السبت 30 يناير 2021 12:19 ص

مع خروج قطر من عزلتها، فإن تراجع ​​القوة السياسية والإغراء الأيديولوجي لـ"الإخوان المسلمين" سيجبر الدوحة على تخفيف اعتمادها على علاقاتها مع الجماعة والتركيز على الجهود الدبلوماسية لكسب النفوذ في الخارج.

وخففت السعودية ومصر والبحرين والإمارات من حصارها على الدوحة، بعد سنوات من محاولة الضغط على قطر للتخلي عن دعمها لـ"الإخوان المسلمين" خشية أن يلهم ذلك المعارضة بل وحتى الثورة في بلدانهم، ومع ذلك، لم تقدم قطر أي ضمانات بأنها ستغير رعايتها للجماعة.

لكن دول الحصار لم تعد ترى أن الحركة الإسلامية العابرة للحدود تشكل تهديدًا كما كان الوضع سابقا، مع وجود نقاط ضعف أيديولوجية وإجراءات أمنية متزايدة تحد من تأثير الجماعة.

الدعم القطري

استمرت الدوحة في السماح للحركة الإسلامية العابرة للحدود بالوصول إلى شبكة "الجزيرة" المؤثرة لبث وجهات نظرها. وبين عامي 2012 و 2013، زودت قطر الحكومة المصرية، التي كان يقودها آنذاك الرئيس الراحل "محمد مرسي"، بمساعدات مالية بقيمة 7.5 مليارات دولار قبل أن يطيح "عبدالفتاح السيسي" بـ"مرسي" عبر انقلاب عسكري في يوليو/تموز 2013.

كما استضافت قطر "يوسف القرضاوي" الذي يعد رمزًا دينيًا مؤثرًا وأحد منابع فكر "الإخوان المسلمين"، منذ عام 1961.

وساعد دعم قطر "الإخوان المسلمين" في أن تصبح جماعة مؤثرة بشكل خاص خلال الربيع العربي، الذي شهد زوال حكومات معمّرة في مصر وليبيا وتونس واليمن. وساعدت تغطية "الجزيرة" في بعض هذه البلدان في تشكيل المحادثات السياسية التي جرت في أعقاب الاضطرابات.

أزمات الجماعة

واجهت جماعة "الإخوان المسلمين" تحديات اجتماعية وسياسية واقتصادية في السنوات الأخيرة حدت من نفوذها في العالم الإسلامي. وأصبحت أيديولوجية الجماعة العابرة للحدود غير متوافقة بشكل متزايد مع الرأي العام الإسلامي العالمي، حيث قدمت القليل من الإجابات حول عدد من الأسئلة المهمة وخاصة الاقتصادية. كما أن تمسكها بالقيود الاجتماعية لم يعد يحظى بشعبية على نحو متزايد، لا سيما بين شباب الخليج العربي الليبراليين.

وفي الدول النفطية مثل السعودية والإمارات والبحرين، فشلت الجماعة أيضًا في تعطيل الولاء التقليدي الذي يتشكل بين أنظمة الرعاية الاجتماعية السخية التي تقودها الدولة ومواطنيها، ونتيجة لذلك، تراجعت الانتصارات السياسية للجماعة ​​بعد صعودها الإقليمي في عهد "مرسي" في مصر.

ولا تزال "الإخوان المسلمين" محظورة في معظم دول الخليج العربي، وحتى في البلدان المتسامحة معها، مثل الكويت وقطر، يتم حظر الأحزاب السياسية التي تدعم أيديولوجية الجماعة، مما يحد من قدرتها على التنظيم.

وفي مصر، منعت حكومة الرئيس "السيسي" المدعومة من الجيش، "الإخوان المسلمين" من المشاركة في الانتخابات وأعلنتها منظمة إرهابية.

وحتى في الأردن وتونس وتركيا، حيث يُسمح لجماعة "الإخوان المسلمين" أو الأحزاب التابعة لها بالترشح، شهدت الانتخابات الأخيرة إما تراجع أحزابهم أو تحول برامجهم عن وجهات النظر العابرة للحدود.

كما أن الإصلاحات الاجتماعية التي تقودها الدولة في السعودية والإمارات والبحرين تحظى بشعبية كبيرة وتتعارض مع وجهات نظر جماعة "الإخوان المسلمين" الأكثر تقليدية فيما يتعلق بالجنس والأسرة والدين، مما يقوض جاذبية الجماعة لدى الأجيال الشابة في الخليج العربي.

قطر تبحث عن بدائل

نظرًا لأن المناخات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتغيرة تجبر الفروع المحلية من "الإخوان" على تكييف رسائلها ومنصاتها، ستصبح الجماعة أداة أقل فعالية في توسيع نفوذ قطر العالمي.

وقامت الجماعة في الماضي بتكييف أسسها الأيديولوجية ردًا على القمع وسعيًا وراء الفرص، وقد تفعل ذلك مرة أخرى من خلال التخفيف من المبادئ الأقل بروزًا على المستوى الإقليمي؛ مثل موقفها التقليدي المناهض لإسرائيل. وقد تسعى أيضًا إلى تحديث وجهات نظرها حول العلاقات بين الجنسين وإيجاد حجج اقتصادية جديدة لإقناع الشباب المسلمين بإمكانية إيجادها لوظائف لهم.

لكن تحقيق النجاح السياسي سيتطلب من فروع الجماعة التكيف مع الظروف الفريدة لمناطقهم، وتحويلها إلى فروع أكثر محلية مع تقليل القواسم المشتركة مع نظرة "الإخوان المسلمين" العالمية التي لطالما استفادت منها قطر لبناء قوتها الناعمة.

ففي الثمانينيات، ابتعد فرع "الإخوان المسلمين" في مصر عن المناهج العنيفة مقابل سماح الحكومة له بتقديم مرشحين في انتخابات برلمانية خاضعة للرقابة.

أما بالنسبة لحزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا، الذي يعد واحدًا من أنجح الأحزاب المستوحاة من جماعة "الإخوان المسلمين"، فقد قام بتحويل أيديولوجيته بعيدًا عن المثل العليا العابرة للحدود للجماعة المركزية، متجهًا نحو سردية قومية أكثر تركيزًا على تركيا، ودمج التقاليد التركية والإسلامية لخلق نوع فريد من الإسلام السياسي.

ولكن، في حين كانت الجماعة أبرع في تغيير تكتيكاتها السياسية، إلا أن برامجها الأيديولوجية، ولا سيما في المجال الاجتماعي، كانت أبطأ في التغيير.

وهكذا، ستعتمد استراتيجية القوة الناعمة الدولية لقطر على المساعدات والدبلوماسية أكثر من اعتمادها على التقدم السياسي لـ"الإخوان المسلمين".

وحتى الفروع الناجحة إلى حد كبير في بلدان مثل تونس وتركيا، ستتطور بعيدًا عن المبادئ المركزية لـ"الإخوان المسلمين"؛ مما يجبر قطر على الاعتماد أكثر على المنح النقدية والاستثمار والمساعدات للحفاظ على روابط وثيقة مع الأحزاب الإسلامية التي تصبح متباينة أيديولوجيًا بشكل متزايد.

وستحتاج قطر أيضًا إلى الاعتماد على التسويات الدبلوماسية مع الدول وقادتها لتحقيق أهدافها السياسية، بدلاً من الضغط على الدول من خلال التغيير الاجتماعي الشعبي.

وقد قدمت قطر لتركيا مقايضة عملات تصل إلى 15 مليار دولار لمساعدة أنقرة على استقرار الليرة؛ وبالتالي دعم حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، الذي تضاءلت جاذبيته الإسلامية تحت ضغط انكماش الاقتصاد التركي.

ومنذ عام 2014، قدمت الدوحة أيضًا ما يصل إلى مليار دولار لقطاع غزة للاحتفاظ بنفوذها على "حماس"، وهي الفرع الفلسطيني من جماعة "الإخوان المسلمين".

كما حاولت قطر مؤخرًا تسهيل محادثات مصالحة تركية سعودية، وسعودية إيرانية أيضًا، في محاولة لتحسين العلاقات مع الرياض بعد الحصار، لكن هذه الجهود لم تثمر بعد.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد