الخميس 4 مارس 2021 09:44 م

أظهر "حزب الله" مؤخرا استعدادا أكبر للمخاطرة فيما يتعلق بالمواجهة العسكرية مع إسرائيل، وذلك على عكس فترة ضبط النفس التي فرضها الحزب على نفسه في الأشهر الأخيرة من إدارة "ترامب". ومنذ دخول الإدارة الجديدة إلى البيت الأبيض، سعى "حزب الله" لتهديد وإلحاق الضرر بالطيران الإسرائيلي في الأجواء اللبنانية، وذلك بعد فترة طويلة من تجنب مثل هذا الإجراء منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019.

وفي 3 فبراير/شباط 2021، أطلق "حزب الله" صاروخا مضادا للطائرات على طائرة مسيرة إسرائيلية. وفشل الصاروخ في إسقاط الطائرة فيما تفاخر المتحدثون باسم "حزب الله" بهذا العمل كدليل على عزمهم على منع النشاط الإسرائيلي في الأجواء اللبنانية والحفاظ على معادلة الردع مع إسرائيل.

ويبدو أن جرأة "حزب الله" تأتي بالتنسيق مع إيران، وتنبع من تقدير الحزب أن إسرائيل منشغلة بشؤونها الداخلية في ظل الوباء المستمر والأزمة السياسية، وبالتالي فهي ليست في وضع لا يسمح لها بشن حملة عسكرية محفوفة بالمخاطر.

بالإضافة إلى ذلك، يرى "حزب الله" فرصة سانحة نتيجة تغيير القيادة في الولايات المتحدة. وفي الأشهر الأخيرة لإدارة "ترامب"، كان من الواضح أن الحزب يتوخى الحذر في عملياته على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية، وواجه صعوبة في إظهار معادلة الردع التي وعد "نصر الله" بتنفيذها بالقوة ضد الجيش الإسرائيلي. وعلى سبيل المثال:

1- بعد محاولتين فاشلتين للثأر، امتنع "حزب الله" عن العمل الذي توعد به إسرائيل ردا على مقتل أحد مقاتليه في سوريا في يوليو/تموز 2020. وربما كان الإنجاز الوحيد الذي حققه "نصرالله" في هذا السياق هو الضغط الذي فرضه على الجيش الإسرائيلي في أعقاب التوترات المستمرة على الحدود اللبنانية، والتي أدت إلى تعزيز انتشار القوات الإسرائيلية. وأرجع "نصر الله" هذا الانتشار إلى قوة الردع لـ"حزب الله" ومخاوف الجيش الإسرائيلي من قوته العسكرية.

2- عدم استجابة "حزب الله" للهجمات الواسعة المنسوبة إلى إسرائيل على أصوله في سوريا، وهي الهجمات التي كانت تهدف إلى إحباط عمليات نقل الأسلحة من إيران وإلحاق الضرر بالبنية التحتية لـ"حزب الله" في مرتفعات الجولان.

3- امتنع "حزب الله" عن أي عمل ضد إسرائيل على طول الحدود اللبنانية بعد مقتل العالم النووي الإيراني "فخري زاده"، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بحجة أن الرد يجب أن يأتي من الجانب المستهدف، وهو إيران. ويبدو أن الإعلان عن هذا الموقف يهدف إلى تهدئة الانتقادات الداخلية بسبب علاقة الحزب بإيران.

وفي خطاب ألقاه في 16 فبراير/شباط، إحياء لذكرى وفاة سلفه "موسوي" الذي قتلته إسرائيل، ناقش "نصر الله" إمكانية المواجهة مع إسرائيل وأشار إلى خطاب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي "أفيف كوخافي" في المؤتمر السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي بتاريخ 26 يناير/كانون الثاني، وإلى التقييم الاستخباراتي الإسرائيلي الذي نُشر مؤخرا بشأن جدوى "المعركة المتقطعة"، أي تنفيذ جولات محدودة من المواجهة.

وأكدت تصريحات "نصرالله" الأهمية التي يوليها لمعادلة الردع تجاه إسرائيل وعزم "حزب الله"، رغم زعمه أنه غير مهتم بالحرب، على الرد بقوة على أي تحرك إسرائيلي. وبخصوص "كوخافي"، الذي أصر على حق إسرائيل في مهاجمة مخازن صواريخ "حزب الله" المخبأة بين السكان المدنيين اللبنانيين، حذر "نصر الله" من أنه إذا أساءت إسرائيل إلى المدنيين اللبنانيين، فإن "حزب الله" سيحدث أضرارا جسيمة للجبهة الداخلية الإسرائيلية ستكون الأسوأ منذ عام 1948.

وحول تقدير "حزب الله" لفكرة "معركة متقطعة" مع الجيش الإسرائيلي، أوضح "نصر الله" أن إسرائيل "تلعب بالنار" عندما تعتقد أن تبادل الضربات بين الطرفين سيكون محدودا ولن يؤدي إلى حملة واسعة. وأضاف أنه بالرغم أنه لا يريد حدوث مواجهة واسعة، فإن "حزب الله" سيقاوم إذا حدث ذلك.

وبالرغم أن إدارة "بايدن" لم تصغ بعد سياستها تجاه المسرح اللبناني بشكل كامل، أو بشكل خاص فيما يتعلق بـ"حزب الله"، يبدو أن الحزب يرى الفرصة سانحة لتعزيز مصالحه في ضوء تغيير "بايدن" للسياسة الخارجية الأمريكية بعيدا عن موقف "ترامب" تجاه المحور الشيعي.

وكانت الإدارة السابقة قد دعت إلى "أقصى ضغط" على "حزب الله"، بالتوازي مع الضغط الذي تمارسه على إيران، حيث دعت إلى توسيع العقوبات على أعضاء الحزب وداعميه في النظام اللبناني، وطالبت بتقليص نفوذ "حزب الله" في الحكومة اللبنانية الجديدة، على عكس فرنسا، المستعدة لقبول مكانة الحزب في النظام اللبناني، وضغطت على لبنان للتسوية والمضي قدما في المفاوضات مع إسرائيل بشأن الحدود البحرية.

في الوقت نفسه، تلقى حزب الله عددا من الضربات على الساحة الدولية العام الماضي، انعكست بشكل أساسي في قيام 13 دولة جديدة بتصنيفه كمنظمة إرهابية.

وتم تقديم ورقة سياسية مؤخرا إلى إدارة "بايدن" من قبل مجموعة الأزمات الدولية التي يرأسها "روبرت مالي" والذي تم تعيينه مؤخرا مبعوثا لـ"بايدن" بشأن القضية الإيرانية. ونصحت الورقة الإدارة الأمريكية بتغيير المنظور الأمريكي تجاه لبنان، وبدلا من الترويج لمحاولة إضعاف "حزب الله"، تنصح الورقة باعتماد نهج جديد يهدف إلى تقوية الدولة اللبنانية ومنع انهيارها، من خلال دعم المبادرة الفرنسية وتشكيل حكومة تضم "حزب الله".

يشار إلى أن استطلاعا للرأي أجراه "ديفيد بولوك" من معهد واشنطن، في لبنان في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أظهر تراجعا واضحا في شعبية "حزب الله" في الأعوام الأخيرة بين الجمهور اللبناني، بما في ذلك بين الطائفة الشيعية. وأثارت حملة "حزب الله" الواسعة، إحياء لذكرى مقتل "قاسم سليماني" في يناير/كانون الثاني 2020، انتقادات واتهامات للحزب بالعمل من أجل مصلحة إيران.

وبالنظر إلى المستقبل، فإن أي تغيير محتمل في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران مع التدهور المستمر في لبنان، فضلا عن شعور "حزب الله" بانشغال إسرائيل بشؤونها الداخلية، قد يزيد من جرأة الحزب تجاه إسرائيل. وقد يحاول "حزب الله" مرة أخرى تنفيذ الهجوم الانتقامي الموعود، والذي قد يؤدي إلى جولة من الصراع.

ويعتبر الهدف الرئيسي للحزب حاليا هو ترسيخ معادلة الردع الخاصة به، لكن يبدو أن التوتر المتجدد على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، قد يؤدي أيضا إلى تحسين صورته على الساحة الداخلية باعتباره "المدافع عن لبنان" وربما حتى منح إيران نفوذا غير مباشر مع الإدارة الأمريكية الجديدة، على الأقل حتى استئناف المفاوضات النووية. لكن بعد أي استئناف للمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، يفترض أن يكبح حزب الله أنشطته مع إسرائيل حتى لا يخرب الحوار الذي يفترض أن يخدم إيران.

لذلك، ربما يكون الخياران الرئيسيان أمام الجيش الإسرائيلي هما ضمان رد مناسب ولكن محسوب من شأنه أن يحد من الأحداث ويمنع الانزلاق إلى قتال واسع النطاق، أو استغلال الوضع الحالي من أجل القيام بعمل مكثف لإضعاف قدرة "حزب الله" الصاروخية والتي تشكل تهديدا استراتيجيا لإسرائيل.

المصدر | أورنا مزراهي/معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد