الثلاثاء 23 فبراير 2021 01:41 م

في 16 و 17 فبراير/شباط، استضافت مدينة سوتشي الروسية الجولة الـ15 من محادثات السلام السورية بين روسيا وإيران وتركيا، وهي الدول الثلاث الضامنة لما يسمى محادثات أستانا التي بدأت منذ أكثر من 4 سنوات، عندما استضاف الثلاثي محادثات بين وفد من المعارضة السورية وممثلين من دمشق في العاصمة الكازاخستانية نور سلطان (أستانا سابقًا) في يناير/كانون الثاني 2017.

وبالإضافة إلى الدول الثلاث الراعية، شارك ممثلون عن المنظمات الدولية -بما في ذلك الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر- وكذلك وفود من النظام السوري والمعارضة في الجولة الأخيرة من المفاوضات، وأقيم الحدث في سوتشي بسبب قيود "كوفيد-19" في نور سلطان.

وكان الهدف من محادثات أستانا في البداية هو معالجة القضايا التي لم تنل الاهتمام الواجب في عملية جنيف (التي تدعمها الأمم المتحدة) وتنفيذ إجراءات عملية على الأرض بما في ذلك تدابير وقف إطلاق النار وتسهيل تبادل الأسرى، ولكن هناك مؤشرات على أن المحادثات لم تعد تحقق فائدتها إلى حد كبير.

فقد أصبحت القضايا العسكرية تُثار بشكل متزايد في المفاوضات الثنائية بين رئيسي روسيا وتركيا ويتم تنفيذها من قبل العسكريين والدبلوماسيين الروس والأتراك، دون الرجوع إلى صيغة أستانا. وفي كثير من الأحيان، تتم الموافقة على قرارات موسكو وأنقرة المتعلقة بسوريا بأثر رجعي في قمم أستانا الثلاثية التي حضرها رؤساء دول روسيا وتركيا وإيران.

روسيا تقلص الخيار العسكري

وفي المحادثات التي جرت في سوتشي، حاول الوفد الروسي بقيادة المبعوث الخاص للرئيس "فلاديمير بوتين" إلى سوريا، "ألكسندر لافرنتييف"، التركيز على مواصلة "الحرب ضد الإرهاب"، وتحديداً ضد "هيئة تحرير الشام" في إدلب، وكذلك ضد "الدولة الإسلامية" و"القاعدة".

وقد أكد الحاضرون على هذا الهدف الواسع في الفقرة الثانية من الوثيقة الختامية للقمة، لكن الفقرة التالية أكدت على ضرورة "الحفاظ على السلام على الأرض" من خلال التنفيذ الكامل لجميع الاتفاقات القائمة بشأن إدلب، كما أشارت الوثيقة إلى أن الأزمة السورية ليس لها حل عسكري.

وفي هذا السياق، فإن هناك ما يدعو للاهتمام في دعوات "لافرينتييف" على هامش الحدث لوفد المعارضة السورية لتكثيف الجهود لتحرير إدلب من "هيئة تحرير الشام". وقال "لافرنتييف": "أعتقد أن الوقت قد حان لكي تحاول المعارضة السورية تولي هذا الأمر بنفسها وتحرير هذه الأراضي من المنظمات الإرهابية".

ويشير ذلك إلى أن موسكو لن تتخذ خطوات عسكرية في المستقبل القريب بخصوص هذا الأمر، ما يعني أنها مستعدة للتخلي عن مسار حل مشكلة إدلب من خلال عمليات عسكرية مشتركة مع الحكومة في دمشق.

ومن المرجح أن يواصل الروس ممارسة ضغوط عسكرية محدودة، باستخدام الضربات الجوية الموجهة، ولكن ذلك سيكون فقط لدفع تركيا والمعارضة السورية لبدء الأعمال العدائية ضد "هيئة تحرير الشام".

كما تضمنت الوثيقة النهائية رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة، تنتقد دعمها لـ"قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الأكراد. وعلى وجه الخصوص، يشار إلى أن المشاركين في الاجتماع رفضوا كل "المبادرات غير الشرعية للحكم الذاتي بذريعة مكافحة الإرهاب، وعبروا عن تصميمهم على معارضة المخططات الانفصالية في منطقة عبر الفرات، والتي تهدف إلى تقويض وحدة سوريا. وتهديد الأمن القومي لدول الجوار".

ويتمثل أحد سبل تعزيز صيغة أستانا في هذه المرحلة، في تبادل كبير للأسرى بين النظام والمعارضة، ولكن الوثيقة النهائية لم تتضمن إجراءات عملية حيث أكدت الأطراف المشاركة فقط عزمها على "بناء وتوسيع التعاون ضمن مجموعة العمل لتمهيد الطريق للإفراج عن المعتقلين/الرهائن".

ويقع عدم إحراز تقدم هنا على عاتق النظام السوري، الذي يشارك في المفاوضات حول هذا الموضوع بضغط من موسكو، لكنه يرفض علنًا التعامل مع المعارضة والاعتراف بها كطرف شرعي في عملية التفاوض.

وبالنسبة لرئيس النظام السوري "بشار الأسد"، فإن كل خصومه الذين لم يلقوا أسلحتهم، بغض النظر عن الأيديولوجيا والطيف السياسي، والقوى المدنية التي تدعمهم، هم "إرهابيون". وبالتالي، تود دمشق تجنب تبادل للأسرى، حيث يمكن أن يُنظر إلى ذلك على أنه اعتراف بأن المعارضة المسلحة طرف محارب وليست مجتمعًا إرهابيًا يجب تدميره.

وفي حين تم تخصيص فقرتين من الوثيقة النهائية التي اعتمدها ثلاثي أستانا في سوتشي للجنة الدستورية، إلا أنها كانت ذات طبيعة توضيحية بحتة ومن غير المرجح أن تسرع عملية الاتفاق على دستور جديد أو تعديل الدستور القديم.

وينجم هذا التقدم البطيء عن نهج دمشق التي تعتبر نفسها منتصرة في الحرب وليست بحاجة إلى أي إصلاحات، بل إن النظام السوري نفسه غير ممثل في اللجنة الدستورية، وقد قال "الأسد" إن القائمة "الحكومية" الصادرة عن اللجنة لا تمثل سوى وجهة نظر وينبغي اعتبارها "مدعومة من الحكومة" وليس "حكومية". أي أن النظام يحتفظ بحقه في رفض أي أحكام تتبناها اللجنة معتبراً إياها مجرد توصيات لا تلتزم الحكومة بتنفيذها لأنها لم تشارك رسمياً في تطويرها.

وبالنسبة للجنة الدستورية، فإن هدف دمشق هو الانخراط في الحد الأدنى من المشاركة من أجل تأخير عمل اللجنة لفترة كافية لفوز "الأسد" في الانتخابات الرئاسية لعام 2021 وفقًا للدستور الحالي، وهو تقريبًا نفس هدف مشاركة النظام السوري في أعمال أستانا.

لماذا ستستمر دون نتائج؟

في الوقت نفسه، سيستمر الاعتماد على صيغة أستانا كعنصر ضروري لإضفاء الشرعية على الوجود العسكري للجهات الراعية الثلاثة؛ روسيا وإيران وتركيا، لذلك فإن اجتماعات الثلاثي ستستمر بغض النظر عن وجود أو عدم وجود نتائج.

لذلك، فعندما تقول دمشق إن الوجود التركي في سوريا غير قانوني، فهذا مخادع إلى حد ما، على الأقل عندما يتعلق الأمر بإدلب، حيث تم التوصل إلى اتفاقات بشأن نشر نقاط المراقبة والقوات المسلحة التركية في الجولة السادسة من محادثات أستانا في سبتمبر/أيلول 2017، وتم الاتفاق على معايير وجودها ووافق عليها جميع المشاركين قبل دخول الجيش التركي إلى إدلب.

في المقابل؛ فمن المهم أيضًا بالنسبة لروسيا وإيران أن يكون وجودهما العسكري في سوريا قائمًا ليس فقط على الاتفاقات مع دمشق، ولكن أيضًا على الاتفاقيات المقابلة في إطار محادثات أستانا.

وبالرغم من التصريحات المستمرة بأن نظام "الأسد" هو الجهة الشرعية الوحيدة في سوريا، فإن موسكو وطهران تدركان بالتأكيد أن شرعية "الأسد" مشكوك فيها لدى جزء كبير من المجتمع الدولي وأن هناك بندا في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 يلزم سوريا بتشكل هيئة تنفيذية شاملة جديدة لتحل محل المؤسسات القديمة.

وبالتالي، فإن اتفاقيات أستانا قادرة أيضًا على توفير أسس قانونية إضافية لوجودهم العسكري، ويرجع ذلك إلى مشاركة ممثلين عن الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر ودول مراقبة مثل الأردن ولبنان وكازاخستان والعراق في عملية أستانا نفسها.

كما سبق للدبلوماسيين الأمريكيين أن حضروا فعاليات أستانا، بما في ذلك الجولة الثامنة من المفاوضات في ديسمبر/كانون الأول 2017، ولا يفقد الجانب الروسي بدوره الأمل في أن تستأنف الولايات المتحدة أيضًا مشاركتها في الاجتماعات ضمن عملية أستانا.

وقال "لافرنتييف" للصحفيين عشية المحادثات يوم 16 فبراير/شباط في سوتشي: "أرسلنا دعوة لشركائنا الأمريكيين للمشاركة في المؤتمر، لكنهم رفضوا للأسف. في الوقت الحالي، فإن الأمريكيين مشغولون بالشؤون الداخلية، ومن الواضح أنهم لم يتخذوا قرارًا كاملًا بعد بشأن توجههم في الشأن السوري".

وفي الوقت نفسه، لم تؤد محاولات إضفاء الطابع المؤسسي على ثلاثي أستانا -من خلال توسيع مجال المصالح المشتركة لروسيا وإيران وتركيا- إلى أي نجاح. فخلال اشتباكات ناجورني كاراباخ في يوليو/تموز 2020، لم يتمكن الثلاثي من توسيع تجربة أستانا للتعامل مع قضية خارج الحرب السورية. لكن هذا لا ينطبق على الثنائي موسكو وأنقرة، اللذان يواصلان إظهار جدوى انخراطهما في كل من الشأن السوري وغيره من الموضوعات.

المصدر | كيريل سيمينوف - المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد