الثلاثاء 23 فبراير 2021 05:29 ص

على مدار الأسابيع القليلة الماضية، كان احتمال استئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة هو الشاغل الرئيسي للسياسة الخارجية الولايات المتحدة في منطقة الخليج. وقد فرض هذا الموضوع نفسه على جدول أعمال النقاش في كل من واشنطن وطهران. وتجدر الإشارة إلى أن أي تقارب أمريكي إيراني لن يكون مرتبطا فقط بعودة واشنطن إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، ولكن أيضا بنفوذ إيران في المنطقة.

وبالرغم أن الإدارة الأمريكية الجديدة أعلنت أنها لن ترفع العقوبات عن طهران قبل المفاوضات، فقد أكدت على إعفاءات من العقوبات في الحالات التي تتعلق بالمساعدات الإنسانية. ويبدو أنه لا يوجد اندفاع في واشنطن للتوصل إلى قرار نهائي بشأن طهران، وكذلك الوضع بالنسبة لإيران.

ويبدو الجانبان مترددان في تقديم التنازل الأول، حيث يطالب كل طرف أن يبدأ الآخر بتقديم التنازل. وبما أن أي ميزة لواشنطن لن تكون في مصلحة طهران، والعكس صحيح، فإن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تعتبر لعبة صفرية حقيقية. فكيف إذن يمكن حل هذه اللعبة؟

القضايا الجانبية تحدد سياسة واشنطن تجاه إيران

وقبل الحديث عن مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، يجب أن ننظر إلى الصراعات الموازية بين القوتين. وأهم هذه المخاوف جماعة الحوثيين المتمردة في اليمن، وهي حليف مقرب من طهران.

وهناك قضية جانبية أخرى تدور حول من سيتعامل مع المفاوضات الإيرانية داخل إدارة "بايدن". وقد أدى ذلك إلى نقاش مستفيض في واشنطن حول المواقف التي سيتخذها فريق التفاوض في الإدارة الجديدة. وبالرغم أن معظم هؤلاء الأفراد كان لديهم آراء عندما كانوا خارج السلطة، فإن تصوراتهم تتغير بمجرد وصولهم إلى السلطة.

وفي النهاية، المفاوضون ليسوا صانعي القرار في هذه الحالة، لكنهم مجرد موظفين ينفذون قرارات رئيسهم، "جو بايدن". وإذا لم يوافقوا على القرارات التي اتخذها رئيسهم، فإن السبيل الوحيد لهم هو المغادرة. وكان هذا هو الحال في أماكن أخرى، لا سيما في إيران، حيث اعترف وزير الخارجية "محمد جواد ظريف" بأنه ينفذ سياسة بلاده. والاختلاف هنا بالطبع هو أنه إذا رفض مسؤول إيراني تنفيذ قرار ما، فمن المحتمل أن يتم اعتقاله، بينما لا تعمل الولايات المتحدة بهذه الطريقة.

ومع ذلك، فإن هناك حدثا جانبيا آخر وهو استقبال إيران لوفدين متتاليين من حركة طالبان الأفغانية، ثم وفد يرأسه المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن، "مارتن جريفيث". وتشير الزيارة إلى أن إيران لاعب حاسم في الصراعات المهمة في الشرق الأوسط. وحتى لو كانت زيارة طالبان نتيجة طبيعية للجوار الجغرافي لإيران وأفغانستان، فإن استقبال المبعوث الخاص إلى اليمن، الذي لا يشترك في حدود مع إيران، يشير إلى أن إيران لها تأثير كبير على الحوثيين والقرارات المتخذة في صنعاء. وإذا ربطنا كل هذه الحوادث المحيطة، فسيكون لدينا فهم أفضل للعلاقة المستقبلية بين إيران والولايات المتحدة.

التعلم من إخفاقات "أوباما" و"ترامب"

وبالرغم من تصريح "بايدن"، الذي أصر فيه على أن الولايات المتحدة ستحمي أمن واستقرار حلفائها في مجلس التعاون الخليجي، فإن عدم وضوح واشنطن يشير إلى العودة إلى السياسات الساذجة للرئيس "أوباما" والحزب الديمقراطي. وكانت لهذه السياسات أسماء مختلفة، بعضها أخلاقي والبعض الآخر إنساني، لكن لم يكن أي منها فعالا.

وبالعودة إلى اللعبة الصفرية بين واشنطن وطهران، فلابد من التفكير في حل. ونحن لا نعيد اختراع العجلة، لأننا رأينا بالفعل مبادرات أمريكية غير ناجحة تجاه إيران. وفي عهد الرئيس "أوباما"، اتبعت الولايات المتحدة سياسة الاسترضاء التي تجاهلت جميع الانتهاكات الإيرانية، سواء داخل إيران أو في جميع أنحاء المنطقة. لكن هذه السياسات فشلت.

وتتعارض سياسة الاسترضاء التي انتهجها "أوباما" مع سياسة "أقصى ضغط" التي اتبعها "ترامب"، والتي أثرت بشكل كبير على الشعب الإيراني. لكن بينما جعلت سياسة "ترامب" الشعب الإيراني أكثر فقرا وضعفا، لم تنجح في زعزعة أسس النظام الإيراني.

ويسيطر النظام الإيراني على ما تبقى من ميزانية الحكومة، وينفق الكثير منها على الحرس الثوري وكسب المزيد من النفوذ في المنطقة. باختصار، نحن الآن أمام نظام هدفه الأساسي البقاء في السلطة بأي ثمن، معتمدا على الدعم السياسي من رجال الدين والقلة الذين يستفيدون من المحسوبية والفساد.

الأولوية القصوى لإيران.. البقاء بأي ثمن

ومن الواضح الآن أن النظام الإيراني يركز فقط على توسيع قدراته العسكرية ونفوذه في المنطقة، وليس على تحسين الظروف المعيشية للشعب الإيراني. لذلك، يبدو واضحا أنه لا ينبغي لواشنطن أن تفصل مفاوضاتها مع إيران حول البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية عن برنامج الصواريخ الباليستية وسياستها الإقليمية.

وقد أوضح الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، الذي تشارك دولته في خطة العمل الشاملة المشتركة، أنه لا يمكن الفصل بين القضايا الثلاث. بل إنه دعا الدول المجاورة لإيران إلى المشاركة في أي مفاوضات مستقبلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن فصل البرنامج النووي عن القضايا الأخرى يتناقض بشكل مباشر مع تأكيد الرئيس "بايدن" أن سياسته الخارجية سوف تقوم على أساس حقوق الإنسان.

وتمتلك الحكومة الإيرانية بالطبع أحد أسوأ سجلات حقوق الإنسان في العالم. ووفقا للمنظمات الدولية، فقد حدثت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في إيران كما ارتكب وكلاء إيران في العراق ولبنان واليمن انتهاكات جسيمة أيضا.

ومن وجهة نظر طهران، قد يكون من الضروري مقابلة الولايات المتحدة في الوسط لإظهار النوايا الحسنة في إيجاد حل لمشاكلهما. ويمكن للحكومة الإيرانية أن توافق على التراجع عن بعض سياساتها والتخلي عن بعض نفوذها الإقليمي، ما قد تعتبره الولايات المتحدة تنازلا وإن كان ضئيلا.

وبذلك قد تضرب واشنطن عصفورين بحجر واحد؛ حيث تقلل من التوترات مع إيران، في حين تعطي الإدارة الأمريكية حرية أكبر لمواجهة إيران خارج حدودها. علاوة على ذلك، فإن ذلك سيعطي إدارة "بايدن" انتصارا مبكرا، ما يسمح له بالمضي قدما في مفاوضات أعمق أثرا، إذا تمكن "بايدن" وموظفوه من التعلم من أخطاء أسلافه.

المصدر | محمد الرميحي - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد