تنظيم النسل باسم الدين.. حملة السيسي لوقف الزيادة السكانية

الجمعة 19 فبراير 2021 11:27 م

بعد ساعات على تصريحات الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، حول خطورة الزيادة السكانية، انهال على المصريين سيل من التصريحات والبيانات الصادرة عن مؤسسات دينية رسمية، ورجال دين بارزين، بخصوص قضية تحديد النسل.

وبدا كأن تصريحات "السيسي"، خلال افتتاح مشروع طبي، الثلاثاء، ضوءا أخضر، لوزارة الأوقاف ودار الإفتاء على وجه الخصوص، لتبدأ كلتاهما ما يشبه حملة دعائية تستهدف إقناع المصريين بضرورة تحديد النسل وشرعيته من الناحية الدينية.

وقادت دار الإفتاء المصرية، حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان "تنظيم النسل جائز"، عرضت من خلاله وجهة النظر الدينية في المسألة، لافتا إلى أنه "لا مانع من اتخاذ الدولة ما تراه من وسائل وتدابير لتنظيم عملية النسل وترغيب الناس فيه".

وأرجع مفتي الديار المصرية "شوقي علام"، استخدام وسائل تنظيم النسل، إلى العهد النبوي، حيث كان الصحابة يطبقون "العزل"، الذي لم ينههم النبي عنه، حسب قوله.

وعلى الرغم من عدم خروج تصريح رسمي من الأزهر، حول الجملة، إلا أن ناشطين محسوبين على النظام، أعادوا بث تصريحات سابقة لشيخ الأزهر "أحمد الطيب"، في 2017، أكد فيها أنه لا حرمة في تحديد النسل.

وكان ذلك في المؤتمر القومي للسكان عام 2017، حيق قال "الطيب" في كلمة ألقاها نيابة عنه وكيل الأزهر السابق "عباس شومان"، إن الرسول تحدث عن القضية السكانية في وقت لم تكن فيه زيادة سكانية، وأجاز العزل بين الزوجين بالاتفاق فيما بينهما، موضحا أن تنظيم الأسرة جائز شريطة الاتفاق بين الرجل والمرأة.

وبالتزامن، خرج المستشار العلمي لمفتي الجمهورية "مجدي عاشور"، مشدّدا على ضرورة تنظيم النسل من أجل ما عدّه "راحة للناس جميعا".

وانتقد "عاشور" ما وصفها بالتيارات المتطرفة التي تحرم تنظيم النسل، مشيرا إلى تناقض تصريحات قادة تلك التيارات مع أفعالهم، قائلا "إنهم ينظمون النسل".

وفي هذه النقطة، خرج عدد من الدعاة ومن يطلقون على أنفسهم باحثين في شؤون الجماعات الإسلامية، للترويج بأن الإخوان هم السبب في الزيادة السكانية، لمحاولة إرهاق الدولة.

وقال الداعية والباحث "محمد دحروج"، إن معارضة مبادرات وحملات تنظيم الأسرة وتنظيم النسل "أصبح موروثا، ومتاجرة ‏أكثر منه قضية دينية أو اجتماعية عند تنظيم الإخوان".

وأضاف في تصريحات صحفية، أن هناك معارضة من أجل المعارضة، "فالواقع المعاصر يؤكد على شنهم حملات ومبادرات ضد الرؤية القومية للدولة".

في وقت قال عضو مجمع البحوث الإسلامية "عبدالله النجار"، إنه لا يجب استغلال الدين كمعوق لمواجهة الزيادة السكانية، مضيفا: "لا يجب إنجاب الأطفال إذا لم تتم تربيتهم تربية صحيحة".

وتابع: "ما نحتاج إليه ليس كثرة النسل، وإنما نسل قوي وإنسان كريم".

وزاد "النجار": "العيال بتوع تركيا والإخوان يعتبرون زيادة النسل قضية تعبدية، يقولون ربنا هو الرازق، وهو حق يراد به باطل، فهم يريدون إرهاق كاهل الدولة والأسر حتى لا يتقدم المجتمع، وأن يكون النسل عاجزا".

لكن نظرة إلى مواقع التواصل الاجتماعي والتعليقات على ما نشرته الجهات الدينية التابعة للسلطة في مصر، تشير إلى أن نجاح هذه الحملة ليس مؤكدا.

حيث عج الفضاء الإلكتروني بالتغريدات والمنشورات المنتقدة للتوجه الحكومي، ومن بعده الديني الرسمي في مسألة تحديد النسل.

ولعل ما شهدته بعض مساجد مصر، الجمعة، حين رفض بعض الأئمة الحديث في تحديد النسل، وقف خطة وزارة الأوقاف، بل ومجاهرة البعض برفض هذه الحملة، وتفنيد عدم صحتها، دليل على الرفض الشعبي للخطة الحكومية.

وقال إمام مسجد بمنطقة المنصورية في محافظة الجيزة (غربي القاهرة)، فضل عدم ذكر اسمه، إن خطبة وزير الأوقاف ستحدث كثيرا من الجدل في المجتمع المصري، مشيرا إلى أن الخطاب الديني ينبغي أن يكون متوازنا، ولا يختار الجمل والعبارات التي تتناسب مع توجه الدولة.

وأضاف: "من الغريب التذرع بمقولة (لأن تزر ذرية لها ثروة خير من أن تذرهم فقراء يسألون الناس)، والتي يقابلها الآية القرآنية (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً)".

من جانبها، قالت الاستشارية النفسية "نيفين محسن"، إن المجتمع المصري لن يمكنه الاستجابة لهذه الضغوط المتكررة في خطاب تحديد النسل.

كما دعت إلى أنه "تجب مراعاة الألفاظ المستخدمة في النصح، وضرورة أن يختبر كل شخص النصح على نفسه أولا".

وتساءلت: "كيف للمصريين أن يستجيبوا لتنظيم النسل بينما من ينصحهم لديه عدد كبير من الأولاد".

يشار إلى أن الخطة الحكومية المستهدفة لتقليص عدد الأسرة الواحدة كشفت عنها، وزيرة التخطيط "هالة السعيد"، عندما قالت إن المرجو من قبل الحكومة ألا يزيد عدد المواليد للأسرة الواحدة عن معدل 1.8 طفل لكل سيدة عام 2042 و1.6 طفل عام 2052.

يشار إلى أن معدل الإنجاب الكلي عام 2017 بلغ 3.4 مواليد لكل سيدة.

ورغم أن خطة الحكومة تبدو صارمة، فإنها لم تنل رضا "السيسي"، الذي عبر عن اعتقاده بأن المعدل الإنجابي المستهدف غير ملائم لخطط التنمية، وعلق على حديث وزيرة التخطيط، مؤكدا ضرورة أن يكون المعدل المستهدف أقل من طفل لكل سيدة.

منذ عهد الرئيس الراحل "جمال عبدالناصر"، انتبهت الدولة للزيادة السكانية، وتعاملت معها باعتبارها خطرا لا ثروة.

وعلى ذلك، تمّ على مدار عقود،تأسيسُ العديد من الكيانات الرسمية التي ينطوي عملها على إقناع المواطنين بتنظيم النسل أو تحديده.

وانطلقت الحملات القومية من أجل تحديد النسل، وتم تكثيف عملها في العقدين الأول والثاني من حكم الرئيس الراحل "حسني مبارك"، وربما ظهر أثرها في معدلات النمو السكاني، لكن النجاح ظلّ في إطار ضيق لا يُرضي السلطة الحاكمة.

وخلال السنوات الأخيرة، حاولت الدولة استعادة تاريخ حملات تحديد النسل، فأطلقت الحكومة عدة مبادرات مثل "2 كفاية" التي تستهدف أن يكون عدد أطفال الأسرة الواحدة طفلين.

كما أطلقت مبادرة "حقك تنظمي" التي تسعى للتباعد في أعمار مواليد الأسرة، ومشروع "تسريع الاستجابة المحلية للقضية السكانية" الذي يستهدف السيطرة على الزيادة السكانية وتحسين خصائصها.

إلى جانب ذلك، أقرت مؤخرا الجامعات مناهج توعوية بقضية الزيادة السكانية، وتكثف وزارة الأوقاف جهودها من أجل إقناع المواطنين بأنّ تحديد النسل أمر مشروع دينيًا.

ولم تقف خطط تحديد النسل عند حدود المبادرات، بل امتدت إلى حدود التلويح بالحرمان من مزايا تقدمها الحكومة للمواطنين، وذلك عبر مشاريع قوانين لتنظيم النسل.

وتنص بعض موادِّ التشريع المعروض على تقليص الدعم الحكومي الذي تستفيد منه الأسر، حسب عدد الولادات، وأن تتمتع الأسرة التي لديها طفلان بدعم كامل يشمل مجانية التعليم، والتأمين الصحي، وخدمات التموين.

في حين يتم خفض الدعم بـ50% حال إنجاب الطفل الثالث، ومنع الدعم بالكامل بعد إنجاب الرابع.

مع شروع الحكومة في التلويح بالمزايا وتطبيق العقوبات، يظل مدى تقبل الأسر لتحديد النسل هو العامل الرئيسي في نجاح أو إخفاق المستهدف الرسمي.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

تحديد النسل الزيادة السكانية وزارة الأوقاف الأزهر السيسي التنمية

حملات توعوية في مصر لتحديد النسل وتنظيم الأسرة

مركز مكافحة التنمر في الشرق الأوسط يدين الإعلامي المصري تامر أمين

ترويج شرعي لتوجيهات السيسي.. مفتي مصر: لا مانع من اتخاذ الدولة ما تراه من وسائل لتنظيم النسل

مصر تحتفي بتخفيض معدلات المواليد 30% منذ 2015