الأزمة بتدوير الزوايا؟

حكمت الشيعيّة السياسية في العراق منذ 2005 وحكمت الإثنية الكُردية كردستان بالتقاسم بين الحزبين منذ 1992 فهل تغيّرت الصورة أم تعقدت؟

نقطة البدء إصلاح النظام القانوني والدستوري بإلغاء ما يعيق تطبيق معايير ديمقراطية وإزالة الألغام خاصة «التوافق» الذي هو نظام محاصصة.

لا بدّ أن يعترف الجميع بوجود أزمة ويُبدوا رغبة في حلّها بالتوصل لعقد اجتماعي جديد يؤصيل المواطنة ويعمق دور البرلمانيّ مشرّعاً ورقيباً لخدمة المجتمع.

*     *     *

أعلن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، يوم 6 يونيو/ حزيران 2021 موعداً لإجراء الانتخابات التي كانت أحد المطالب التي رفعتها ساحات الاحتجاج منذ شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2019، وكانت بعض الكتل والكيانات السياسية أعلنت عن استعدادها لخوض الانتخابات طارحة «أحقّيتها» في تولّي منصب رئاسة الوزراء، ولا سيّما كتلة «سائرون»، بقيادة مقتدى الصدر، باعتبارها تمثّل «الكتلة الأكبر» في البرلمان الحالي.

إلّا أنّ هناك أوساطاً شعبيّة بدأت تشكّك في إمكانية إحداث تغيير بواسطة الانتخابات وحدها من دون إجراء إصلاحات جذريّة في بُنية النظام السياسي والقانوني، فهل ستؤدي الانتخابات إلى تحقيق الأهداف المنشودة لحركة الاحتجاج الواسعة التي قدّمت أكثر من 600 شهيد، ونحو 20 ألف جريح ومعوّق؟ أم أنها ستعمّق الأزمة بتدوير الزوايا؟

وإذا كان هناك شبه إجماع شعبي على ضرورة التغيير، سواء بالانتخابات أو بغيرها، إلّا أنّ هناك طيفاً واسعاً من المجتمع أخذ يتلمّس عدم جدوى التعويل على الانتخابات وحدها في ظلّ قانون انتخابي لا يلبّي طموحها، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى المزيد من الإخفاق ويمنح «الشرعيّة» للقائمين على الحكم في إطار منظومة 9 نيسان، تلك التي استأثرت بالسلطة ما بعد الاحتلال، والتي مارست نوعاً من الحكم أدّى إلى تشويه الفكرة الديمقراطية، خصوصاً في ظلّ دستور قام على مبدأ «المكوّنات» التي لا تعني سوى المحاصصة الطائفية الإثنية على حساب المواطنة المتساوية والمتكافئة.

 وهذا يعني هزيمة عمليّة التغيير عبر «خيار الانتخابات» القادمة بالصورة التي جرت فيها، والآليات التي اعتمدتها، والتقنيّات التي سارت عليها سابقاً، وتبديداً للتضحيات الجسام التي اجترحتها حركة الاحتجاج، حيث سيصاب المواطن بخيبة أمل مريرة تزيد من معاناته، لأنّ البرلمانات التي أنتجتها الانتخابات السابقة توزّعت بين قوائم وحصص للكتل والجماعات السياسيّة ذاتها، من دون تغيير يُذكر. وظلّت الائتلافات الثلاثة «راسخة» بين الشيعيّة السياسيّة التي لها موقع رئاسة الوزراء، والسُنّية السياسية التي لها موقع رئاسة البرلمان، والكردية السياسية التي لها موقع رئاسة الجمهورية، خصوصاً لفريق منها، أمّا الفريق الآخر فله وزارة الخارجية أو وزارة المالية، ناهيك عن التوزيعات الأخرى لبقيّة المواقع التي يُطلق عليها السياديّة.

 إنّ ذلك يعني تراجع إنتاج طبقة سياسية جديدة خارج نطاق البلوكات القائمة، واستمرار صيغة الائتلافات الحاكمة بتدوير طاقمها في إطار زوايا مغلقة، وقد ظلّت التجربة اللبنانية نحو 7 عقود من الزمان تدور داخل الدائرة نفسها، والتي تكرّست بعد انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف عام 1989، حيث تكرّر تدوير الزوايا على نحو تستطيع كل زواية منها أن تعطل الزوايا الأخرى لما يسمّى ب«الثلث المعطّل».

 ويبدو أنّ التجربة العراقية اقتفت أثر التجربة اللبنانية، الأمر الذي سيزيد من الإحباط الشعبي، ويضعف من الاندفاع الذي يطالب بالتغيير ويعوّل على الانتخابات كإحدى وسائله بسبب بقاء القديم على قِدمَه، واستمرار الطبقة الحاكمة في مواقعها، رغم فشلها المزمن في تحقيق الحدّ الأدنى من حقوق المواطن في ظلّ استمرار الفساد المالي والإداري، وانفلات السلاح، واستشراء ظواهر العنف والإرهاب والتغوّل على الدولة، بتقديم مرجعيات ما دونها إلى ما فوقها باسم الطائفة، أو الدِّين، أو العشيرة، أو الحزب، أو المنطقة، أو الجهة، فضلاً عن تدهور الخدمات الصحية والتعليميّة والبلديّة وارتفاع معدلات البطالة وازدياد مستويات الفقر والجريمة، لذلك انحسرت جاذبيّة الانتخابات.

 وإذا كان شعار «الثورة في صندوق الاقتراع» وهو عنوان كتاب لي عرضت فيه تجارب دولية منذ التسعينات في أمريكا اللاتينيّة والبلدان الاشتراكية السابقة، إضافة إلى نجاح نيلسون مانديلا بالفوز في انتخابات ديمقراطية أدّت إلى وضع حدّ لنظام الفصل العنصري الذي دام ما يقارب ثلاثة قرون من الزمان، فإنّ الأمر يحتاج إلى توفّر مستلزمات ضروريّة سياسيّة، وقانونيّة، وأمنيّة، وإجرائيّة، وفي حالة غيابها سيتم تدوير الزوايا الحادّة، الأمر الذي سيزيد الأزمة العراقيّة السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعية حدّة.

لقد حكمت الشيعيّة السياسية ثلاث دورات ونيّف في العراق، منذ عام 2005، وكذلك حكمت الإثنية الكُردية إقليم كردستان بالتقاسم بين الحزبين منذ عام 1992، فهل تغيّرت الصورة، أم ازدادت تعقيداً؟

إنّ نقطة البدء تكمن في إصلاح النظام القانوني والدستوري بإلغاء كلّ ما من شأنه إعاقة تطبيق المعايير الديمقراطية، وإزالة الألغام العمليّة التي تعترض ذلك، ولا سيّما العُرف المعتمد تحت عنوان «التوافق» الذي هو في حقيقته نظام للمحاصصة.

ولا بدّ أن يعترف الجميع بوجود الأزمة، وأن يُبدوا الرغبة في حلّها بالتوصل إلى عقد اجتماعي جديد لتأصيل المواطنة، وتعميق الفهم السليم لدور البرلمانيّ باعتباره مشرّعاً ورقيباً لما فيه خدمة المجتمع.

* د. عبد الحسين شعبان أكاديمي ومفكر عراقي، نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت.

المصدر | الخليج