السبت 23 يناير 2021 10:44 م

يعد الصراع على الصحراء الغربية هو الأقدم في أفريقيا. وتبلغ مساحة المنطقة المتنازع عليها 266 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها نحو 600 ألف نسمة، ويطالب كل من المغرب وجبهة البوليساريو بالمنطقة. ويسيطر المغرب على 80% من الأراضي، بينما تدير جبهة البوليساريو نسبة الـ20% المتبقية، وهي جيوب من الأرض على طول حدود المنطقة مع الجزائر وموريتانيا.

وبالرغم أن الصراع كان صامتا إلى حد كبير منذ أعوام، إلا أن التطورات الأخيرة أعادت الصحراء الغربية إلى دائرة الضوء. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أغلقت جبهة البوليساريو طريقا رئيسيا في منطقة الكركرات الحدودية التي تربط الصحراء الغربية بموريتانيا. وربما كان الدافع وراء هذه الخطوة هو رغبة المجموعة المتمردة في زيادة الاهتمام الدولي بالصراع المنسي. وشن الجيش المغربي بسرعة عملية أعادت فتح المعبر.

وفي ديسمبر/كانون الثاني، اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وقالت إنها ستفتح قنصلية هناك. وربما يكون التحول الدراماتيكي في السياسة الأمريكية، الذي تزامن مع تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية، قد وجه ضربة حاسمة لسعي الصحراء الغربية إلى الاستقلال.

نضال الاستقلال

وتاريخيا، اعتبر المغرب هذه المنطقة الصحراوية القاحلة أرضا خارجة عن القانون، لأنها أقيمت خارج نطاق سلطته. وقبل شيوخها القبليون السلطان المغربي بصفته الدينية، وهي حقيقة يستخدمها المغرب لتبرير مطالبته بالصحراء الغربية، التي يعتبرها "ولايته الجنوبية".

وبعد مؤتمر برلين عام 1884، سُمح لإسبانيا باحتلال الصحراء الغربية، التي أعادت تسميتها بالصحراء الإسبانية عام 1934. وفي معاهدة "أنجرا دي سينترا" لعام 1958، أزالت إسبانيا طرفاية من الصحراء الغربية وتنازلت عنها للمغرب. وفي عام 1963، حثت اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة المعنية بإنهاء استعمار إسبانيا على منح الاستقلال للصحراء الغربية. وبعد ذلك بعامين، طالبت الأمم المتحدة إسبانيا بإنهاء احتلالها.

وفي عام 1970، قمع الجيش الاستعماري الإسباني بوحشية انتفاضة في زملة، بالقرب من أكبر مدينة في الصحراء الغربية، وهي مدينة العيون، وأعدم الزعيم الأول لحركة الاستقلال، "محمد البصيري".

وأدى تنازل إسبانيا عن أجزاء من المنطقة للمغرب إلى صعود القومية الصحراوية. ويعد الصحراويون، بمعنى "سكان الصحراء"، مجموعة متعددة الأعراق من الشعوب ذات التراث العربي والأمازيغي والأسود الذين يغلب على ثقافتهم العربية. وتأسست جبهة البوليساريو رسميا عام 1973 في موريتانيا بهدف إقامة دولة مستقلة في الصحراء الغربية، لكن أصولها تعود إلى حركة طلابية عام 1971 تهدف إلى تحرير المنطقة من السيطرة الإسبانية.

وأثرت الحركة القومية العربية، المستوحاة من قادة مثل "جمال عبد الناصر" في مصر، و"هواري بومدين" في الجزائر، و"معمر القذافي" في ليبيا، بشدة على جبهة البوليساريو. وقد أبعدتها نظرتها الثورية العالمية والمناهضة للإمبريالية عن الغرب. وكانت الجزائر أكبر داعم لجبهة البوليساريو حيث اعترفت بها وسلحتها منذ بداية النزاع. وأصبح ذلك موطن خلاف عميق بين الجزائر والمغرب منذ ذلك الحين.

مطالب المغرب ومحاولات السيطرة

وأعلن المغرب عن مطالبته بالصحراء الغربية بعد فترة وجيزة من استقلال البلاد عام 1956، عندما أعرب عن رغبته في إقامة مغرب أكبر تحت قيادة الملك "محمد الخامس"، وهي سياسة حظيت بدعم شعبي واسع. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1975، نظم الملك "الحسن الثاني" المسيرة الخضراء، وهي مسيرة ضمت 350 ألف متظاهر ساروا نحو الصحراء الغربية للضغط على إسبانيا لتسليمها للمغرب.

وبعد شهر، وقعت إسبانيا والمغرب وموريتانيا "اتفاقية مدريد" التي أدت إلى انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية، لكن جبهة البوليساريو اعترضت على الاتفاق. وفي فبراير/شباط 1976، أعلنت الجبهة تشكيل الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وعاصمتها في المنفى في "تندوف" بالجزائر. وتبع ذلك حرب لمدة 16 عاما.

وفي عام 1979، تخلت موريتانيا عن أراضيها في المنطقة والتي ضمتها المغرب على الفور. ودفع عجز الجيش المغربي عن منع هجمات حرب العصابات في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة إلى بناء جدار رملي متطور طوله 2700 كيلومترا خلال الثمانينيات، يحرسه 100 ألف جندي. وعزز توقف ليبيا عن المساعدة العسكرية لجبهة البوليساريو عام 1984، وانشغال الجزائر بالقضايا المحلية، مطالبة المغرب بالصحراء الغربية.

وفي عام 1991، وقعت الحكومة المغربية والبوليساريو على وقف إطلاق النار بوساطة الأمم المتحدة. وبعد الاعتراف بجبهة البوليساريو باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الصحراوي في عام 1979، كررت الأمم المتحدة دعوتها لإجراء استفتاء على الاستقلال في الصحراء الغربية، بالرغم من أنه لم يتم إجراؤه مطلقا.

وفر نحو 125 ألف صحراوي من الهجوم العسكري المغربي عام 1975، وما زالوا يعيشون في 5 مخيمات للاجئين تديرها البوليساريو في تندوف. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يعودوا إلى الصحراء الغربية، لأن العديد منهم انضم إليهم أقاربهم. ومنحت الحكومة الجزائرية الكثير منهم الجنسية، واستفاد آخرون من مشاريع الإسكان الحكومية. وتواصل الرباط رفضها لسيادة الصحراويين على الصحراء الغربية، لكنها عرضت عام 2006 منحهم حكما ذاتيا موسعا.

لماذا الصحراء الغربية مهمة؟

ومن المستحيل فهم الصراع في الصحراء الغربية دون فهم العلاقة المضطربة بين المغرب والجزائر أولا. فبعد فترة وجيزة من استقلال الجزائر عام 1962، اندلعت التوترات بشأن مطالبات الرباط بولايتي بشار وتندوف، ما أدى إلى حرب الرمال عام 1963، وترك هذا الصراع ندوبا دائمة على علاقتهما. وأدى اهتمام الجزائر المتزايد بالإمكانات الاقتصادية للصحراء الغربية، خاصة مع تراجع عائدات النفط والغاز، إلى تكثيف المنافسة بين البلدين. وتحتوي الصحراء الغربية على رواسب وفيرة من الفوسفات ومناطق صيد ممتازة وموارد نفطية بحرية قابلة للاستغلال.

ويعد أحد العوامل الرئيسية في التنافس بين المغرب والجزائر هو الفشل في دمج اقتصادات منطقة المغرب العربي مع شمال غرب أفريقيا وصعوبة الوصول إلى السوق الأوروبية. وبذل كلا البلدين جهودا لتسهيل هذا التكامل بدرجات متفاوتة من النجاح.

وفي عام 2015، قدم المغرب خطة بقيمة مليار دولار لتطوير الصحراء الغربية، تضمنت خلق 120 ألف فرصة عمل، وتشجيع السياحة البيئية، وبناء البنية التحتية لربط المنطقة بالاقتصادات الأوروبية والأفريقية. وفي عام 2016، شيد المغرب طريقا سريعا لتسريع مرور الشاحنات بين الصحراء الغربية وموريتانيا في منطقة عازلة خاضعة لدوريات الأمم المتحدة بالقرب من قرية الكركرات التي شهدت انتهاك اتفاقية وقف إطلاق النار. أما الجزائر، فقد شيدت عام 2018 طريقا صحراويا من تندوف إلى موريتانيا، يمكن استخدامه للتحايل على معبر الكركرات الحدودي للوصول إلى غرب أفريقيا. ومع ذلك، فإن الطريق الطويل عبر التضاريس الوعرة ليس بديلا عمليا.

بالإضافة إلى ذلك، يعتبر نهج المغرب تجاه أفريقيا أكثر واقعية من نهج الجزائر. فقد طور العاهل المغربي "محمد السادس" سياسة قوية تجاه أفريقيا. ولإثبات أهمية أفريقيا لخطط المغرب الاقتصادية والدور المحوري للصحراء الغربية في هذا المسعى، عاد المغرب إلى منظمة الوحدة الأفريقية عام 2017، بعد الانسحاب عام 1984 بسبب قبول الصحراء الغربية في المجموعة. وعندما عاد المغرب، رغم المعارضة الجزائرية الشرسة، قال الملك "محمد السادس": "أفريقيا موطني، وأنا أعود إليه".

وفي المقابل، فشل الرئيس الجزائري "عبدالعزيز بوتفليقة" في إعطاء الأولوية لأفريقيا خلال 20 عاما في منصبه. وفي حين يدعم الشعب المغربي موقف الحكومة من الصحراء الغربية، فإن الحكومة الجزائرية تواجه مقاومة من بعض شرائح المجتمع. ويطالب الشباب الجزائري، على سبيل المثال، بالتغيير لمعالجة القضايا المحلية مثل ارتفاع معدلات البطالة ونقص التمثيل السياسي.

وتواصل الأمم المتحدة الدعوة إلى إجراء استفتاء لإنهاء المأزق في الصحراء الغربية، لكن المغرب ظل ثابتا في مطالباته بالسيادة على المنطقة المتنازع عليها. وقد أعطى استقرار النظام الملكي وعلاقاته القوية مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج اليد العليا للمغرب في هذه القضية.

المصدر | هلال خاشان - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد