الجمعة 8 يناير 2021 01:13 م

بعد عام من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي الحاد، يقترب لبنان من أزمة شاملة يمكن أن تطيح حتى بأكثر أعضاء النخبة الحاكمة رسوخًا، ما يثير شبح الاضطرابات واسعة النطاق أو حرب أهلية أخرى.

ويعاني لبنان وضعا شديد التعقيد، فاقتصاده في حالة من الفوضى، وميزانيته الوطنية غير مستدامة، وبنيته التحتية في حالة سيئة، وأمنه في خطر دائم من المتطرفين والصراعات الإقليمية والاضطرابات الداخلية.

لكن مع عدم وجود ضوابط على سلطتها، لا تزال الفصائل السياسية المختلفة في لبنان تجد طرقًا لإدارة هذا الخلل، وتكافح للبقاء متقدمة بخطوة واحدة على كارثة يمكن أن تطيح بمكانها في السلطة.

يكمن جوهر مشاكل لبنان في الفساد الحكومي، فالسلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية مسيطر عليها من قبل أشخاص وفصائل ليس لديهم حافز لتغيير النظام.

وبالرغم من سنوات من المطالب والمشورة الدولية، لم يتحركوا باتجاه الإصلاحات اللازمة لكسب المساعدات الدولية، وحتى التحقيق في انفجار مرفأ بيروت الكارثي في ​​أغسطس/آب 2020، من غير المرجح أن يحدث شرخا في النظام السياسي الفاسد.

حتى في الخارج، فإن الحلفاء الرئيسيين للبلاد غير مهتمين بممارسة هذا النوع من الضغط الذي قد يفرض تحولًا حقيقيًا في السلوك الطائفي.

بعد انفجار ميناء بيروت، اتجهت فرنسا نحو لعب دور بارز في معالجة الاضطرابات الداخلية في لبنان لكن باريس منذ ذلك الحين تراجعت إلى نهجها الاستراتيجي التقليدي الذي يعطي الأولوية لاستقرار لبنان من خلال تغيير تدريجي تفاوضي.

وتستمر فرنسا في الحفاظ على نفوذها في البلاد، والذي يمر من خلال الأحزاب الطائفية مثل تيار "المستقبل" الذي يهيمن عليه السنة.

استهدفت الولايات المتحدة في عهد الرئيس "دونالد ترامب" لبنان في إطار حملتها ضد إيران، وفرضت واشنطن عقوبات على البنوك والمؤسسات المرتبطة بـ"حزب الله".

لكن بدلاً من فرض تغيير إيجابي، أدى هذا الضغط المالي المتزايد من واشنطن إلى تسريع التدهور الاقتصادي في لبنان، مع بقاء النظام السياسي في البلاد على حاله.

وتجدر الإشارة إلى أن التأثيرات الأجنبية التقليدية تراجعت عن استخدام البلد كمسرح لحرب الوكالة وذلك لمصلحتها الإقليمية، ففقد نقلت السعودية وإيران صراعاتهما بالوكالة إلى أماكن أخرى في المنطقة، وبالتحديد العراق واليمن وسوريا التي استنزفتها الحرب الأهلية.

أما إسرائيل التي خاضت حرب عام 2006 مع "حزب الله"، فهي لا تهتم كثيرًا بتكرار ذلك التاريخ المكلف، وبالنسبة لإسرائيل، فإن هز القارب في لبنان قد يهدد مفاوضاتها الجارية مع بيروت حول الحدود البحرية التي يمكن أن تثبت وصول إسرائيل إلى احتياطيات كبيرة من الطاقة في البحر الأبيض المتوسط.

من جانبها، ليس لدى إيران سبب وجيه لقلب النظام الطائفي الذي سمح لها بترسيخ "حزب الله" كوكيل ضد إسرائيل، ومع ذلك، قد تبدأ طهران في التدخل إذا بدأ عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان في تهديد نفوذ "حزب الله" بشكل مباشر، لكن في الوقت الحالي، لا يزال الخلل في لبنان مسألة داخلية إلى حد كبير.

ومع عدم رغبة المجتمع الدولي في المساعدة، يبدو أن الدوافع الأكثر احتمالا لكسر الجمود السياسي في لبنان ستكون محلية.

ويمكن أن يشمل ذلك الغضب الشعبي القادر على كسر حالة الطائفية من خلال إنتاج أحزاب وقادة جدد عبر طرق مختلفة مثل الانتخابات الجامعية، والانتخابات المحلية والبلدية، وحتى الانقسامات المحتملة داخل الفصائل الموجودة في البرلمان، ويمكن للفصائل الجديدة داخل الطوائف أن تمثل تحديا للمؤسسات القائمة، ما يجبرهم على اتخاذ حل وسط.

ومع ذلك، من المرجح أن تتطلب مثل هذه التحديات السياسية الشعبية إقبالًا كبيرًا من ناخبي المعارضة في الانتخابات الوطنية، والتي ليس من المقرر إجراؤها حتى عام 2022 على الأقل.

وبينما توجد مؤشرات واضحة على الغضب الشديد من الأحزاب الحالية، فقد قاوم لبنان تاريخيًا إدخال فصائل جديدة قابلة للحياة داخل نظامه الطائفي.

في عام 2016، على سبيل المثال، فازت "بيروت مدينتي"، وهي حركة سياسية جديدة، بإقبال كبير في الانتخابات البلدية في بيروت، لكنها مع ذلك فشلت في تأمين أي مقاعد في المجلس.

يمكن أن يأتي فاعل محتمل آخر للتغيير من المؤسسة نفسها، لكن من غير المرجح أن تغير النخبة السياسية في لبنان أساليبها حتى لا يتعرض أمنها المادي والاقتصادي للتهديد المباشر.

وإذا استمر لبنان في مساره الحالي، فقد يتزايد تدفق اللاجئين اللبنانيين الذين يشقون طريقهم الآن إلى أوروبا، حيث يزداد تدهور الوضع الإنساني والاجتماعي في لبنان وينتج عنه غضب أعمق، ويمكن لموجة اللاجئين هذه أن تحفز الدول الأوروبية، خاصة فرنسا، على اتخاذ إجراءات ضد الحكومة اللبنانية لإجبار قادتها على السير في طريق الإصلاح.

وقد تؤدي الآفاق الاقتصادية المتدهورة إلى تطرف الشباب اللبنانيين الذين قد ينخرطون في احتجاجات أكثر استدامة وعنفا، ما يزيد من مخاطر الاشتباكات مع قوات الأمن والسلطات السياسية ويحول الأزمة إلى أزمة أمنية يمكن أن تجبر شخصيات مؤسسية على السعي للتغيير كوسيلة لاستعادة الاستقرار لكنها قد تهدد توازن القوى، بين عدد لا يحصى من الجماعات السياسية والدينية، والذي منع البلاد من الانزلاق إلى حرب أهلية أخرى.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد