الخميس 14 يناير 2021 10:51 م

ما هي الخيارات المتاحة لدولة ما عندما يعتمد مستقبلها على قرار دولة أخرى بشأن مورد يتحكم فيه البلد الآخر؟

هذا ما يجب على مصر اكتشافه حيث يهدد قرار إثيوبيا ببناء سد على النيل الأزرق إمدادات المياه العذبة في مصر.

لقد حاولت القاهرة وقف المشروع، من خلال تهديد أديس أبابا، أو اجتذاب دعم قوة عظمى، ولكن بقيت محاولاتها دون جدوى.

وبحسب توقعات "جيوبوليتكال فيوتشرز" لعام 2021، لم يتبق لمصر إلا الاعتماد على الشركاء المحليين وتشجيع الانقسامات العرقية في إثيوبيا لمحاولة تأمين موقف تفاوضي أفضل مع أديس أبابا.

ولا تعتبر نتيجة هذا الخيار مضمونة، لكن الخيارات الأخرى غير متوفرة.

يعتبر نهر النيل شريان الحياة في بلد شبه صحراوي بالكامل حيث يعيش أكثر من 90% من سكان مصر على ضفاف النهر والدلتا، وتتمتع مصر وإثيوبيا بتاريخ طويل من الاحتكاكات حول نهر النيل، بما في ذلك الغزو العسكري المصري الفاشل في عام 1875.

وسيمكن بناء وملء السد إثيوبيا من التحكم في نهر النيل، وبالتالي المساس بأمن المياه المتدفقة إلى مصر، ويشار إلى أنه تم توقيع العديد من اتفاقيات المياه خلال القرن العشرين، ولكن لم يكن أي منها كافياً لضمان أمن إمدادات المياه في مصر.

وما يجعل هذا العام مختلفًا هو أن خيارات مصر الأخرى باتت تتلاشى، لقد قامت إثيوبيا ببناء سد النهضة بالتوازي مع المفاوضات مع مصر والسودان، ولم تثمر هذه المناقشات بالنسبة للقاهرة التي فشلت في وقف بناء سد النهضة أو تقليص حجمه ولم تقتنع أديس أبابا بتغيير موقفها.

لذلك تحول تركيز مصر إلى تأخير الجدول الزمني لملء الخزان، ولكن مع مرور الوقت، قد تضطر القاهرة إلى فعل المزيد.

لكن ماذا يمكنها أن تفعل؟

التوغل العسكري غير وارد، يفتقر الجيش المصري للقدرات اللوجستية لهجوم جوي على السد وسيواجه مقاومة شرسة من القوات الجوية والدفاعات الجوية الإثيوبية، علاوة على ذلك، فإن الموقف الداخلي للحكومة المصرية هش مع تفاقم الأزمة الاقتصادية.

بدون تهديد حقيقي بعمل عسكري، كان على مصر أن تجتذب إثيوبيا إلى طاولة المفاوضات، نتيجة لذلك، سعت القاهرة إلى الحلفاء لتحسين وضعها، ولكن حتي مع هذا المسار فإن خيارات مصر محدودة، وبالرغم أن الكثير من الدول تهتم بشدة بما يحدث في مصر والمناطق المحيطة بها، لكن معظمها لديها احتياجات أكثر إلحاحًا.

وتعتبر روسيا والولايات المتحدة من أهم الداعمين للنظام المصري بسبب مصالحهما في المنطقة، لكن الضغط الأمريكي الأخير لتحسين العلاقات مع دول شمال أفريقيا الأخرى يخلق المزيد من الخيارات لواشنطن إلى جانب الاعتماد على القاهرة.

كما أن روسيا، التي تحتاج إلى الحفاظ على وصولها البحري إلى البحر الأبيض المتوسط، لديها بالفعل روابط دفاعية قوية مع الجزائر وشراكة مع أحد أطراف في الحرب الأهلية الليبية.

وبالتالي، فإن واشنطن وموسكو ليستا متحمستين في الوقت الحالي لمساعدة القاهرة على تأمين احتياجاتها الاستراتيجية، ومن الأفضل لهما أيضًا أن تظل قضية نهر النيل خلافًا محدودًا بين مصر والسودان وإثيوبيا، بدلاً من توسيع ذلك لجبهة تنافس جديدة بينهما.

لهذا السبب عرضت كل من الولايات المتحدة وروسيا التوسط في النزاع لكنهما رفضتا الانحياز إلى جانب بعينه، كما أن اللاعبين الأصغر في المنطقة لم يعودوا مهتمين بالدفاع عن مصر، وتفضل دول الخليج إضعاف مصر، خاصة في ضوء المصالحة الناشئة مع إسرائيل.

وبالمثل فإن السودان توصلت مؤخرا إلى اتفاق مع إسرائيل بوساطة أمريكية، وليس لديها مصلحة في زعزعة الوضع، ويحجم جيران إثيوبيا في القرن الأفريقي (إريتريا وجيبوتي والصومال) بشكل عام عن دعم مصر بسبب تأثير إثيوبيا على اقتصاداتهم وحدودهم المشتركة وأهمية إثيوبيا لتحقيق الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

يبقى خيار إضعاف إثيوبيا من الداخل وهذا يترك جنوب السودان حليفاً محتملاً لمصر إضافة للجماعات العرقية الساخطة داخل إثيوبيا نفسها.

ويجب على مصر أن تسير على خط رفيع وألا تتخذ أي إجراء علني، لكن يمكنها الاستفادة من الاشتباكات الحدودية بين إثيوبيا من جانب والسودان وجنوب السودان من ناحية أخرى، وكذلك الصراعات العرقية داخل إثيوبيا التي يمكن أن تقوض الحكومة المركزية، وهناك العديد من السيناريوهات التي يمكن أن تعمل لصالح مصر.

في نهاية عام 2020، كان على الجيش الإثيوبي الذهاب إلى منطقة تيجراي في البلاد لقمع انتفاضة واسعة النطاق واستعادة سيطرة الحكومة، وأدت هذه العمليات إلى تدفق اللاجئين إلى السودان وأعادت تنشيط نزاع إقليمي طويل الأمد بين إثيوبيا والسودان.

وقد أدى ذلك إلى عدة اشتباكات منخفضة المستوى بين القوات السودانية والميليشيات الإثيوبية، ولا تزال الحكومتان على اتصال وثيق في محاولة لتجنب التصعيد.

وفي أقصى الغرب، كانت هناك موجة من الاضطرابات الأخيرة في منطقة "بني شنقول" الإثيوبية، التي لا تقع على حدود السودان وجنوب السودان فحسب، بل يتدفق النيل الأزرق عبرها أيضًا، وكان على قوات الأمن الإثيوبية أن تتخذ خطوات لقمع الاضطرابات هناك أيضًا.

وفي الآونة الأخيرة، كانت هناك عمليات في منطقة غرب ويليجا في منطقة أوروميا أسفرت عن اعتقال 265 من رجال الميليشيا في الشهرين الماضيين، وتعتبر هذه المنطقة مهمة لأن المجموعة العرقية المهيمنة في المنطقة، الأورومو، تمثل ما يقرب من ثلث سكان إثيوبيا وقد كانت مصدر اضطرابات 2018 التي أطاحت بالحكومة.

لم تفقد أديس أبابا السيطرة على هذه الخلافات العرقية، لكن القاهرة تفتقر إلى تهديد عسكري ذي مصداقية، أو دعم من قوة عظمى أو حتى دعم إقليمي، وليس لديها أمل آخر سوى محاولة الاستفادة من ثغرات الحدود الإثيوبية والنزاعات العرقية لاكتساب نفوذ جديد في المفاوضات بشأن السد.

المصدر | أليسون فدريكا | جيوبوليتكال فيوتشرز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد