الاثنين 1 فبراير 2021 01:14 م

على الرغم من الترويج الإعلامي المكثف، قبل أيام، لقرارات عفو تشمل معارضين في مصر، مع حلول الذكرى العاشرة لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، فإن التجاهل كان سيد الموقف، ليظل الآلاف من معارضي الرئيس "عبدالفتاح السيسي"، في غياهب السجون، لأجل غير مسمى.

اللافت أن قرار العفو عن 331 سجينا من المحكوم عليهم، بمناسبة حلول عيد الشرطة، وذكرى الثورة، لم يتضمن اسما واحدا من الصحفيين والحقوقيين والناشطين المحبوسين منذ سنوات، بينما تضمن رئيس القطار المتهم في واقعة مصرع أحد الباعة المتجولين، والمعروف إعلاميا بـ"شهيد التذكرة"، في أكتوبر/تشرين الأول 2019.

ويثير الاستياء في الشارع المصري، تزامن التجاهل الرئاسي مع انطلاق حملة "إفراج" التي تبنتها حركة "باطل" (معارضة)، للإفراج عن كبار السن والمرضى، القابعين في السجون المصرية، تحت شعار "إفراج عن كل مريض.. إفراج عن كبار السن".

العفو عن مجرمين

الغريب، أن "السيسي" يفرج من آن لآخر، في عدة مناسبات، عن سجناء جنائيين أدينوا في قضايا قتل عمد وأعمال عنف وبلطجة.

ففي سبتمبر/أيلول 2017، أصدر "السيسي" قرارا بالعفو عن مئات السجناء، كان بينهم رجل الأعمال الشهير "طلعت مصطفى"، والذي أدين بالتحريض على قتل المطربة اللبنانية "سوزان تميم"، وحكم عليه بالسجن 15 عاما.

وفي مايو/أيار 2018، صدر قرار بالعفو عن أحد أشهر البلطجية أثناء ثورة يناير/كانون الثاني 2011، والمعروف باسم "صبري نخنوخ" ليطلق سراحه بعد 6 سنوات من حكم عليه بالمؤبد (25 عاما).

وفي يناير/كانون الثاني 2020، أصدر الرئيس المصري قرارا بالعفو عن ضابطين متهمين بتعذيب مواطن حتى الموت وهما الرائد "المزمل نافع"، والنقيب "عمر أحمد سعد أبو عقرب".

وفي مايو/أيار من العام ذاته، صدر قرار بالعفو الرئاسي أيضا عن "محسن السكري"، ضابط أمن الدولة الأسبق المحكوم عليه بالمؤيد (25 عاما) في اتهامه بقتل الفنانة اللبنانية "سوزان تميم" في الإمارات.

معارضون قيد الحبس

في مقابل الإفراج عن قتلة وبلطجية، يتواصل اعتقال مرشحون رئاسيون سابقون، ورؤساء أحزاب، ورموز شبابية، وحقوقية بارزة، في قضايا ذات صبغة سياسية، ودون أحكام نهائية، في تجاوز فج لمدة الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في القانون المصري.

وينص قانون الإجراءات الجنائية المصري على أنه:"في جميع الأحوال لا يجوز أن تجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز 6 أشهر في الجنح، و18 شهراً في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام".

لكن القانون ضُرب به عرض الحائط، في واقعة حبس صحفي قناة "الجزيرة" القطرية "محمود حسين"، الذى قضى أكثر من 1500 يوم في السجون المصرية، منذ اعتقاله في 23 ديسمبر/كانون الأول 2016 أثناء قضاء إجازة مع عائلته.

وهناك المرشح الرئاسي السابق، ورئيس حزب "مصر القوية" الدكتور "عبدالمنعم أبوالفتوح"، المعتقل منذ 14 فبراير/شباط 2018، أي قرابة الـ3 سنوات قيد الحبس الاحتياطي، بالمخالفة للقانون الذي جعل السنتين حداً أقصى للحبس الاحتياطي.

وتضم القائمة، الطبيب والناشط "شادي الغزالي"، المعتقل منذ مايو/أيار 2018، بتهم "العضوية في جماعة محظورة"، و"نشر معلومات كاذبة" بسبب كتاباته الناقدة عبر صفحته على "فيسبوك".

وممن تجاوزوا فترة الجبس الاحتياطي، الصحفي "معتز ودنان" المعتقل منذ 16 فبراير/شباط 2018 ، بسبب مقابلة صحفية أجراها مع الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للمحاسبات "هشام جنينة".

ومنذ يونيو/حزيران 2019، يقبع خلف الأسوار أعضاء ما يعرف بـ"خلية الأمل"، التي تضم البرلماني السابق "زياد العليمي"، إلى جانب، المدير التنفيذي لأحد بنوك الاستثمار "عمر الشنيطي"، والصحفيين "حسام مؤنس" و"هشام فؤاد".

حملة إفراج

وتضغط المعارضة المصرية بقوة من أجل إحداث انفراجة في ملف المعتقلين منذ سنوات، مدعومة بحملة "إفراج" الداعية لإطلاق سراح كبار السن والمرضى، وحملة منظمة "العفو" للتغريد عن النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، الموقوفين تعسفيا في مصر.

وتدعو المنظمة الدولية (مقرها لندن)، إلى مشاركة أسماء هؤلاء الناشطين طوال أيام الأسبوع، والمطالبة بالإفراج عنهم فورا، قائلة: "دعوا الرئيس السيسي يعلم أنكم متضامنون معهم".

ولا توجد أرقام رسمية تحدد عدد المحبوسين احتياطيا في مصر، لكن الرئيس السابق للجنة حقوق اﻹنسان في مجلس النواب المصري، "علاء عابد"، قدر عدد المحبوسين احتياطياً حتى يناير/كانون الثاني 2018، بما يتراوح بين 25 و30 ألف سجين.

ووفق رئيس مركز "ضحايا " لحقوق الإنسان، الناشط المعروف "هيثم أبو خليل"، فإنه جرى الإفراج عن 15 ألفا عام 2020، و54 ألفا آخرين عام 2019، أغلبهم من الجنائيين، بينما تم تجاهل السجناء السياسيين في قرارات العفو.

ويؤكد تقرير "حبس بلا نهاية" الصادر عن "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"(حقوقية مستقلة)، وجود 1464 شخصًا على الأقل في سجون مصرية تعدت مدة حبسهم الاحتياطي المدة القانونية، بالمخالفة للمادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية.

ويقف جهاز الأمن الوطني (جهة استخباراتية داخلية)، وراء تحديد قوائم المعفو عنهم، بالتنسيق مع جهات سيادية أخرى، مع تدوير من أتموا مدة الحبس الاحتياطي على قضايا أخرى.

ويكون تدوير المتهمين في الغالب على قضايا جرى فتحها وهم خلف الأسوار، ليبدأوا فترة حبس احتياطي جديدة لهم قد تمتد أيضاً لأكثر من عامين، وفق تقارير حقوقية.

وطالت لعنة التدوير كلا من المدون "محمد أكسجين"، وعضو حزب العيش والحرية (تحت التأسيس)، "زياد أبو الفضل"، والناشط "سامح سعودي"، والناشط "محمد ممدوح"، ونائب رئيس حزب مصر القوية، "محمد القصاص"، وآخرين.

مرت إذن الذكرى العاشرة على ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، ممزوجة بالحسرة على بقاء آلاف المعتقلين السياسيين خلف الأسوار، في وقت يتواصل فيه العفو عن أرباب السوابق والجرائم، في مصر التي وعد "السيسي" بأنها ستكون "دولة تانية خالص".

المصدر | الخليج الجديد