الجمعة 8 يناير 2021 10:32 م

كانت الإمارات والبحرين من بين الدول القليلة الأولى التي وافقت على تلقي اللقاحات الصينية لـ "كوفيد-19"، التي طورتها مجموعة "تشاينا ناشونال بيوتيك"، وهي جزء من المجموعة الصينية الوطنية للصناعات الدوائية "سينوفارم".

وشارك كلا البلدين في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية الدولية للقاح الصيني منذ أواخر يونيو/حزيران 2020.

وبالرغم من الموافقة عليها، توجد شكوك حول فاعلية اللقاحات الصينية.

ومنذ أن دخلت اللقاحات مرحلة الاختبار الأخيرة في التجارب السريرية، كان هناك القليل من البيانات المتاحة حول فعاليتها.

وفي الواقع، أظهرت نتائج اللقاح التجريبي لشركة "سينوفاك بيوتيك" الصينية، "كورونا فاك"، على سبيل المثال، أن "مستوى الأجسام المضادة المنتجة كان أقل مقارنة بالأشخاص الذين تعافوا من المرض".

وبالتالي كانت النتائج أقل من التوقعات، مقارنة بالمنتجين الآخرين، مثل لقاح "أكسفورد-أسترازينيكا" بمعدل كفاءة 70%، وأقل نجاحا بكثير من لقاحي "موديرنا" و"فايزر" الأمريكيين، اللذان أثبتا فعالية بنسبة 90% في المراحل المتأخرة من التجارب، ولقاح "سبوتنيك في" الروسي، الذي تدعي روسيا أنه فعال بنسبة 92%.

وفي 9 ديسمبر/كانون الأول، أشارت السلطات الصحية في الإمارات إلى معدل فعالية بلغ 86% للقاح "سينوفارم" الصيني، بعد التجارب البشرية التي أُجريت في الإمارات.

ومع ذلك، لاحظ العديد من العلماء أن الإعلان يفتقر إلى البيانات الكافية والتفاصيل الهامة الأخرى.

وكانت الإمارات من بين 10 دول تختبر فيها "سينوفارم" لقاحها.

وفي حديثه بشرط عدم الكشف عن هويته، أوضح أحد المتخصصين رفيعي المستوى في مجال الأبحاث السريرية أنه لا يمكن تحديد فعالية أي دواء بهذه الطريقة، والأمر متروك للتحليل المؤقت للكشف عن معدلات النجاح، والتي تعتمد على شكل التجربة.

وقال المصدر: "يتضمن كل بروتوكول تجربة سريرية خطة تحليل مؤقتة ووصفا وطريقة إحصائية وتوقيتا بالإضافة إلى من سيجري التحليل المؤقت".

والسبب في ذلك هو مراقبة سلامة وفعالية الدواء أثناء الدراسة.

ويعني هذا أنه لا يمكن بدء دراسة سريرية لأي دواء ما لم يتضمن بروتوكول التجارب السريرية هذا القسم وتتوفر ضمانات لمشاركة معلومات السلامة والفعالية على النحو المحدد في البروتوكول".

وبعد الانضمام إلى "كوفاكس"، وهي مبادرة عالمية تدعمها منظمة الصحة العالمية للتوزيع العادل للقاحات "كوفيد-19"، في أكتوبر/تشرين الأول 2020، قالت الصين إنها ستعطي الأولوية لتعزيز التعاون الدولي في تطوير اللقاحات وتعزيز التوزيع المتكافئ للقاحات، خاصة بين البلدان النامية، من أجل تحقيق توزيع معقول وبأسعار في متناول الجميع.

ومع ذلك، أوضح المصدر أن مستوى التوزيع سيتم تحديده من خلال الطاقة الإنتاجية وكذلك قدرة التوصيل وسلسلة التبريد في هذه البلدان، وقد تمثل تكلفة زيادة هذه القدرات تحديا في الدول النامية.

ولم يكن أمام العديد من الدول النامية في آسيا وأفريقيا من خيار سوى الاعتماد على إمدادات الصين من اللقاحات، ولكن ذلك ليس الحال بالنسبة لدول الخليج العربي الثرية.

وفي الوقت الذي يواجه فيه صانعو الأدوية الصينيون انتقادات لعدم نشر البيانات السريرية لدراسات اللقاحات الخاصة بهم، قد يتساءل المرء لماذا قررت بعض دول الخليج إجراء تجارب وعقد صفقات مع الصين، في ظل عدم وجود نتائج شفافة ومعدلات كفاءة منخفضة.

يعتقد مدير الأبحاث في مجموعة "فيوتشر ريسك"، "تريستان كندردين"، أن هناك أمرين في الصفقات العربية الصينية قد يكشفان عن منطق الدول العربية في هذا الأمر، وهما ما إذا كانت هذه الاقتصادات تشتري اللقاحات أم لا، وما إذا كانوا يوزعون اللقاحات بين سكانهم.

ومن المؤكد أن الإمارات والبحرين والسعودية ستفضل وتطلب لقاحات عالية الجودة إذا كانت متوفرة.

لذلك، يتوقع أن تظل هذه ممارسة دبلوماسية من قبل الصين، وأن يتم شراء اللقاحات ولكن لا يتم استخدامها.

وفي الواقع، وافقت السعودية والبحرين بالفعل على استخدام لقاح "فايز-بيونتيك" الأمريكي، ويجريان محادثات مع روسيا بشأن شراء لقاحات "سبوتنيك".

لذلك، فإن دول مجلس التعاون الخليجي التي وافقت على شراء لقاحات الصين في المرحلة الأخيرة من التجارب السريرية تترك مجالا دبلوماسيا للمناورة أيضا، وفقا لـ "كندردين".

وأضاف: "يمكنهم الموافقة على شراء هذه اللقاحات في هذه المرحلة، ولكن بعد ذلك يشترون لقاح فايزر الأكثر تقدما عندما يصبح متاحا". ويعد هذا الخيار شرعيا للدول العربية، أي شراء اللقاحات من بائعين متعددين في حين لا يزال السوق غير مؤكد، ثم شراء كميات أكبر بمجرد تحديد جودة اللقاحات في السوق.

وقال "محمد باقر فاروق"، الباحث المشارك في معهد "كلينجينديل" في هولندا وأستاذ مساعد العلاقات الدولية في جامعة "ليدن"، إن الصين تقدم لقاحها على أنه "للمصلحة العامة".

لكنه يعتقد في الواقع، أن هناك الكثير من الاهتمام الجيوسياسي المتضمَن في دبلوماسية اللقاحات الصينية.

وأضاف: "كانت الكثير من الدول التي تطوعت لمراحل تجربة اللقاحات الصينية، بما في ذلك بعض دول الخليج، هي تلك التي لها أهمية استراتيجية بالنسبة للصين، وخاصة في جغرافيا مبادرة الحزام والطريق، مثل الإمارات والسعودية والبرازيل ودول أخرى".

ويقتنع "كيندردين" أيضا بأن الدوافع الصينية هي دوافع سياسية بحتة، واصفا "المبادئ الأساسية" لبحوث العلوم الصحية في الصين بأنها قومية تكنولوجية وممثلة لنهج الاقتصاد الموجه.

وأشار إلى أن "التعاون الحقيقي والمنافسة لا يعتبران قط منفعة عامة في الصين".

وبالنظر إلى أن الصين حاولت إخفاء الفيروس عن منظمة الصحة العالمية وإخفاء تسلسل الجينوم عن العالم، ثم طورت لقاحا دون تعاون دولي، فمن الصعب قبول أن الصين تريد الآن حقا الانخراط في تعاون متعدد الأطراف، وفقا لـ "كندردين" الذي قال: "يرجع إتاحة تسلسل جينوم كوفيد-19 للجمهور فقط إلى الروابط الأكاديمية القوية بين أستراليا والصين، مع قيام أكاديمي بجامعة سيدني بتحميل البيانات علنا لمشاركتها مع العالم".

ويعتقد العديد من المراقبين أنه بينما تحاول الصين الآن تحسين سمعتها الدولية، التي عانت بشدة من جراء الوباء، يمكن لبكين أيضا استخدام لقاحاتها للأغراض الجيوستراتيجية من خلال بيع اللقاحات لشركائها الأجانب الذين تتوقع منهم أكثر في المقابل.

وصرح "جاكوب مارديل"، الباحث في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية في معهد "مركاتور للدراسات الصينية" في برلين، أن المصالح الاستراتيجية ستؤثر في توزيع اللقاحات الصينية، ولكن المصالح التجارية والشركات الصينية ذات الصلة ستكون مهمة أيضا.

وقال "مارديل": "كما هو الحال مع أي تفاعل تجاري، ستسعى بكين لمكافأة الأصدقاء ومعاقبة أصحاب السلوك غير الودي، لكن ذلك لن يكون العامل الوحيد في تحديد الدول التي تحصل على اللقاح أولا".

وبحسب "كندردين"، فقد أصبح من الواضح أن دول مجلس التعاون الخليجي تحتل مكانة خاصة في أهداف الصين الجيواقتصادية، فهي الدول العربية الأكثر تقدما اقتصاديا والتي يمكن للصين إدخالها في مدارها الجيواستراتيجي الجديد.

وفي سياق مماثل، يؤكد "فاروق" على الاعتماد المتبادل بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين، الذي يتجاوز قطاع الطاقة. ووفقا له، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تتحوط في رهاناتها على صعود الصين.

وإذا توسعت الصين جيوسياسيا، فمن الطبيعي أن ترغب دول مجلس التعاون الخليجي في التعاون مع الصين على عدة مستويات، بما في ذلك قضايا الأمن الصحي ولقاحات "كوفيد-19".

وأشار "فاروق" إلى أن أحد العوامل المهمة في اختيار دول مجلس التعاون الخليجي للقاحات الصينية هو أن "هذه اللقاحات متاحة بسهولة أكبر ويمكن أن تساعد دول المجلس على الخروج من حالة الانغلاق الاقتصادي".

وسيعتمد نجاح دبلوماسية اللقاحات الصينية في الغالب على التغطية الإعلامية بالإضافة إلى مستوى التحكم في المعلومات الذي يمكن أن تفرضه الصين.

وفي رأي "كندردين"، إذا نجحت الصين في نشر والدفاع عن قصة تطعيم الصين للشرق الأوسط، فيمكنها تصدير "قصة النجاح مع كوفيد" التي تم تداولها محليا على مدار الأشهر الـ 6 الماضية.

ومن شأن المكاسب الكبيرة التي قد تحققها الصين من مثل هذا السيناريو أن تعيد لها هيبتها المفقودة.

ويقول "مارديل" إن العديد من الدول لا تثق حاليا في الإمدادات الطبية الصينية. وإذا تمكنت بكين من تطوير لقاح آمن وفعال، فقد يساعد ذلك في تغيير هذه الصورة.

وأضاف: "تريد بكين الانتقال من "صنع في الصين" إلى"تم ابتكاره في الصين" كما تريد أن يرتبط في أذهان عدد أكبر من الناس العلامة التجارية الصينية بشبكات الجيل الخامس ومشاريع البنية التحتية بدلا من المنتجات المقلدة والرخيصة.

وبينما لا يزال الطريق طويلا أمام الصين لتغيير صورتها، من المؤكد أن قصة لقاح ناجحة ستساعد جيدا.

المصدر | ستاسا سلاكانين/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد