الخميس 4 مارس 2021 09:30 ص

يثير الغياب المصري الرسمي عن إبداء أي موقف علني لدعم الموقف السعودي إزاء تقرير المخابرات الأمريكية بشأن مقتل الصحفي "جمال خاشقجي"، في قنصلية المملكة بإسطنبول 2018، الجدل حول فتور خفي، وأزمة محتملة بين القاهرة والرياض.

وفي الوقت الذي سارعت فيه دول خليجية وعربية لدعم وتأييد رفض السعودية للعقوبات الأمريكية ضمن سياسة "حظر خاشقجي"، التي طالت مسؤولين سعوديين، لم يصدر بعد تعليق مصري رسمي إلى الآن.

وأعربت كل من البحرين والإمارات وسلطنة عمان عن تضامنها مع الرياض في رفضها للتقرير، وثقتها بنزاهة أحكام القضاء السعودي في هذه القضية، كما أبدت الكويت رفضها المساس بسيادة السعودية، مؤكدة على أهمية دور الرياض في استقرار المنطقة.

وقبل أيام، أجرى أمير قطر، الشيخ "تميم بن حمد"، قبل أيام، اتصالا مع ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، أكد خلاله على دعم بلاده الراسخ للمملكة حكومة وشعبا وعلى كل ما من شأنه تعزيز أمن واستقرار وسيادة المملكة، واعتبار استقرارها جزءا لا يتجزأ من استقرار مجلس التعاون الخليجي، دون ذكر قضية "خاشقجي" مباشرة.

كذلك أعلنت باكستان وجيبوتي وموريتانيا واليمن والسودان وفلسطين، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي، تضامنها مع السعودية، وأكدت تقديرها الجهود التي قامت بها الرياض لتقديم الجناة للعدالة.

تعليق مصري

الصمت المصري اللافت والغريب، بدده بعض الشيء، النائب والإعلامي المصري، المقرب من السلطة "مصطفى بكري"، معتبرا أن قضية "خاشقجي" حسمت بمحاكمة المتورطين وإدانتهم داخل المملكة.

واتهم "بكري" إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" بمحاولة ابتزاز المملكة والتدخل في شؤونها، معتبرا أن "الحملة على السعودية هي محاولة جديدة من الحزب الديمقراطي لإعادة إنتاج سيناريو الربيع العربي من جديد".

وطالب "بكري"، عبر "تويتر"، بضرورة عقد اجتماع عاجل للجامعة العربية لإصدار بيان موحد للتضامن مع المملكة وإدانة التدخل الأمريكي في شؤون بلد عربي ذي سيادة.

ودخل على الخط، الإعلامي المصري المقرب من السعودية، "عمرو أديب"،  منتقدا التقرير وواصفا إياه أنه "يغلب عليه الظن وأنه خال من الأدلة".

ونقل "أديب" عن مسؤول سعودي (لم يحدد هويته)، رأيه في التقرير، فقال: "يا ريتهم كانوا ذاعوه من زمان، كنا ارتحنا وخلصنا".

وأضاف "أديب" عبر برنامج "الحكاية" المذاع على قناة "إم بي سي مصر" (سعودية): "لما تقرأ التقرير من أوله لآخره، كله تظن وتتوقع وتتخيل وتعتبر وتستنتج، التقرير كله مفهوش دليل على شيء"، مؤكدا أن التقرير لا يحمل ما يدين "بن سلمان".

بينما برر البرلماني المصري السابق، اللواء "تامر الشهاوي"، عدم تعليق القاهرة على التقرير، بالقول إن "الحكومة المصرية التزمت عدم التعليق احتراما للأدبيات الدبلوماسية، ولا يجوز أن تعلق على بيان غير رسمي".

وأضاف "الشهاوي" أن التقرير "غير متكامل، وأغفل مسألة اتخاذ القرار داخل المؤسسات السعودية ولجنة الدفاع والأمن القومي سابقا، وكذلك احتمالية الخطأ وتجاوز التعليمات والأوامر لعناصر داخل المؤسسة"، وفق صحف مصرية.

صمت رسمي

لم يتجاوز الرد المصري ساحة الإعلام، بينما غابت الرئاسة المصرية تماما، وكذلك وزارة الخارجية، والسفارة المصرية في الرياض، عن إصدار أي موقف بشأن التقرير، يبدي أي شكل من التضامن مع "بن سلمان"، وهو ما أثار على ما يبدو امتعاض المملكة.

وعلى الرغم من أن "السيسي" كتب تدوينة عبر "فيسبوك"، هنأ فيها "بن سلمان" على تعافيه من الجراحة التي خضع لها أخيرا، فإن الفتور بدا أنه سيد الموقف بين الرجلين، وأن إشارات نحو أزمة مكتومة وقائمة بين الرياض والقاهرة، قد تتصاعد مستقبلا.

ويبدو أن التجاهل المصري لإبداء التضامن مع "بن سلمان"، يقف وراءه عدم رضا القاهرة عن خطوات تسريع المصالحة الخليجية مع قطر، دون الاهتمام بالمطالب المصرية من الدوحة، أو النظر بعين الاعتبار للهواجس القائمة إزاء الأجندة القطرية في ملفات عدة، وهو ما ترجم في غياب "السيسي" عن "قمة العلا" يناير/كانون الثاني الماضي، وتمثيل مصر فقط بوزير خارجيتها "سامح شكري".

وقد يزيد من حدة الخلاف المكتوم، تصريحات وزير الدولة السعودي لشؤون أفريقيا، "أحمد القطان"، الأسبوع الجاري، والتي زعم خلالها فوز المرشح الرئاسي "أحمد شفيق" برئاسة مصر 2012، وتزوير النتائج لصالح مرشح جماعة الإخوان، الرئيس الراحل "محمد مرسي"، تمهيدا لحرق الجماعة، وإفساح المجال أمام عودة الجيش مجددا إلى السلطة، في إشارة إلى علمه بانقلاب يوليو/تموز 2013.

ويرى مراقبون، أن تصريحات "قطان" (سفير الرياض في القاهرة لأكثر من 25 عاما)، ربما تكون رسالة تذكير من السعودية لـ"السيسي" بأن وصوله إلى الرئاسة، غير الشرعي، بعدما كان وزيرا للدفاع، كان أمرا مخططا له بدعم من المملكة، مع إمكانية استدعاء ورقة "شفيق" من جديد للمناورة، حال لزم الأمر.

تجنب الصدام

نظرى أخرى للمشهد، ترى أولا أن "تقرير خاتشقجي" يذهب في اتجاه تحجيم نفوذ "بن سلمان" في المنطقة، وممارسة ضغوط أكثر على المملكة في ملفات عدة، وهو ما يخدم أجندة القاهرة التي تريد استعادة دفة القيادة في المنطقة، بعد تراجعها خلال السنوات الماضية.

بمعنى آخر، فإن إضعاف "بن سلمان" يخدم "السيسي"، خاصة بعد تهميش الأخير في موجة اتفاقات التطبيع الجارية بين عواصم خليجية وعربية وتل أبيب، والتي أكدت تقارير أن السعودية دعمتها في الخفاء.

ثانيا، يمكن تفسير الصمت المصري إزاء تقرير "خاشقجي" كمحاولة من القاهرة لعدم استفزاز واشنطن وتجنب الصدام مبكرا مع إدارة "بايدن"، التي بصدد تقييم علاقتها مع نظام "السيسي"، ومراجعة الملف الحقوقي في مصر، بعدما تعهد الرئيس الأمريكي خلال حملته الانتخابية بأنه "لا شيكات على بياض لديكتاتور ترامب (الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب) المفضل"، في إشارة إلى الرئيس المصري.

ويشعر النظام المصري بقلق من تصاعد مطالب المعارضة المصرية، إضافة إلى منظمات حقوقية دولية، بضم مسؤوليه ضمن نطاق تطبيق قانون "حظر خاشقجي"، ومحاسبتهم لارتكاب جرائم تفوق في بشاعتها جريمة مقتل "خاشقجي".

وقبل أيام، دعت 41 شخصية مصرية معارضة -في بيان لها- إدارة "بايدن" إلى التحرك ضد نظام "السيسي"، ومحاسبته على عشرات الآلاف من جرائم القتل والتعذيب والاختفاء القسري.

وتخشى القاهرة، في السياق ذاته، تعرضها لمزيد من الضغوط في قضية مقتل طالب الدكتوراه الإيطالي "جوليو ريجيني" في القاهرة، فبراير/شباط 2016، وعلى جثته آثار تعذيب وحشي، وسط اتهامات إيطالية لضباط مصريين بتنفيذ الجريمة، ومطالبة الإنتربول الدولي بتسليمهم للمحاكمة.

وبلا شك، فإن التجاهل المصري لـ"تقرير خاشقجي"، قد يجنب نظام "السيسي" الصدام مبكرا مع الإدارة الأمريكية من جانب، لكنه سيثير بالتأكيد علامات استفهام عديدة في الرياض، من شأنها إحداث توتر في العلاقات المصرية - السعودية، وصولا ربما إلى أزمة حقيقية بين "السيسي" و"بن سلمان".

المصدر | الخليج الجديد