الخميس 25 فبراير 2021 01:13 م

رأى مراقبون أن تفكيك الإمارات قاعدتها بإريتريا، ربما يكون في ظاهره نوع من التراجع أو الانسحاب، لكنه في الوقت ذاته خطوة تكتيكية لا تخلو من توفر عامل "المناورة" بها.

وفي 18 فبراير/شباط الجاري، نشرت وكالة "أسوشيتدبرس" الأمريكية، تقريرا كشفت فيه بالاعتماد على صور أقمار صناعية عن تفكيك مبانٍ ونقل لأسلحة ومعدات عسكرية إلى خارج القاعدة الواقعة في جنوب الساحل الإريتري على البحر الأحمر.

انكماش الطموح

تلك الخطوة عدها المحلل في شركة ستراتفور للاستخبارات "رايان بوهل"، خلال حديثه لوكالة "أسوشيتدبرس"، "انكماشا في الطموح".

وقال إن "الإماراتيين يقلصون طموحاتهم الاستراتيجية، وينسحبون من الأماكن التي كان لديهم وجود فيها... إن نشرهم لهذه القوة الصارمة عرّضهم لمخاطر أكثر مما يرغب الإماراتيون الآن في تحمّله".

وفي الاتجاه ذاته، اعتبر مراقبون الإجراءات الإماراتية الأخيرة في القاعدة تأكيداً من أبوظبي لانسحابها من حرب اليمن، وتوافقها مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة حولها.

وبالإضافة لحرب اليمن، كانت اتهامات قد وُجهت للإمارات بمشاركة طائراتها المسيّرة في الحرب الإثيوبية الأخيرة إلى جانب القوات الحكومية، انطلاقاً من قاعدتها العسكرية في عصب الإريترية.

ما دفع مراقبين إلى ربط ما يحدث في القاعدة برغبة إماراتية في النأي بالنفس عن هذا الملف، ولا سيما عند النظر إلى أن من المباني التي فُككت حظائر للطائرات المسيّرة.

تحول الخطاب الإريتري

وفي السياق ذاته، كان من اللافت في المقابلة السنوية التي أجراها الرئيس الإريتري "أسياس أفورقي" مع التليفزيون المحلي في 18 فبراير/شباط الجاري امتداحه للسعودية، ودعوته لممارسة الرياض دوراً إقليمياً مهماً في منظومة الأمن الجماعي للبحر الأحمر.

هذه اللغة الداعمة تعد تحولاً مثيراً في الموقف الإريتري من المبادرة السعودية لإنشاء "مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن"، التي أبدت أسمرة تردداً واضحاً حيالها كما لم تخف انتقاداتها بأنها "تستدعي مراجعة واقعية وشاملة لا تضعفها الأساليب العاطفية أو الافتراضية".

ورغم انضمام إريتريا المتأخر إلى المبادرة فقد كان من الملاحظ غيابها عن مناورات "الموج الأحمر-1" (يناير/كانون الثاني 2019) و"الموج الأحمر-2" (سبتمبر/أيلول 2019) ، وهي مناورات بحرية نظمتها وزارة الدفاع السعودية بمشاركة دول المجلس المزمع إنشاؤه.

هذا التحول في الخطاب الإريتري الذي ترافق مع الإجراءات الإماراتية الأخيرة عُد مؤشراً إلى تغير في ترتيبات أمن البحر الأحمر ، تقوم فيه الرياض بدور أكبر، وتتقدم فيه أولويات الانتقال من الوجود العسكري الثقيل إلى التحرك الاستخباراتي الأمني العسكري، في مواجهة واقع ما بعد الحرب في اليمن في ظل الجهود الأمريكية لإنجاز هذا الهدف.

رأي آخر

وفي مقابل ذلك رأى آخرون أن هذه التقديرات تفتقد إلى الدقة، وأن ما حدث لا يعدو كونه إعادة انتشار وتموضع للقوات، إذ وفقاً لتسريبات حول الاتفاق بين أسمرة وأبوظبي عام 2015، فقد تم تأجير الأرض التي أقيمت عليها القاعدة لمدة 30 عاماً مقابل 150 مليون دولار، ما يعني استمرارية الوجود الإماراتي لقرابة 20 عاماً قادمة.

كما أن الصور الملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية تظهر تفكيكاً لبعض المباني داخل القاعدة ونقلاً لمعدات عسكرية بشكل متفرق خلال عام ونصف العام، ما يؤشر إلى أن ذلك ليس مرتبطاً بتغييرات جذرية داخل القاعدة.

ووفقاً لتقرير "أسوشيتيد برس" فقد قام العمال في يونيو/حزيران 2019، وهو موعد إعلان أبوظبي انسحابها من العمليات العسكرية في اليمن، بهدم مبانٍ يُعتقد أنها ثكنات بجانب الميناء، كما جمعوا صفوفاً من العتاد شمال الميناء، في انتظار شحنها على ما يبدو.

وفي أوائل يناير/كانون الثاني 2021، أظهرت صورة أخرى ما يبدو أنه مركبات ومعدات أخرى يتم تحميلها على سفينة شحن منتظرة، وبحلول 5 فبراير/شباط الجاري اختفت السفينة وهذه المعدات.

وممَّا يدعم الفرضية القائلة باستمرارية عمل القاعدة أنها رغم ارتباط بنائها بحرب اليمن فإنها تمثل أيضاً نقطة حماية متقدمة للمصالح الإماراتية في القرن الأفريقي والبحر والأحمر، فيما يتعلق بمكافحة القرصنة وحماية أمن الممرات المائية ومكافحة الإرهاب، وهي ملفات تتذرع بها العديد من القوى لضمان وجودها العسكري والأمني في المنطقة، ما حولها إلى ساحة صراع دولي محتدم خلال السنوات الأخيرة.

تعرف على القاعدة

مع انطلاق العمليات العسكرية ضد الحوثيين أواخر مارس/آذار 2015، سعت الإمارات  والسعودية إلى استخدام الأراضي الجيبوتية قاعدة خلفية لتحرير عدن، لكن الخلاف الإماراتي الجيبوتي حول ميناء دوراليه اضطر الحليفان الخليجيان إلى الاتفاق مع إريتريا المجاورة والمنافسة الإقليمية لجيبوتي.

أسفر ذلك عن توقيع اتفاق عسكري أمني منح دول التحالف حق إقامة قواعد داخل إريتريا التي كان يعاني نظامها من العزلة الخانقة، على خلفية عقوبات دولية متعلقة بتورطه في الأزمة الصومالية، ووجد في الاتفاق أداة لبناء تحالفات جديدة تعيده إلى "الأسرة الدولية"، وهو ما تم تدريجياً برعاية الرياض وأبو ظبي.

وابتداء من سبتمبر/أيلول 2015 قامت الإمارات ببناء ميناء ووسعت مهبطاً للطائرات في عصب الإريترية على ساحل البحر الأحمر، بالإضافة إلى ثكنات ومظلات للطائرات وأسيجة عبر المنشأة التي تبلغ مساحتها 9 كيلومترات مربعة، ونقلت إليها أسلحة ثقيلة كدبابات "Leclerc" القتالية ومدافع هاوتزر "G6" ذاتية الدفع وعربات القتال البرمائية "BMP-3" في المطار.

ولعبت القاعدة دوراً رئيسياً في العمليات العسكرية في حرب اليمن، تضمن الطلعات الجوية وتدريب القوات كما أنشئ داخلها مستشفى ميداني لمعالجة الجرحى، وسجن تم فيه اعتقال الجنود والمعارضين اليمنيين للنشاطات الإماراتية في بلادهم.

المصدر | الخليج الجديد + تي آر تي عربي