الأحد 7 فبراير 2021 02:23 ص

كانت قمة مجلس التعاون الخليجي في يناير/كانون الثاني، والتي عقدت في العلا بالسعودية، بمثابة نهاية لخلاف عميق بين قطر وجيرانها، مع إن الانقسام بدا في بعض الأحيان حادًا لدرجة عصية على المصالحة، ومع ذلك، تم تجاوز الخلاف بنفس السرعة التي بدأ بها، دون أن يتم التعامل بجدية مع أي من المشاكل الرئيسية بين الطرفين.

وظاهريا، أصبح مجلس التعاون الخليجي "موحدًا" مرة أخرى، وسط دعم وإشادة وسائل الإعلام الخليجية بمواقف "الدول الشقيقة". لكن الحقيقة أن مجلس التعاون الخليجي أبعد ما يكون عن الوحدة، ومن الصعب معرفة المستقبل الذي ينتظر المنظمة.

وربما يكون من السابق لأوانه طرح مثل هذه الأسئلة؛ حيث قد تحتاج حرارة الخلافات الأخيرة إلى مزيد من الوقت لتهدأ قبل أن تبدأ المناقشات حول مجلس التعاون الخليجي ودوره في العالم. لكن المشكلة الأكبر لم تتم معالجتها بعد؛ فقد كافح المجلس منذ إنشائه لتحديد دور لنفسه في الشؤون الإقليمية أو العالمية.

والحقيقة أن مجلس التعاون يكافح لتحديد ماهيّته أصلًا، فهل هو تحالف أمني لدول متشابهة التفكير مثل الناتو؟ أم أنه قوة اقتصادية وثقافية مثل منظمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)؟ أم أنه تكتل سياسي واقتصادي مثل الاتحاد الأوروبي؟ وأفضل إجابة على كل هذه الأسئلة هي "لا، ليس بالضبط"، ولكن يمكن أن يكون كذلك، إذا أرادت الدول الأعضاء ذلك.

ويعتبر مجلس التعاون الخليجي تكتلا فضفاضا يركز على مجموعة من القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية التي تهم 6 دول تشترك في الروابط الثقافية والاجتماعية والجغرافية، وتتعاون هذه الدول في بعض الأوقات وتتنافس في أوقات أخرى.

وفي أوقات التعاون، يكون المجلس فعالا نسبيا حيث يمكن حشد موارد مالية ضخمة لمواجهة التحديات المشتركة. ولكن عندما تكون دول الخليج في نزاع أو منافسة، يتم اختزال مجلس التعاون الخليجي إلى ساحة نقاش دون أفعال، ويكون أضعف من مجموع أجزائه.

وبالنظر إلى أن مجلس التعاون الخليجي قد تم تصميمه في المقام الأول لمواجهة تهديد إيران، بدعم من القوة العسكرية والسياسية الأمريكية، فقد كان هناك دائمًا عنصر خارجي قوي يرتكز عليه المجلس، وربما كان هذا هو السبب الرئيسي للهوية المشوشة. فقد عرفت الدول الأعضاء ما يجب أن يعارضوه، لكن لا أحد يعرف حقًا ما الذي يجب أن يفعلوه.

صدمة الربيع العربي

لم يُصمم مجلس التعاون الخليجي أبدًا للتعامل مع معارضة داخلية جماهيرية في العالم العربي من النوع الذي نشأ في عام 2011 بسبب الإخفاقات الجماعية للأنظمة التي استمرت لعقود من الزمن والتي أصابها الركود السياسي والاقتصادي.

وفي أعقاب انتفاضات الربيع العربي، اشتكت دول الخليج (خاصة السعودية والإمارات) إلى الولايات المتحدة لعدم قيامها بما يكفي للحفاظ على النظام الإقليمي القديم. وأدى تراجع ​​التزام الولايات المتحدة تجاه المنطقة إلى تسريع تصدع مجلس التعاون الخليجي، حيث سعت قطر والسعودية والإمارات لملء الفراغ الذي تركته واشنطن مع بدء النظام الإقليمي في التحول بشكل كبير.

وفسرت الدول الثلاث الاستقرار بطرق مختلفة تمامًا، بشكل يفتقر إلى أي رؤية مشتركة للشكل الذي يجب أن تكون عليه المنطقة ونظامها السياسي. ونتيجة لذلك، دعمت بعض هذه الدول الميليشيات والثورات المضادة وعارضوا مصالح بعضهم البعض في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبدون رؤية أو هوية أو مهمة أمنية موحدة (بخلاف ما يأتي بتأثير من الخارج) اختارت دول مجلس التعاون الخليجي جميعًا مسارات مختلفة للتعامل مع الاضطرابات الاجتماعية والسياسية العنيفة التي انتشرت في جميع أنحاء المنطقة على مدى السنوات العشر الماضية، وتمحور الانقسام الرئيسي المتعلق بالخلاف بين قطر وجيرانها حول هذه النقطة.

ومع التدهور السريع للأمن الإقليمي بعد انتفاضات الربيع العربي، اختلفت الدول الغنية الآمنة في الخليج في ردود أفعالها تجاه الثورات والحروب التي اجتاحت العالم العربي ووضعت مسارًا لفعل ما هو أفضل لنفسها وليس الأفضل للمجموع.

وهكذا، حدث الصدع الداخلي في مجلس التعاون لأنه لم يكن هناك أي شيء يوحده في المقام الأول؛ حيث لا توجد مجموعة من المبادئ التوجيهية التي يجب الالتزام بها، أو القوانين التي يجب اتباعها، أو الالتزامات التي يجب الوفاء بها.

الخلل المُنقِذ

ظهر الافتقار إلى الرؤية المشتركة في عام 2011 عند أول اختبار إقليمي "داخلي" لمجلس التعاون الخليجي، لكنه تفاقم بمجرد أن أصبحت الظروف مناسبة، والتي جاءت على شكل مزيج من انعدام الأمن الإقليمي المتفشي مع رئيس أمريكي يعرف القليل عن المنطقة، أو يفشل في مراعاة الفروق الدقيقة فيها.

ومع ذلك، فإن عدم الاتساق الاستراتيجي والقانوني في مجلس التعاون الخليجي هو السبب أيضا وراء بقائه على قيد الحياة حتى الآن، وفي كون المصالحة ظهرت فجأة.

ونظرًا لأن قطر لم تخرق أي قواعد، لم يكن هناك رسميًا أي شيء يجب حله، ولذلك كان من السهل من الناحية الإجرائية على أعضاء مجلس التعاون الآخرين قبول عودة قطر، لأنه لم تكن هناك إجراءات يجب اتباعها، كل ما كان مطلوبًا هو أن يقرر قادة الخليج أن المشكلة قد انتهت، لتنتهي.

ومع ذلك، تبقى الكثير من الغضب والاستياء الذي غذته 4 سنوات من الدعاية والمعلومات المضللة، مع حقائق انكشفت للجميع بشأن اختلالات وظائف مجلس التعاون الخليجي. لكن المثير للدهشة أن بقاء المنظمة على قيد الحياة مرتبط بسبب غاية في الغرابة؛ وهو افتقارها إلى المأسسة والتنظيم، ما يعني أنها يمكن أن تتكيف إلى ما لا نهاية لتكون كما يريده أعضاؤها.

ولهذا السبب بالذات، سيستمر مجلس التعاون الخليجي في كونه سمة ثابتة للسياسة الإقليمية، وقد يكون الأمر أكثر أهمية في المستقبل، ربما عندما تصبح الولايات المتحدة والصين معًا أكبر لاعبين في المنطقة وتتعلم دول الخليج استخدام ثقلها الجماعي في المساومة بين واشنطن وبكين.

المصدر | مايكل ستيفنز - معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد